شرح أسماء الله الحسنى 29

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى اسم الله الخالق والخلاق وتفاصيل الخلق

الدرس يبدأ بشرح معنى اسم الله الخالق والخلاق، حيث يشير إلى أن الخالق هو الذي أوجد الأشياء من العدم، والخلاق هو صيغة مبالغة من الخالق. كما يوضح معنيي الخلق: الإيجاد والإبداع والتقدير والتصوير.

خلق الإنسان والتفكر في مخلوقات الله

الدرس يبين أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الإنسان وأنه خلقه في أحسن تقويم، ويأمر بالتفكر في خلق الله ومخلوقاته لتقوية الإيمان. كما يذكر آيات قرآنية تبين أطوار خلق الإنسان وتكرمه على عباده بنعمة الخلق.

مقتضيات الإيمان باسم الله الخالق والعبرة من الأمم السابقة

الدرس يستمر بمقتضيات الإيمان باسم الله الخالق، حيث يستلزم إفراد الله بالعبادة والإقرار بالبعث. كما يتطرق إلى آية قرآنية عن قرية خاوية لبيان حال الأمم السابقة وضرب الأمثال لعباده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. من أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا الخالق، الخلاق. فالخالق من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وهكذا الخلاق، صيغة مبالغة، كثير الخلق. فالخالق والخلاق من أسماء الله جل وعلا الحسنى. وقد ذكر في كتاب الله جل وعلا في مواضع هذان الاسمان: الخلاق والخالق. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، والله الخالق البارئ المصور. فذكر جل وعلا من أسمائه الخالق. وهكذا قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. وذكر الخلاق في موضعين من كتاب الله جل وعلا، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾، وهكذا في قوله جل وعلا: ﴿أَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ كما في سورة يس. فقرن الله جل وعلا اسمه الخلاق باسمه جل وعلا العليم. ومعنى هذين الاسمين: الخالق والخلاق، أي من له الخلق. فالخالق والخلاق معناهما: الذي له الخلق. والخلق يطلق ويراد به أمران. الأمر الأول: الخلق بمعنى إيجاد الشيء وإبداعه على غير مثال سابق. إيجاد الشيء وإبداعه على غير مثال سابق، فهذا ليس إلا لله جل وعلا لا شريك له. فهو الخالق بمعنى الموجد المبدع للشيء من غير مثال سابق، لا يشاركه في ذلك أحد. فالخالق بمعنى المبدع الموجد للشيء من غير مثال سابق. وجاءت النصوص الكثيرة في بيان هذا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ألا له الخلق والأمر. أين الخلق؟ إنما له فقط. الآية فيها حصر الخلق له. وهذا الخلق الذي هو بمعنى الإيجاد والإبداع للشيء من غير مثال سابق، فلا أحد أوجد من العدم إلا الله جل وعلا لا شريك له. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾. وقال جل وعلا: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. فالخلق هنا بمعنى إيجاد الشيء وإبداع الشيء من غير مثال سابق. والمعنى الثاني للخلق: بمعنى التقدير والتصوير، التقدير والتصوير. فهذا كما أنه لله جل وعلا، أنه يقدر ويصور، أثبت ذلك لعباده. فأثبت التقدير لعباده والتصوير لعباده. لكن تقدير العباد وتصوير العباد غير مطلق. تقدير غير مطلق. التقدير المطلق والتصوير المطلق إنما هو للخالق جل وعلا. وأما العباد وإن كانوا يقدرون ويصورون، فتقديرهم محدود وقاصر؛ لأنهم مهما قدروا لا يستطيعون إمضاء ما قدروا. وإنما هذا لله جل وعلا، فهو الذي يقدر وهو الذي يمضي سبحانه وتعالى. لذلك قال القائل: «لأنت تفري ما خلقت وغيرك يخلق ثم لا يفري». لأنت تفري ما خلقت، يعني لأنت تمضي ما قدرت. معنى ما خلقت: أي ما قدرت. فالله جل وعلا يفري، يمضي ما قدر، ما خلق. وغيرك يخلق، أي يقدر. ثم لا يفري، أي لا يمضي ما قدره. لماذا؟ لأن العباد تقديرهم ناقص محدود. وأما كما تقدم الخلق بمعنى إيجاد الشيء، فهذا إنما هو لله. فالخلق لا يستطيع أن يخلقوا شيئا، ولو كان شيئا حقيرا. