شرح كتاب التوحيد 148

شرح كتاب التوحيد 148

الدرس في شرح كتاب التوحيد 148، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

جواز علاج السحر بالطرق الشرعية

شرح حديث سعيد بن المسيب في جواز علاج السحر بالأمور الشرعية مثل القرآن والرقى والأذكار. يُفهم من الحديث أن هذه الطرق جائزة ولا بأس بها.

تأثير السحر على العلاقات الزوجية وعلاجه

السحر يمكن أن يسبب كراهية بين الزوجين ويؤثر على العلاقات الزوجية، وعلاجه يكون باستخدام الأذكار والأدعية الشرعية والتضرع إلى الله. ينصح بالصبر والتحصين لدرء تأثير الشيطان.

التوازن في التعامل مع المس الشيطاني

ينصح بعدم الإفراط في التشكيك بالمس الشيطاني أو الخوف منه، مع أهمية وجود قرائن لتشخيص الحالة بشكل صحيح واتباع الرقية الشرعية والأدعية المناسبة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي البخاري عن قتادة قال: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر في باب ما جاء في النشرة، وذكرنا أن النشرة هو علاج يستخدم في علاج المسحور، وهنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما رواه البخاري، إلا أنه جاء في البخاري معلقا، وجاء عند غيره موصولا، أن قتادة قال: قلت لابن المسيب -وهو سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، من سادات التابعين-: رجل به طب أو يؤخذ عن أهله، طب بمعنى سحر، طب الرجل أي سحره. قال: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أي يحل عنه أو ينشر، يحل عنه أي يفك عنه السحر أو ينشر، يستخدم علاجا، وكلاهما بمعنى واحد، الحل والنشرة بمعنى واحد، أي يحل عنه أو ينشر، أي يفك عنه السحر. فقال ابن المسيب رحمه الله تعالى: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. فسعيد رحمه الله تعالى يرى جواز التداوي من السحر، ويحمل هذا الكلام من ابن المسيب رحمه الله تعالى على جواز علاج السحر بالأمور الشرعية، وهذا الذي عليه أكثر العلماء في فهم حديث ابن المسيب على أنه في قوله: لا بأس به، أي في علاج من به طب -من به السحر- لا بأس بعلاجه، أي بالطرق الشرعية. وقد مضى ذلك معناه في درس أمس، أن علاج السحر قد يكون بطرق شرعية وطرق غير شرعية، الشرعية بالقرآن، بالرقى، بالأذكار، بالعلاجات بالتجربة، بالأدوية، هذا لا بأس به، فإذا أراد الإنسان أن يتعالج تحت هذه الطرق فهذا كما قال ابن المسيب: لا بأس به. قال: إنما يريدون به الإصلاح، لأن من سحر قد فسد، فسد حاله، فسد طبعه، فالنشرة -وهي علاج السحر بالطرق الشرعية- هذا مما أجازه شرعا، فعلى هذا يحمل أثر ابن المسيب بقوله: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح. وهنا فوائد، إخواني في الله، في هذا الأثر، منها أولا: في قولي قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أي حل عنه أو ينشر، فيه فائدة على أن ما كان من أمر سلفنا الصالح أنهم كانوا يسألون في أمور دينهم، حتى في مسائل العلاج. ارجع يا عبد الله في مثل هذه الأبواب إلى أهل العلم وإلى أهل الشأن، سلهم في باب العلاجات، لأننا ابتلينا في هذه الأزمان خاصة بكثرة الأدوية والعلاجات التي هي بعيدة من الشرع، ما يجوز شرعا، ما تجوز شرعا، وخاصة في مسألة فك السحر، بعض الناس يراها من الأمور السهلة التي لا تضر، منه من يذهب إلى رجل يرى أنه فيه خير، فيه سيم الصلاح، يصلي مع الناس، ويقرأ القرآن، ويأتي بالأذكار على الممسوس. ثم إذا طلب علاجا ما قال: أخي علاج المريض هذا، تأتي بديك أسود أو كبش أسود فتذبحه، أو تأتي ببيض ثم ترمي به، أو تأتي برز فتنشره وتنثره في الأرض، وفي المكان الفلاني، هذه الأشياء لما تمر عليك يا عبد الله، سل عنها، سل عنها لطيب الأمر السهل. أخرج من عندي هذا الرجل الذي ترى أنه صالح، لكن هذه العلاجات ما علاقة الرز أو البيض أو الكبش الأسود والأخضر والأحمر بعلاج هذا الممسوس؟ في وراء ما وراء الأكمة، ما وراءها؟ ولهذا يا عبد الله سل عن دينك، سل عن دينك، ولا تجعل رقة البحث عن العلاج والعافية ذريعة في أنك تتلقف أي شيء وتعمل بأي شيء، لا، سل كما فعل هذا الراوي، سأل ابن المسيب لأنه أعلم من كان في أهل زمانه يفعل هذا. رجل فيه كذا يعالج بكذا، سل، ولأجل هذا يا عبد الله تعلم ما يجوز وما لا يجوز. وفي هذا الأثر أيضا إشارة إلى أن السحر له علاج، السحر له علاج، ولا تيأس يا عبد الله، يا من ابتلي بالسحر في نفسه أو في أهله أو في أحد قرابته. صحيح لربما قد يستمر السحر بالمسحور سنوات عديدة، ونعلم أناسا ليست سنة ولا سنتين، بل الثلاثين سنة وأربعين سنة وهو يعاني من أثر السحر، ليس مع الناس، ولا الناس معه، لكن احتسب من الله عز وجل. لكن هل هذا ييأس؟ حتى سمعنا أن بعضهم قد فكر مرارا وتكرارا بالانتحار، ومنهم من يرى الضرورة ملحة إلى أن يذهب ويطرق أبواب السحرة والكهانين، ويخضع لهم، ويرجوهم عل وعسى أن يفكوا سحره، بشرك لا، يا عبد الله، لا تسل يا هذا الأمر، إن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا جِئْتُم بِهِ مِنَ السِّحْرِ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾، الله قادر على كل شيء. وربنا سبحانه وتعالى هو الذي أقدر هؤلاء، ليس بقدرة السحرة ولا بقوتهم أنهم نفذوا فيك، إنما نفذوا فيك لما أراد الله ذلك، ما شاء الله تم هذا الأمر، ابتلاء في حقك، رفع لدرجاتك، تكفير لك ولغيرك، ضرورة العناية بالأذكار والأحصنة الشرعية، إلى غير ذلك، حكم أرادها الله عز وجل. ولهذا يا عبد الله من ابتلي بالسحر فعليه أن يعلم أن الله قد جعل له علاجا، وفي الحديث الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «يا عباد الله تداووا، فإن الله ما أنزل داء إلا وجعل له شفاء»، ما من داء إلا وله دواء، جاء في رواية خارج الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «إلا داء واحدا، إلا الهرم»، إلا الهرم، هذا الكبر في السن، والعجز، هذا المرض الذي لا علاج له قط، ما هناك أحد يصل إلى السن التسعين والمئة وقارب قوسين من الموت فاستخدم علاجا فرجع إلى ما كان في شبابه، هذا ليس له علاج إلا الهرم. فما من داء إلا وله دواء، إلا وله علاج، ومنه السحر، وكم جرب الناس ممن ابتلوا بالسحر جربوا علاجات من القرآن والأدعية، وكذا التضرع إلى الله والالتجاء، وكذا قراءة القرآن، ثم شفاهم الله جل وعلا