الدرس في كتاب الطهارة 29، ألقاها
يتناول هذا الفصل آداب قضاء الحاجة كما جاء في كتاب 'بلوغ المرام' للإمام ابن حجر، ويشرح الشروط والآداب الواجب اتباعها عند دخول الخلاء.
يشرح هذا الفصل حكم ذكر الله تعالى عند دخول الخلاء واستحباب الدعاء بقول 'اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث'، ويوضح حكم إدخال المصحف إلى الخلاء.
يتناول هذا الفصل كيفية الاستنجاء بالماء ودعاء دخول الخلاء، ويبين استحباب قول الدعاء المخصوص قبل الدخول إلى الخلاء واستخدام الماء في إزالة النجاسة.
يتناول هذا الفصل حكم السفر أو الذهاب إلى مسجد بعيد، ويشدد على أهمية استئذان الشخص المسؤول قبل الذهاب إلى المسجد إذا كان بعيدًا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، باب آداب قضاء الحاجة. قال عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. أخرجه الأربعة، وهو معلول. هذا الباب، باب آداب قضاء الحاجة، والمراد بالحاجة كناية عن البول والغائط. وبوب بهذا الباب أو عبر بهذا التعبير أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قعد أحدكم لحاجته». وبعض أهل العلم يعبر عنه بباب الاستطابة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «ولا يستطب بيمينه». وأيضا يعبر عنه بعض أهل العلم بباب التخلي، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم الخلاء». وكلها ألفاظ صحيحة وتدل على معنى واحد، وهو ما يتعلق بقضاء الإنسان لحاجته من بول وغائط. فإن هذه الشريعة شريعة كاملة، والشريعة لم تجعل شيئا مما يحتاج له الإنسان في أمور دينه أو دنياه إلا وجعلت له أحكاما، وجعلت له آدابا، حتى قضاء الحاجة وذهاب الإنسان لقضاء حاجته من بول وغائط، شرعت له آدابا ينبغي أن يتأدب بها وأن يعتني بها. فبهذا الباب سيذكر المؤلف رحمه الله جملة من الأحاديث المتعلقة بآداب قضاء الحاجة. فذكر في أول هذا الباب حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه. قال: أخرجه الأربعة، يعني أصحاب السنن الأربعة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه. قال: وهو معلول. وذلك أنهم اخرجوه من طريق همام، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس. وأعل الحفاظ، ومنهم الإمام أبو داود رحمه الله، بعلتين: الأولى أن ابن جريج لم يسمع من الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد. والعلة الثانية أن الصواب في هذا الحديث أنه عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق، أي من فضة. فوهم همام في هذا الحديث. والإمام البيهقي رحمه الله أقر كلام الإمام أبي داود. وقال الإمام النسائي: هذا حديث غير محفوظ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الخلاء ومعه خاتمه. ونقل الحافظ عن الإمام الدارقطني أنه قال: بشذوذه وضعفه الإمام النووي رحمه الله، ونقل تضعيفه عن الجمهور، جمهور أهل العلم. وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء - والمراد بدخول الخلاء أي المكان المعد لقضاء الحاجة - وضع خاتمه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان له خاتم، وهذا الخاتم منقوش عليه «محمد رسول الله»، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. واتخذه النبي عليه الصلاة والسلام لما أخبر بأن الملوك لا يقبلون كتابا إلا مختوما. فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم الخاتم، ولبس الخاتم مباح، واتخاذ الخاتم من الورق، من الفضة جائز. وأما من الذهب فلا يجوز. ولما رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلا في يده خاتم من ذهب أخذه، فرمى به. هذا الحديث استدل به أهل العلم على كراهة دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله. وبهذا القول قال الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد. واستدل بهذا الحديث، وهذا الحديث كما علمنا أنه معلول لا يصح. ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا بأس أن يدخل الخلاء ولو كان معه شيء فيه ذكر الله. ولا شك أن إبعاد ما فيه ذكر الله عز وجل أولى، لعموم قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. لكن لو أدخله فلا يصل حد التحريم. أما المصحف، إذا كان الإنسان معه مصحف، فقال أهل العلم: يحرم إدخاله الخلاء، لأن هذا فيه امتهان لكلام الله جل وعلا. لكن إذا كان الإنسان في مكان عام وخشي على المصحف إن أخرجه أن يسرق أو أن يمتهن فيسقط مثلا أو شيء من ذلك، قالوا: فلا بأس في مثل هذه الحالة أن يدخله معه، ويكون مضطرا لذلك لأجل حفظه. وبهذا أفتى شيخنا مقبل رحمه الله، وهكذا أيضا الشيخ العلامة ابن باز رحمه الله. قال رحمه الله: عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». أخرجه السبعة. وهذا الحديث حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». أخرجه السبعة، أي أصحاب الكتب الستة، والإمام أحمد رحمه الله. أخرجوه من طريق عبد العزيز بن صهيب، عن