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. ما قدر الله حق قدره. إن الله لقوي عزيز. فلا أحد يستطيع أن يخلق مع الله جل وعلا شيئا. وذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. ما أحد خلق مع الله جل وعلا شيئا. وإنما الخلق بمعنى الإيجاد من عدم إنما هو لله سبحانه وتعالى. والتقدير للعباد يقدرون، لكن تقديرهم ناقص. قد لا يستطيعون إمضاء ما قدروا؛ لأنهم لا يملكون وقت ذلك التقدير الذي أرادوه، ولأنهم لا يملكونه حتى يمضونه. وإنما المالك هو الله جل وعلا، فهو صاحب التقدير المطلق جل وعلا. وخلق الله جل وعلا لحكمة. خلق الله جل وعلا الخلق لحكمة. فالخالق الخلاق جل وعلا خلقه لحكمة. ما خلق جل وعلا عبثا، وما خلق جل وعلا سدى، وما خلق جل وعلا لعبا. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾. فالله جل وعلا خلق خلقه لحكمة. ما خلق خلقه لعبا ولا لهوا ولا عبثا. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. فخلق الله لحكمة. أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟ فالله منزه أن يكون قد خلق خلقه لعبا أو عبثا أو لهوا أو سدى. الحكمة: عبادته جل وعلا ممن أمرهم بعبادته، وجعلهم سمعا وعقلا وبصرا. وسخر مخلوقاته كلها ليقوموا بهذا الحق العظيم لخالقهم الخلاق جل وعلا. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فهذه الحكمة من خلق الجن والإنس. وما الحكمة من خلق الجبال وخلق البحار وخلق السماوات وخلق الأراضي وخلق الأنعام وخلق المطعمات وخلق المشروبات؟ كل ذلك سخره الله جل وعلا لعباده ليقوموا بعبادته سبحانه وتعالى. فخلقه جل وعلا لحكمة. وامتن الله جل وعلا الخالق الخلاق العليم على عباده بنعمة خلقه لهم سبحانه وتعالى في مواضع كثيرة في كتابه العزيز. قال جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. جاء في البخاري عن جبير بن مطعم -رضي الله تعالى عنه- لما قدم إلى مكة مع سارة بدر، سمع النبي -عليه الصلاة والسلام- يقرأ في المغرب بسورة الطور حتى جاء إلى قول الله جل وعلا: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ﴾. قال: «وذلك كان أول ما وقر الإيمان في قلبي حين سمع هذه الآيات». ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. هل خلق الإنسان من غير شيء، من غير خالق خلقه؟ أم هو الذي خلق نفسه؟ الجواب: لا هذا ولا هذا. إذن الذي خلقه هو الله سبحانه وتعالى الخالق الخلاق العليم. فهي آية فيها دليل شرعي ودليل عقلي. خاطب الله جل وعلا به عباده، وامتن به. وامتن جل وعلا بخلقه على عباده. قال جل وعلا في كتابه الكريم أيضا، ممتنيا على عباده بهذه النعمة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾. في آيات كثيرات امتن الله جل وعلا على عباده بنعمة الخلق لهم جل وعلا. وهكذا الله سبحانه وتعالى الخالق الخلاق العليم أمر بالتفكر في خلقه. أمر عباده بأن يتفكروا في خلقه؛ لأن التفكر في خلق الله جل وعلا وفي مخلوقات الله جل وعلا مما يقوي رابطة العبد بربه سبحانه وتعالى الخالق الخلاق، ويقوي إيمانه، ويعرف حق الله جل وعلا عليه فيقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾. وقال جل وعلا: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾. فالعبد على أن يتفكر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى، يتفكر في الجبال كيف خلقت، وفي السماوات كيف خلقت، وفي البحار، وفي الدواب، وفي الأنعام، وفي نفسه كذلك كيف خلق. فإن التفكر في مخلوقات الله جل وعلا أمر مطلوب. طلبه ربنا جل وعلا من عباده. ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. تفكر في خلق هذه السماوات. تفكر في خلق هذه المخلوقات التي خلقها الله سبحانه وتعالى. فإن ذلك من أعظم ما يقوي إيمان العبد بربه سبحانه وتعالى الخالق الخلاق. وهكذا الخالق الخلاق العليم سبحانه وتعالى بين أن خلقه كله حسن. كل خلق الله حسن. فليس في خلق الله جل وعلا شيء ليس بحسن. بل خلق الله كله حسن؛ لأن الذي خلقه هو الحكيم جل وعلا العليم سبحانه وتعالى. فخلقه كله خلق حسن. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. فخلق الله كله حسن. خلق الجبال، خلق الملائكة، خلق الأنعام، خلق البحار. كل خلق الله جل وعلا حسن. لكن فضل الله جل وعلا بين خلقه. فأحسن مخلوقات الله جل وعلا الإنسان. أحسن خلق الله الذي خلقه الله جل وعلا هو خلق الإنسان. فالله سبحانه وتعالى هو القائل في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. في أحسن التقويم خلق الله جل وعلا الإنسان. وهكذا جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. فالله سبحانه وتعالى أحسن خلق الإنسان، وأحسن تصوير الإنسان. فهو جل وعلا أحسن الخالقين. فتبارك الله أحسن الخالقين، أي أحسن المقدرين وأحسن المصورين سبحانه وتعالى. والنصوص في كتاب الله كثيرة في بيان أن الله كرم بني آدم، وأحسن خلقه، وأحسن كذلك تصويره. قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾. جاء عند أحمد في المسند، وابن ماجة، وصححه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- من حديث بشر القرشي: «أن النبي -عليه الصلاة والسلام- بصق في يده، ثم مسح بسبابته، وقال: "إن الله جل وعلا يقول: عبدي أن لك تعجزني؟ وقد خلقتك من مثل هذا، حتى إذا سويتك وعدلتك، مشيت على بردي، ولك في الأرض إيد وجمعت ومنعت، حتى إذا بلغت التراقي، قلت: أتصدق؟ وأن أوان الصدقة، وأن أوان الصدقة"». في هذا الحديث يبين نبينا -عليه الصلاة والسلام- حقيقة الروح عن ربه، حقيقة هذا الإنسان الذي في هذه الدنيا يغفل عن حقيقة خلقه، فيجمع ويمنع، ولا يتصدق، ولا يخرج ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. وربما يتبختر في هذه الدنيا، ويلبس ما شاء، ويأكل ما شاء. فإذا بلغ التراقي تفطرت نفسه، وأراد أن يؤدي حق الله، وقد فات ذلك. فهذا الحديث فيه بيان حقيقة هذا الإنسان، وهذا المخلوق. فالله سبحانه وتعالى شرف الإنسان، وخلقه في أحسن صورة، وفي أحسن تقويم. ولذلك الله سبحانه وتعالى ذكر أطوار خلق الإنسان في كتابه الكريم في مواضع كثيرة؛ لينظر الإنسان في حقيقة نفسه، وفي حقيقة خلقه: كيف خلق؟ ومن أي مادة خلق؟ وكيف تدرجت تلك الأطوار حتى صار إلى الحال الذي هو عليه؟ قال جل وعلا: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. فهذه الأطوار التي مر بها الإنسان: خلق الإنسان وهو في بطن أمه: علقة، ونطفة، ومضغة. وهكذا تدرج. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ كما في سورة المرسلات. هكذا يبين ربنا سبحانه وتعالى خلق هذا الإنسان. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ أي: متناسك. كما في سورة الصافات. وهكذا قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾. وكما قال جل وعلا: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾. هكذا هو خلق الإنسان. خلقه الله سبحانه وتعالى. وفي حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين قال: «حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح..."». فيمر بهذه الأطوار. وهذا ليتبين الإنسان ويتعرف على حقيقة نفسه؛ ليعرف حقيقة نفسه، وشرف وفضل الله جل وعلا وكرم رب العالمين سبحانه وتعالى عليه؛ فيقوم بعبادته سبحانه وتعالى. وهكذا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أمر عباده أن يعبدوه سبحانه وتعالى إذا عرفوا أنه الخالق لهم سبحانه وتعالى المتفضل عليهم. ولذلك للإيمان باسم الله جل وعلا الخالق الخلاق مقتضيات. فمن مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسم الله جل وعلا الخالق الخلاق: تحقيق العبودية لله سبحانه وتعالى. فإن لازم من أقر لله جل وعلا بأنه الخالق الخلاق أن يفرده بالعبادة. ولذلك كثر الاستدلال على الكفار في كتاب الله جل وعلا الذين أقروا لله جل وعلا بالخلق، ولم يقروا له جل وعلا بالعبادة، وبإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة. أنكر الله جل وعلا عليهم. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. قال ابن عباس وغيره من السلف: أي: إذا سألتهم: من خلقهم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ يقولون: الله. ومع هذا هم يشركون بالله جل وعلا، أي: في العبادة. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن يقرون بالخلق لله جل وعلا، ثم بعد ذلك يعدلون به غيره، يعني: يعدلون به أصنامهم التي عبدوها مع الله سبحانه وتعالى. فالآيات كثيرة في كتاب الله أنكر الله جل وعلا على المشركين الذين قروا له بالخلق، ثم لم يلتزموا بإفراده سبحانه وتعالى بالعبودية. فمن لازم الإقرار بأن الله جل وعلا هو الخالق: إفراده بالعبادة. ولذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل سيد الاستغفار كما هو في البخاري من حديث شداد بن أوس -رضي الله تعالى عنه-: «أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك وعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت». تأملوا في قول إبراهيم الخليل -عليه الصلاة والسلام- بقومه: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي: كيف تعبدون هذا وأنتم تعلمون أن الله جل وعلا هو الذي خلقكم؟ وتأملوا في آيات سورة الأنعام. قال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. أي: الذي خلق السماوات والأرض. أبطل هذه الآلهة، استدل عليهم بأنها لا تخلق مع الله سبحانه وتعالى شيئا، بل هي يصيبها النقص والعيب، فهي تغيب وتأفل: الكوكب، والقمر، والشمس. فبين لهم أن الذي يستحق العبادة هو الله سبحانه وتعالى الخالق الخلاق الذي له الخلق جل وعلا وحده لا شريك له. وهكذا من مقتضيات الإيمان باسم الله الخالق الخلاق: الإقرار بالبعث. فمن أقر بخلق الله جل وعلا لزمه أن يقر بالبعث. لماذا؟ لأن الله جل وعلا قد أخبر أن الخلق وأن البعث ليس بأهول من الخلق. ﴿إِنْ كَانَ يُعْجِبُكُمْ شَيْءٌ﴾ سبحانه وتعالى. تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فالله لا يعجزه شيء. قال جل وعلا في كتابه: ﴿لَكِنَّ اللَّهَ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فالله جل وعلا خلق الخلق، ولا يعجز ذلك شيئا سبحانه وتعالى، ولا يثقله. ومن لازم ذلك أن البعث من باب أولى. وذلك أنكر الله جل وعلا على من أنكر البعث سبحانه وتعالى، وذكر في مواضع كثيرة بأدلة شرعية، وبأدلة حسية، وبأدلة عقلية على إثبات بعثه سبحانه وتعالى. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. فبين الله جل وعلا سبحانه وتعالى أن بعثه سبحانه وتعالى سهل عليه، ويسير، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى. جاء في البخاري من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: «قال الله سبحانه وتعالى: كذبني ابن آدم، وشتمني ابن آدم. أما تكذيبه إياي: فقوله: إنه لن يعيدني كما بدأني أول مرة. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. وأما شتمه إياي: أنه قال: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن لي كفوا أحد». أما تكذيبه إياه: قوله: لن يعيدني كما بدأني أول مرة. وليس أول الخلق أهول على الله من إعادته. لو كان يعجزه شيء سبحانه وتعالى. فهذا يدلنا على أن الله جل وعلا ذكر البعث في مواضع كثيرة. تأملوا في سورة البقرة: خمسة مواضع في سورة البقرة ذكر فيها الله سبحانه وتعالى البعث. ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وهكذا قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى