الدرس في شرح كتاب التوحيد 147، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
النشرة هي علاج للمسحورين وتشمل حل السحر عن المسحور بطرق شرعية وغير شرعية. الطرق الشرعية تشمل الرقية الشرعية.
يتم علاج السحر بطريقتين: الطريقة الشرعية التي تشمل الرقية الشرعية والأدوية المباحة، والطريقة غير الشرعية وهي الذهاب إلى السحرة. الطريقة الشرعية هي الوحيدة المباحة.
الذهاب إلى السحرة لفك السحر محرم ويعتبر شركا، بينما يجب اللجوء إلى الطرق الشرعية مثل الرقية الشرعية والأدوية المباحة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء في النشرة. أورد الإمام رحمه الله تعالى هذا الباب في كتابه التوحيد بعد ذكره للأبواب السابقة في معرفة ما جاء في السحر والكهانة، بواب بهذا العنوان: باب ما جاء في النشرة. وهنا حتى نعلم ما علاقة هذا الباب بالذي قبله، ينبغي أن نتعرف على معنى النشرة. ما هي النشرة؟ النشرة كما أشار إلى ذلك الإمام الخطاب رحمه الله تعالى، وجماع من أهل اللغة، إلى أن النشرة هي في الحقيقة ضرب من العلاج، ضرب من العلاج في حق من به مس من الجان، فالنشرة هي طريقة علاجية، لكن ليست على العلاج المفهوم العام؛ لأنه فقط مختص بهذا الباب بحق من به مس، فيعالج حتى يشتفي، يقال عنها نشرة. هذا في أصل اللغة، وما معنى نشرة؟ النشرة تأتي في اللغة على معنيين اثنين، تأتي بمعنى التفريق، وتأتي بمعنى النشر والبسط. وهذا المعنى الأوضح أن النشرة تأتي بمعنى البسط وتأتي بمعنى النشر؛ وذلكم لأن المريضة إذا كان مريضا فإنه يكون كما يقال منقبضا، يكون طريح الفراش، يكون منكسرا، لكن إذا جاءته العافية تمدد وانتشر، فأصبح صحيحا قائما، ويقال فلان انتشرا، أي استقام وقام. فلهذا المعنى لوجود معنى النشرة في معاني الصحة والعافية، فسمي العلاج نشرة. ولهذا هناك أقوال كثيرة في هذا الباب، لكن هذا ما يتعلق بأهمها. إذن بالمعنى العام أن النشرة هي علاج، طريقة علاجية في علاج من به مس من الجان. واستلاح العلماء، عرف ابن القيم رحمه الله تعالى، وهكذا من ابن الجوزي، عرفوا النشرة بأنها حل السحر عن المسحور، حل السحر عن المسحور، أي فك السحر عن من به سحر. هذه حقيقة النشرة، وأصبحت تطلق على هذا النوع. فإذا النشرة هي في الحقيقة نوع من علاج، من أنواع علاج السحر. النشرة نوع من علاج السحر. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب بعد إيراده لكتاب السحر ولكتاب الكهانة، أورد هذا الباب للتعلق؛ فكما أن المسلم عليه أن يتعرف ما جاء في السحر، عليه كذلك أن يتعرف كيفية فك السحر، وما حكم ذلك. والمؤلف في هذا الباب ماذا قال؟ قال: باب ما جاء في النشرة، أي باب ما جاء في علاج السحر وحله. طيب ما حكمه؟ ما ذكر شيئا، ما ذكر حكما، ما لماذا؟ لأن المؤلف رحمه الله تعالى يعلم أن طرق علاج السحر تنقسم إلى قسمين: إلى طرق شرعية، وإلى طرق غير شرعية. فلما كانت الطرق تختلف من باب إلى باب، ومن صورة إلى صورة، ترك المؤلف رحمه الله تعالى الحكم على هذا الباب، فقال: باب ما جاء في النشرة، أي هذه آثار أمامك، اقرأها وستعلم حكم النشرة. ولهذا الصحيح في هذا الباب أن حل السحر عن المسحور يكون بأحد طريقين لا ثالثة لهما: إما بطرق شرعية، وإما بطرق غير شرعية. هكذا يكون العلاج، علاج المسحور، وعلاج المسحور بفك السحر عنه إما بطرق شرعية وإما بطرق غير شرعية. نأتي أولا، إخواني، فلا باختصار شديد، إلى طرق العلاج. علاج السحر بالطرق الشرعية هي كذلك تعود على صورتين اثنتين. قال العلماء: يمكن أن يزال السحر عن المسحور بالآيات القرآنية وبالأحاديث النبوية، هذا ما نعبر عنه بالرقية الشرعية. الرقية الشرعية فمن خلال الرقية الشرعية، بآيات قرآنية، بأحاديث نبوية، بأدعية، بأوراد، بأذكار، فهي تعالج وهي من أفضل وأنفع العلاجات للسحر؛ لأن السحر إنما هو من الشيطان، وكيد الشيطان كان ضعيفا، فبالقرآن والوحي يزيل الله جل وعلا هذا الباطل الشيطان. وعندما سحر نبينا صلى الله عليه وسلم كان شفاؤه فيما أنزله الله من القرآن، فنزلت ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، بالمعوذتين، فلا زال يقرأ بهما نبينا حتى شفاه الله وأزال الله ما به من أثر السحر. فهذه الطريقة، الطريقة الأولى من الطرق الشرعية في علاج السحر، بالأوراد، بالأذكار، بالآيات، بالأحاديث، والاستمرار على ذلك، كقراءة سورة البقرة، فهي من أعظم ما تفك السحر، ولا تستطيع عليها السحرة، كما جاء ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام. الطريقة الثانية من علاج السحر ما يكون عن طريق الأدوية والعلاجات، وما يسمى أيضا بالطب العربي أو الطب الشعبي، وكل ذلك بشرط أن لا يخالف الشرع. يمكن أن يعالج السحر بشيء من ذلك، علاجات، أدوية، عقاقير، أشياء استفاد الناس في عرفهم على أنها مما تضعف وتزيل أثر السحر، بشرط أن لا تخالف الشرع. هذه من النشرة الجائزة التي بها يحل السحر. ووجه ذلك، إخواني في الله، أن الساحر إذا أراد أن يؤثر على المسحور، عن طريق الجان والشياطين والعفاريت، يرسلهم فيؤثرون تأثيرا بليغا على جسدي وعلى قلبي وعلى عقلي المسحور، فيذهبون بعقله أو يذهبون بشيء من عضوه، كأن يكون مشلولا، أن يكون طريح الفراش، أن يصيبوا في شيء من أعضائه، يذهبون عنه البصر، إلى غير ذلك، عن طريق تسلط الشياطين على بدن المسحور. هذا الشيطاني الذي ولج إلى جسد المسحور يفعل شيئا يفعل شيئا في جسده. مثاله لو مثلنا مثلا: رجل أراد شخص ساحر أراد أن يؤذي هذا الإنسان في عمله؛ لأنه يعني جاء خبيث من البشر، قال: يا ساحر هذا فلان، يا أخي يشتغل، وضيع تجارتي وأنا وردني، وعطل عن الشغل، عطل عن الشغل، لا يشتغل أبدا، يفعل أي شيء. قال: خلاص، فيعطيه مبلغا من المال، فيستخدم الساحر الخبيث من طلب هذا الخبيث على أنهم يضروا بهذا المسحور، فيرسل شيطانه. الشيطان سيفعل أفعالا في جسد هذا الإنسان، لربما وصل إلى أعصابه، وصل إلى شرايينه، وهذا في حق من؟ الذي لا يتحصن. إذا كان إنسان من غير تحصين يكون عرضة للشياطين، لكن إذا كنت محصنا، ما سيتسلط أحد عليك، تتحصن بالأذكار الصباح، بأذكار المساء، بأذكار النوم، يحميك الله ويعافيك الله. لكن الغير محصن يكون عرضة، فإذا ولج الشيطان إلى جسدك، حاله كحال كما يعبر في هذه الأزمان كحال الفيروس إذا دخل إلى داخل جهاز الكمبيوتر، ما الذي يفعل؟ يرى كل شيء. فحينها يدخل هنا ويدخل هنا ويحاول أنه يفعل شيئا يعطل عليك شغلك، الذي إنما الساحر طلب منه أن يعطل عليك الشغل، فيقوم الجان مثلا بمسك عرق في هذا المكان، فتصاب بجلطة في يدك، أو يمسك شيئا من الرجل، فتصاب بجلطة في رجلك، فتبقى مقعدا هنا. إما بالقرآن، بكثرة القرآن، بأنه يزيل أثر هذا الجان الموجود في الجسد، أو بالتدخل الجراحي؛ لأن الشيطان ماذا فعل؟ فعل جلطة هنا، فربما بالتدخل الجراحي تزال هذه الجلطة، فتعاد، يعاد العضو إلى ما كان عليه. فالأدوية والعلاجات نعم تنفع، تنفع في إزالة الضرر الذي أوقعه الجان في جسد المسحور. ولهذا يقول العلماء: أن علاج المسحور إما أن يكون بالرقى الشرعية، بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أو يكون بالأدوية والعلاجات، وما كل ما دلت عليه التجربة، بشرط أن لا تخالف الشرع. هناك تجارب سيأتي في حينها ذكرها العلماء، نعم، تجارب جربت في واقع الناس، ونفعت نفعا عظيما في تخفيف أثر السحر. وسيأتي في بابه هذه نشرة يسميها العلماء بالنشرة الشرعية، حل السحر عن المسحور بطرق شرعية. نأتي إلى الطريقة الثانية، وهي الطريقة الغير شرعية، وما يكون من فك السحر عن المسحور، وذلك بالذهاب إلى ساحر. علم الناس أن ابنهم أو بنتهم مصاب بالسحر، وأن هذا السحر معروف، إذن ما الذي نبحث عنه؟ نبحث عن ساحر أقوى، أقوى من هذا الذي فعل هذا بابننا، يذهبون إلى ساحر آخر: يا أيها الساحر، عندنا فلانا هذا أمامك مسحورة، نريد أن نعرف مكان السحر، أين هو؟ فهنا الساحر ماذا يفعل؟ إما أن يدلهم على المكان، نعم، هذه مسحورة أو مسحور، ابنكم والسحر مدفون هنا أو مدفون هنا أو مدفون هنا، يشير عليهم بالمكان، فيذهبون فيعثرون فيبطلون السحر، أو أن الساحر هو بنفسه يأتي به، يقول: خلاص، تعالوا غدا، وسأتيكم به، فيأتوا، يقول: هذا سحركم، هذا العمل الذي عمل عليكم، ولأجل ولدكم، حتى يتأذى هذا هو. فهو إما أن يدل، وإما أن يأتي. هذه الطريقة، يا إخواني في الله، ما حكمها؟ أن يلجأ الإنسان إلى فك السحر بالذهاب إلى ساحر، هذا تسمى نشرة، تسمى نشرة؛ لأنه كما قلنا ضابط النشرة حل السحر عن المسحور، لكن كما قلنا إما أن يكون بطرق شرعية، وإما أن تكون بطريقة غير شرعية. وهذا الذي نحن فيه الآن من الطريقة الغير شرعية، والذي ذهب العلماء إلى تحريمها، وإلى عدم جوازها. وما يجوز، ما يجوز، ما يجوز، يا عبد الله، أن تذهب إلى ساحر وتطلب منه أن يفك السحر عن فلان أو عن فلان. ولماذا لا يجوز؟ لا يجوز لعدة أمور. الأمر الأول: أن طلب العافية وطلب الشفاء إنما هو مرهول بالأمور الجائزة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها»، ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليها. فإذا كان أمرا محرما، وهذا الأمر محرم، وكان تناوله يعطيك العلاج والصحة والعافية، حكمه حرام. كما يفعل بعض الناس كما بلغني في بعض القرى، يتداوون بلبن الحمير، بلبن الحمارة، للعلاج من أمراض الصدر، هل هذا يجوز؟ يقول لهم: والله وجدنا عافية. قال: هذا ما يجوز، ما يجوز؛ لأن هذا الشرب حرام، فلا تنظر أنت إلى العافية، انظر من أين جاءتك العافية، من أي باب؟ فبينا صلى الله عليه وسلم على أن شفاء الأمة المحمدية ما كان من طرق محرمة. وما هو وما أعظم تحريما من السحر؟ هو الشرك بعينه، فكيف تلجأ يا عبد الله وتقرأ هذا الباب، تطلب العافية من الله عن طريق وسيلة محرمة؟ فهذا من أعظم الحجج عند الكثير من أهل العلم على عدم ذلك، على عدم جواز حل السحر بعمل السحر، وبالذهاب إلى ساحر. الأمر الثاني: قال العلماء: لو ترك هذا المجال، وأفتينا الخلق بجواز الذهاب إلى السحرة لكي يفك السحرة عن الناس، حينها ماذا سيكون؟ سيكون الخلط، كم من أناس قد سحروا في مثل هذه الأزمان والأوقات بين الأفراد والمجتمعات، على هذه الفتوى سيزدحم الكثير على الأبواب. هذا ماذا يكون؟ مضرته، مضرته أن يكون فيه التغرير على الناس. سيأتي واحد وينظر ما هذا الازدحام على أبواب الكاهن؟ ما مع الناس؟ يقول: أكيد تغيرت نظرتهم، أمس كان شركا والآن أصبح مكروها، ما دام فيه ازدحام. وانظر فلان وفلان، هذا ما معقول، يأتون للسحر، وما درى أن هؤلاء إنما جاءوا لفك السحر، لن يعمل السحر، لكن من الذي سيفهم هذا؟ ويرى الازدحام من السيارات والدراجات والخلق والطوابير على الأبواب، فهذا يريد فك السحر، وهذا يريد عمل السحر، ويختلط الحابل بالنابل، ويكون فيه التغرير على عامة الناس. ومثل هذا الأبواب تسد، تسد حتى لا تقع فتنة، لا تقع فتنة في المجتمع. ولهذا لا يذهب للساحر أبدا، لأي وجه من الوجوه، لا للعمل ولا للفك. زد على ذلكم ثالثا: أن بالذهاب إلى الساحر للإعانة في فك السحر والدلالة عليه والإتيان به، هو في الحقيقة ماذا سيفعل؟ ستنصرفون يا من طلبتم علاج السحر من هذا الباب، وهو سيقع في الشرك، لا بد، لأنه سيستغيث بجنده، بجنه، بعفاريته، تعالوا، يستدعيهم بالمدد، يستدعي فلانا، بالأذكار، بالطلاسم، يأتي بها فيظهرون له، فيقول: أن فلانا أتى عنده، ويفك السحر، ابحثوا، ابحثوا. طبعا هذا كما قلنا منفعة الجان للساحر ليست مجانية، وإنما يدفع من دينه، يدفع من دينه، بتمزيق القرآن، يرميه بالحمام، أي خدمة لابد. هذا فأنت ما الذي فعلت في حقيقة الأمر؟ أنت أعنت الكافر، وجعلت هذا الساحر يستمر في الكفر بعد الكفر، هل هذا الذي يريده الله عز وجل؟ «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان». فأنت في حقيقة أمرك يا من جئت إلى الساحر وطلبت منه هذا الطلب الهيين اليسير عندك بأن يفك السحر بأي طريقة، بأن يأتي به، اعلم أنك طلبت منه أن يقع في الكفر الأكبر. لهذا أغلق العلماء هذا الباب، وهذا الذي عليه أكثر العلماء على عدم جواز حل السحر بسحر، أنك تطلب للسحر الذي عندك بأن تذهب إلى ساحر آخر. ولهذا إخواني في الله، فهذا الباب أو هذه المسألة، وهي النشرة الغير شرعية، تكون بالذهاب إلى الساحر لفك السحر، فهذا لا يجوز. وس، وسأتي معنى الآثار التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب، إذ أنه أورد آثارا عن بعض السلف من الأئمة والتابعين في كيفية فتواهم في هذا الباب. وسأمشي على هذه القاعدة التي أشرنا إليها: إلى أن النشرة وحل السحر عن المسحور لا نقول هي جائزة مطلقا أو غير جائزة، وإنما ينظر في ماهيتها. فإن كان حل السحر عن المسحور بالطرق الشرعية، إما بالقرآن والأحاديث والرقية الشرعية، أو بالأدوية مما علم بالتجربة، هذا لا شيء فيه. وأما إن كان حل السحر عن المسحور بالذهاب إلى الساحر أو الكاهن أو المشعوذ، والالتجاء إليهم، والانطراح بين أيديهم، فهذا لا يجوز. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.