بعد حين. وفي هذا الأثر كذلك في قول قتادة لابن المسيب قال: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، يؤخذ عن امرأته أي يبعد عن امرأته، هذه إشارة إلى نوع من أنواع السحر، وهو سحر التفريق، سحر الصرف، وهو أن يفرق بين الرجل وبين أحبته، بين الرجل وبين زوجته. وهذه الفعلة من أشنع الأفعال التي يفعلها السحر، وهي من أهم بنود أعمالهم، من أهم بنود أعمال السحر أنهم يفرقون بين الأحبة، يتفننون في هذا الباب بما يسمى بسحر الصرف، يفرقون بين الرجل وبين زوجته وأهله، بل هذا جاء بنص القرآن: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، هذا فن لا يشق للسحرة غبار، يتمرسون في هذا الباب، بل الشيطان هو الذي يريد هذا. فتخيل شيطان هو شيطان، الشيطان الشيطاني هو بنفسه يريد هذه المهنة، فكيف لو وكل لها؟ فيكون حريصا عليها، الشيطان من أعظم ما يريده في الدنيا هو مبتغاه، السعي في الإفساد في البيوت، بيوت الزوجية، كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه». يبعت بجنده وأتباعه يفسد في الأرض، فإذا اجتمعوا عنده بعد فترة يسألهم ماذا فعلتم؟ فيقول أحدهم: ما زلت بفلان حتى قال قولا عظيما، فيقول الشيطان: ما صنعت شيئا، ما فعلت شيئا، فيأتي الآخر فيقول: ما زلت بفلان حتى فرقت بينه وبين أهله، فرقت بينه وبين أهله، فيقول الشيطان: نعم أنت، نعم أنت، كما في رواية مسلم قال: فيضمه إليه، يفرح الشيطان من أتباعه إذا وصلوا إلى هذه المرحلة، مرحلة التفريق بالمشاكل والأزمات وافتعال المغنقصات في الحياة الزوجية. فتخيل أن الشيطان هو هذا مبتغاه في فتنته في الأرض، ثم يجد أن الساحر يوكل له هذه المهمة: قم واسعى إلى التفريق، حينئذ يسيل لعاب الشيطان، فإذا دخل يدخل بشراسة، وقد صرح العلماء كما صرح بذلك سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: أن هذا النوع من أنواع السحر من أشد أنواع السحر إيلاما وتعذيبا للمسحور. من أشد أنواع السحر إيلاما وتعذيبا للمسحور، لأن الشيطان يدخل بكل قوته، صور كثيرة من ذلكم أن الإنسان الذي تزوج يجد أن زوجته وهي جميلة حسنة يراها قبيحة، قبيحة، حتى أنه ما يكاد أن ينظر إليها، ما يكاد ينظر إليها، والعكس بالعكس. وأن المرأة لربما إذا دخلت على زوجها تجد أن زوجها قد أصبح بصورة كريهة، بغيضة، ما تكاد أن تراه، ولا تريد أن تراه، أو ما يكون عند العشرة الزوجية، إذا أراد أن يقرب منها ما استطاع، ما استطاع أن يقضي الوطر معها، يمنع منها، فهذه الأساليب إخواني في الله أساليب شيطانية وكمثلية. الكثير من البيوت بهذا النوع من أنواع السحر والصرف، ولهذا يا عبد الله، وهذا مما ينبغي أن أذكر به من وجد مثل هذه المعاناة أن لا يستعجل إلى مسألة الطلاق وإلى مسألة التفريق وإلى مسألة الخلع التي كثرت في هذه الآونة الأخيرة، ما تسمع إلا خلعا هنا وطلاقا هنا وتفريقا هنا، وكله من ألعاب الشيطان، كلها من ألعاب الشيطان، إما بالسحر أو حتى دون السحر، حتى دون السحر، ليس شرط سحر. والشيء بشيء يذكر، ذكر الإمام البخاري في الأدب المفرد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه جاء مرفوعا: «أن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما يهيئه أهله» -يعني تأتي الزوجة تهيئ الغرفة، تهيئ الفرش، تهيئ كل شيء الذي عليها تؤديه- «فماذا يفعل الشيطان الخبيث؟ قال: إن الشيطان يأتي إلى فراش أحدكم بعدما هيئ له أهله فيلقي فيه العود والقذى والحصى لكي يغضبه على أهله». يزرع الشيطان الفتنة في البيت، يضع الأوساخ والحصى والأذى والقذى، حتى إذا دخل الزوج ورأى هذه الأشياء في فراشه يقول: من فعل هذا؟ ما إلا هذه، هذه الوسخة القذرة الذي ما تربت، وانت من جئت، وانت وأنت، وهي ما فعلت شيئا. قال عليه الصلاة والسلام: «لكي يغضبه على أهله»، قال عليه الصلاة والسلام: «فلا يغضب على أهله، فإنما هو من فعل الشيطان»، فشاهد إخواني في الله كثيرا ما نسمع من هذه الأزمات، سواء كانت عن طريق السحر أو ما دون ذلك، فحذار حذار يا عبد الله التعجل إلى ما نراه من قطع الخلافات الأسرية بما يكون من الفراق الأبدي بالطلاق والخلع ونحو ذلك من القضايا التي كثرت وعمّت في مجتمعاتنا. فالصبر يا عبد الله، وحاول أن تتلمس ما فيه الصد، ما فيه الصد للشيطان من الدخول إلى بيوتكم، وهذا ميسر لله الحمد، إن كنت تخشى على نفسك وعلى أهلك من دخول الشياطين الأقوياء، الشيطان عليك بالرقى والأذكار، أذكار الصباح، أذكار المساء، بالتحصين تكون يا عبد الله محميا في يومك وليلتك، أكبر مارد ما سيأتيك إذا كنت مستحضرا بالله، حريصا على الطاعات. كذلك إذا أردت أنك تحرص البيت، احرصه بالطاعة، بقراءة القرآن، البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ما يدخله الشيطان، ما يدخله الشيطان، لكن تعال إلى بيوتنا، ما تكاد تسمع فيه قرآنا، وإنما تسمع فيه دائما وأبدا غناء، غناء ينتشر في أرجاء البيت، في الغرفة الفوق والغرفة التحتية، في غرفة الابن، في غرفة البنت، في غرفة الأب، هذا بمذياع، وهذا بالموسيقى، وهذا بالجوال، أغاني وقنوات غنائية في الليل والنهار. فماذا عسى أن تجد البيت؟ تجد فيه قد ملئ بالشياطين، هنا شيطان، وهنا شيطان، وهنا شيطان، فحدث يا عبد الله ولا حرج عن كثرة ما المشاكل التي تضج في هذا البيت، يا عبد الله، هذا الأثر بيّن فيه قتادة وسأل ابن المسيب على أن من أفعال الشيطان أن الرجل يؤخذ عن امرأته، وهذا كما قلنا جاء به القرآن، وجاء به دلالة السنة على هذا من فعل الشيطان أنه يفرق بين الأزواج. ولهذا كما قلنا يا إخواني في الله قد يجد الإنسان بعض التغيرات في أهله، أو أن الزوجة تجد بعض التغيرات في زوجها، فحينها ينبغي التأني ومعرفة الأسباب التي أوصلت إلى هذا الحال، فلربما كان هناك مس، لربما كان هناك حسد، لكن لا يفتح باب الوسوسة، وهذا موضوع آخر لا نتطرق إليه. لأن من الناس من أصبح كل شيء عنده سحر، مس، سحر، مس، حسد، أصبحت حياته كلها هكذا، إن مشى خشية من ذلك، حتى يخشى هؤلاء أكثر من أي شيء، لا يا عبد الله، لا إفراط ولا تفريط، هناك قرائن، هناك قرائن، إن ظهرت ووجدت تعلم أن من وراء ذلك مس شيطاني، تحتاج إلى رقى شرعية، إلى أدعية، لا أنك تستعجل ماذا؟ إلى الطلاق وإلى الفراق، هذا ما أذكره في هذا المقام. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.