أنس. وقوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء، أي إذا أراد الدخول. ويدل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ إذا قرأت القرآن يعني أردت القراءة، والاستعاذة تكون قبل القراءة، ليس بعد الشروع في القراءة. وهكذا قوله: إذا دخل الخلاء، يعني إذا أراد الدخول. ويدل على ذلك صريحا ما جاء عند الإمام البخاري في الأدب المفرد: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». قلنا: المكان المراد به المكان الخالي، والمراد به الفضاء الذي يقضي فيه الإنسان حاجته كالصحراء ونحوها، فهذا يسمى الخلاء. ويطلق أيضا على المكان المعد لقضاء الحاجة كالحمامات ونحوها. فإذا أراد أن يدخل إلى الحمام فيقول هذا الدعاء قبل الدخول، يقوله قبل أن يدخل إلى الحمام ثم يدخل. وإذا كان في خلاء وفضاء فإنه يقوله عند رفع ثوبه، عند رفع الثوب يقول هذا الدعاء ويجلس: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». اللهم، أصلها: يا الله، حذفت يا النداء وعوض عنها بميم الجمع فصارت: اللهم. وقول: إني أعوذ، يعني ألتجئ وأعتصم بك. إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، الخبث والخبائث رواية بالضم، ورواية بالإسكان. بضم الباء وإسكان الباء. الخبث، وبالضم الخبث يراد به ذكور الشياطين، والخبائث إناثهم. وبالإسكان الخبث المراد به الشر، والخبائث جميع الشرور. فهذا الحديث فيه استحباب قول هذا الدعاء قبل دخول الخلاء. تقول قبل أن تدخل إلى الحمام: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». ومناسبة ذلك ما جاء عند أحمد وابن ماجة من حديث زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذه الحشوش محتضرة»، يعني تحضرها الشياطين. «فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث». فالمناسبة الاستعاذة بالله جل وعلا من شر الشياطين، فهي تحضر في مثل هذه الأماكن، فتستعيذ بالله سبحانه وتعالى وتعتصم بالله وتلتجئ إليه أن يعيذك ويعصمك من شرها وأن تصيبك بسوء. وهل يشرع أن يأتي بالبسملة مع هذا الدعاء فيقول: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»؟ جاء في رواية لهذا الحديث عند سعيد بن منصور أن أنسا ذكر فيه البسملة، أن قال: «بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». لكن ذكر البسملة حكم عليها العلامة الألباني رحمه الله بالشذوذ، لأن هذا الحديث جميع رواياته من طريق عبد العزيز بن صهيب، وليس فيها ذكر البسملة. فيكون ذكرها في هذه الرواية شاذة. وجاء في حديث علي رضي الله عنه عند الترمذي وابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله». وهذا الحديث ضعيف، وعفه الإمام الترمذي رحمه الله، وهكذا النووي والألباني رحمهم الله. وعلى هذا فالمشروع أن يؤتى بهذا الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث». وسيأتي ما يقول إذا خرج من الخلاء. قالوا: عن أنس رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء». متفق عليه. وهذا الحديث أخرجاه من طريق شعبة، عن أبي معاذ، عن أنس. وفيه يخبر أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل الخلاء، فيحمل هو وغلام نحوه - يعني مقارب لي في السن - إداوة من ماء، والإداوة إناء من جلد يوضع فيه الماء، وعنزة - قيل: حربة، وقيل: هي الحربة، وقيل: عصا تصير في رأسها كالقبضة - قال: فيستنجي بالماء. وهذا الحديث استدل به أهل العلم على جواز الاستنجاء بالماء والاقتصار به. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كان يستنجي بالماء فقط، فيدل هذا على مشروعية ذلك. وذلك أن بعض أهل العلم ذهب إلى كراهة الاقتصار على الماء في الاستنجاء، ورؤية الكراهة عن حذيفة، وعن عمر، وعن الزبير. وكذلك أيضا روي عن الإمام مالك رحمه الله أنه استبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على الماء في الاستنجاء. والصحيح أنه يشرع الاقتصار على الماء في الاستنجاء دون استعمال شيء من أحجار ونحوها. أولا: لهذا الحديث، وغيره مما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في اقتصاره على الماء. وثانيا: أن الماء ينقي نقاء تاما، فالماء يزيل عين النجاسة وأثرها، بخلاف الأحجار، فالأحجار تزيل عين النجاسة وقد يبقى لها أثر من رطوبة. بخلاف الماء فهو أنقى من الحجر. والأمر الثالث: وهو الذي كره من كره الاقتصار على الماء، قالوا: بأنه يباشر يده بالنجاسة فيلمس النجاسة بيده. فالجواب عن ذلك: بأن مباشرة اليد للنجاسة لأجل إزالتها، وهذا لا شيء فيه. وعلى هذا فيجوز الاقتصار على الماء، بل الماء كما سمعنا أفضل وأكمل في النقاء وإزالة النجاسة، فلا يبقى لها عين ولا يبقى لها أثر. وفيه أيضا جواز أن يقدم الإنسان غيره بصب الماء ونحو ذلك. وكذلك أيضا استعمال الإنسان لغيره من الأحرار في الشيء اليسير بغير إذن، يعني مثلا توصي ولدك يأتي لك بشيء من مكان قريب، هذا لا بأس به. أما إذا كان المكان بعيدا فإنه لا يفعل ذلك إلا بإذن.