الدرس في كتاب الطهارة 13، ألقاها
شرح حديث عبد الله بن عمر في صفة الوضوء، وبيان كيفية مسح الأذنين في الوضوء. يرى جمهور أهل العلم أن مسح الأذنين واجب واستدلالهم بحديث 'الأذنان من الرأس'.
يشرح أهمية الاستنثار ثلاث مرات عند الاستيقاظ من النوم، وبيان أن الشيطان يبيت على خيشوم النائم. يتناول اختلاف العلماء حول عموم الحكم لنوم الليل والنهار.
يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يأمر فيه بغسل اليدين ثلاث مرات بعد الاستيقاظ من النوم قبل غمسهما في إناء الماء للوضوء، وبيان الحكم والعلة من ذلك والآراء المختلفة حول تعليل هذا الحكم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب الوضوء: «وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في صفة الوضوء قال: ثم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه، أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة». هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما في صفة الوضوء، حديث صحيح، أخرجه أبو داود والنسائي كما ذكر رحمه الله، وصححه ابن خزيمة. وجاء أيضا عند النسائي من حديث ابن عباس بمعناه. وفي هذا الحديث يخبر عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما -وهو عبد الله بن عمر بن الخطاب، الصحابي الجليل، وممن صغار الصحابة، كان عابدا زاهدا، كان يقوم الليل ويصوم النهار ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويصوم كل يوم- حتى نصحه النبي عليه الصلاة والسلام بأن يقتصد في العبادة، فيصوم يوما أو ثلاثة أيام من كل شهر، وطلب الزيادة، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم يومين ويُفطر يوما، فطلب الزيادة، فقال: «صوم يوما وأفطر يوما»، قال: أراد زيادة على ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أشد ظلما من ذلك». وهكذا أيضا أوصاه أن يقتصد بقراءة القرآن، وأن يختمه في كل شهر، ثم طلب الزيادة إلى ثلاثة أيام، ألا يزيد في قراءته عن ثلاثة أيام. ولهذا كان يلقب رضي الله تعالى عنه «بعابد الصحابة». ذكر رحمه الله بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، وأدخل أصبعيه السبابتين في أذنيه. أصبع السبابة هي التي تلي الإبهام، سميت سبابة لأن المسبح يشير بها، ويقال لها السبابة: أن الذي يسب أحدا يشير بهذه الأصبع، لكن لما كان المقام هنا مقام عبادة وطاعة، ذكر لفظ السباحة. وقوله: «ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه»، الإبهام: الأصبع العريضة من أصابع اليدين والقدمين، والمراد بها أصبع اليد القصيرة العريضة. وكيفية ذلك كما هو ظاهر في الحديث: بعد أن يمسح رأسه يدخل أصبعيه السبابتين داخل الأذن، والإبهام من ظاهر الأذن من الخارج، فيمسح الأذنين باطنهما وظاهرهما، السبابتان في داخل الأذن، والإبهامان في خارج الأذن، فيحصل بذلك تنظيف الأذنين من الداخل والخارج. ومسح الأذنين في الوضوء، جمهور أهل العلم من السلف والخلف على أن مسحهما واجب، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما جاء في حديث ابن عمر موقوفا عليه من قوله: «الأذنان من الرأس»، صحة موقوفا من قوله ابن عمر، وروي مرفوعا من طرق فيها كلام، وبعض أهل العلم صححها بمجموع طرقها، كالحافظ ابن حجر رحمه الله وغيرهم من أهل العلم، فقالوا بمشروعية مسح الأذنين، وأن حكمهما حكم الرأس؛ لأن الحديث «الأذنان من الرأس»، وإذا كان الرأس يجب مسحه، فكذلك أيضا يجب مسح الأذنين. وبعض أهل العلم على حديث ابن عمر المرفوع، كالإمام البيهقي والدارقطني وابن حزم، أعلوا الأحاديث المرفوعة في هذا الحكم في مسح الأذنين. وفي هذا الحديث الإخبار بفعل النبي عليه الصلاة والسلام أنه مسح أذنيه، والفعل مجرد الفعل من النبي عليه الصلاة والسلام يدل على الاستحباب، يدل على الاستحباب. لكن إذا صحت هذه الرواية «الأذنان من الرأس» على القول بصحتها بمجموع الطرق، فتدل على وجوب مسح الأذنين. وكما ذكرنا مذهب جمهور السلف والخلف أن الأذنين تمسح كما يمسح الرأس، وحكمهما حكم الرأس. قال رحمه الله: «وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، متفق عليه. في هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن من استيقظ من نومه -نومه هنا مفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف يدل على العموم- فيشمل ذلك نوم الليل ونوم النهار، قال: «فليستنثر ثلاثا»، الاستنثار: إخراج الماء من الأنف، فإذا كان إخراج الماء من الأنف واجب، فالاستنشاق كذلك واجب؛ لأن الاستنثار لا يكون إلا بعد الاستنشاق، فيدل هذا على الأمر بالاستنشاق وكذلك الاستنثار. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم العلة في ذلك، فقال: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، يعني يبيت على خيشومه، أي في داخل الأنف، الخيشوم أعلى الأنف. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»، والمراد بالشيطان هنا أي جنس الشياطين، أو الشيطان: جنس الشيطان. فهذا الحديث فيه الأمر بالاستنثار، وفي ضمنه الأمر بالاستنشاق عند الاستيقاظ من النوم. وجاء فيه رواية في مسلم تقي ذلك بالوضوء: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فتوضأ فليستنثر»، وهنا الرواية مطلقة، وهناك في صحيح مسلم مقيدة. وإذا حملنا المطلق على المقيد، فيكون الأمر بالاستنثار بعد الاستيقاظ من النوم عند الوضوء. ففي الحديث كما سمعنا وجوب الاستنثار والاستنشاق بعد الاستيقاظ من النوم عند الوضوء. وكذلك أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، البيتوتة كما يقول أهل العلم الأصل أن تطلق على نوم الليل، فقوله: «من نومه» هذا عام يشمل نوم الليل ونوم النهار، وقوله: «يبيت» هذا يدل على نوم الليل، فهل يكون هذا الحكم عاما في نوم الليل والنهار أم يكون خاصا في نوم الليل دون النهار؟ اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب الحنابلة إلى أن هذا الحكم خاص بنوم الليل فقط دون نوم النهار، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، قالوا: أصل البيات إنما يكون من نوم الليل. والجمهور على أن هذا الحكم عام لنوم الليل ونوم النهار، واستدلوا بقوله: «من نومه»، قالوا: فهذا مفرد مضاف، والمفرد إذا أضيف دل على العموم فيشمل ذلك نوم الليل ونوم النهار. أما قوله: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه» فذكر البيتوتة، هذا خرج مخرج الغالب؛ الغالب أن الإنسان ينام في الليل، ينام في الليل ويستغرق في النوم في الليل، فإذا كان الأمر كذلك فلا يكون له مفهوم، لا يكون له مفهوم. قالوا: مثل قول الله جل وعلا: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فقوله: «في حجوركم» قالوا: هذا ليس له مفهوم، فليس معنى أن الربيبة التي هي بنت الزوجة إذا كانت في غير الحجر لا تحرم على الزوج، بل هي محرمة سواء كانت في حجره أو كانت في غير حجره، لكن ذكر هذا القيد لأنه الغالب؛ الغالب أن الربيبة تكون في حجر زوج أمها، فلا يكون له مفهوم. لكن قوله جل وعلا: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ هذا قيد له مفهوم، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. لكن في قوله: «اللاتي في حجوركم» لم يأت لهم بمفهوم، لم يقل جل وعلا: «فإن لم يكن في حجوركم فلا يحرمن عليكم»، ما قال ذلك، فدل هذا على أن هذا القيد ليس له مفهوم. وكذا أيضا ذكر البيتوتة في الحديث ليس له مفهوم. وعلى هذا فيكون هذا الحكم عاما في نوم الليل والنهار، إلا أنه يتأكد في نوم الليل؛ لأنه هو الذي يستغرق فيه الإنسان أكثر، وربما إنسان ينام في النهار أكثر من الليل، الذين مثلا يعملون في الحراسة، فتجده في الليل مستيقظ، وفي النهار ينام، هل نقول: لا يشمل هذا الحكم؟ الجواب: يشمله. وتقييد البيتوتة نقول: هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وعلى هذا فيكون هذا الحكم عاما في نوم الليل والنهار، إذا استيقظ الإنسان من نومه وأراد أن يتوضأ فإنه يجب عليه أن يستنشق ويستنثر. وسيأتي معنى أن الاستنشاق والاستنثار على الصحيح أنه من الواجبات من واجبات الوضوء. قال رحمه الله: «وعنه: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده»، متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. هذا الحديث كالذي قبله في أن هذا الحكم على الصحيح في قول جمهور أهل العلم عاما في نوم الليل والنهار. وما قيل في الحديث الذي قبله يقال في هذا الحديث. فقول عليه الصلاة والسلام: «من نومه» هذا عام يشمل نوم الليل ونوم النهار، وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» هذا خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له. وفي هذا الحديث أمر من استيقظ من نومه ألا يغمس يده في الإناء -يعني في الوعاء الذي فيه الماء الذي يريد أن يتوضأ منه- لا يغمس يده في الإناء إذا استيقظ من النوم حتى يغسلها ثلاثا، أي خارج الإناء، يغسلها ثلاثا خارج الإناء، يغرف بإناء من الإناء ويغسل يده ثلاث مرات في خارج الإناء، ثم يغمس يده ويستعمل الماء من الإناء. ما هي الحكم من ذلك والعلة؟ قال: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، فهذا النهي في قول عليه الصلاة والسلام: «فلا يغمس» هذا النهي يسمى التحريم، وهو الأصل في النهي أنه للتحريم، فيحرم على المستيقظ من النوم أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا. وقوله: «حتى يغسلها» يدل على وجوب غسلها، يدل على وجوب غسلها. ولهذا جاء في رواية البخاري: «فليغسل يده»، أي قبل أن يضعها في الإناء، جاء فيه الأمر، إذن غسلها قبل وضعها في الإناء واجب، ووضعها في الإناء قبل أن تغسل محرم. وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، اختلف أهل العلم: هل لهذا النهي حكمة وعلّة معقولة أو أنه أمر تعبدي؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن هذا الأمر تعبدي، وقول إمام مالك رحمه الله: ذهب إلى أن الأمر بغسل اليدين بعد الاستيقاظ من النوم قبل وضعها في الإناء أن هذا أمر تعبدي لا نعلم علته. وذهب جمهور أهل العلم إلى أن العلّة في هذا الحكم ليس تعبديا بل معقول المعنى، فقوله عليه الصلاة والسلام: «فإنه لا يدري أين باتت يده»، أي أنه في حال نومه ربما تطيش يده وتنام إلى أماكن السوآتين مثلا، فيصيبها شيء من النجاسة. وبعض أهل العلم كالإمام الشافعي رحمه الله يقول: بأن هذا يتأكد في حق البلاد الحارة، ومن يستعمل الحصى في الاستنجاء؛ لأنها تبقى شيئا من الرطوبة، ومع الحرارة ربما يبقى شيء من الأثر فيعلق في يده في حال نومه، فلأجل ذلك فإنه إذا استيقظ يغسل يده. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذهب إلى أن العلّة في ذلك هو أنه ربما يكون للشيطان أثر في يديه، وسدّد بالحديث الذي قبله في قوله: «فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، فإذا كان يبيت على خيشومه ربما كذلك أيضا يبيت في يديه أو يكون له شيء من الأثر في يديه، فلأجل ذلك أمر بغسل يديه. وعلى كل، علمنا الحكمة أو لم نعلمها، فالواجب العمل بهذا الحكم الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. فإن غمس يده في الإناء هل يتنجس الماء؟ الجواب: لا يتنجس، والماء باق على طهوريته؛ لأن الأصل في الماء الطهارة، فإذا غمسها فإنه لا يتنجس إلا إذا كان هناك نجاسة ظاهرة في يده وأثرت في الماء، فله حكم الماء المتغير بالنجاسة، فيكون نجسا. أما إذا ما يكون هناك شيء ظاهر، فالماء باق على طهوريته. طيب، إذا كان الوضوء بالحنفيات -الحنفيات هذه الآن التي تستعمل في الوضوء- هل يجب عليه أن يغسل يديه ثلاث مرات أو لا يجب؟ من أهل العلم من قال: لا يجب؛ لأنه ليس هناك ماء يغمس يده فيه أو إناء، وإنما هو ماء يفتحه فيستعمله ويخرج الماء من تحت يديه. ومن أهل العلم من قال: بل يغسلها ولو كان الوضوء من هذه الحنفيات، فيغسل يديه ثلاثا؛ لأنه ربما يكون في يديه شيء فيصيبه بشيء من الضرر أو نحو ذلك، فالأحوط بلا شك أن يغسلها ثم يتوضأ. وفي هذا الحديث كذلك أن غسل اليدين قبل الوضوء بعد الاستيقاظ من النوم واجب. وقد مر معنا في حديث عثمان أن غسلهما عند الوضوء مستحب، هذا إذا لم يكن بعد استيقاظ من النوم، فإن غسلهما عند الوضوء مستحب اتفاقا بين العلماء، أما إذا كان بعد استيقاظ من النوم فإنه يكون واجبا لهذا الحديث. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.