شرح كتاب التوحيد 150

شرح كتاب التوحيد 150

الدرس في شرح كتاب التوحيد 150، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فهم عبارة الحسن البصري في حل السحر

يناقش معنى قول الحسن البصري 'لا يحل السحر إلا ساحر' ويوضح الفرق بين حل السحر بسحر مثله وحل السحر بالرقية الشرعية. يبين أن حل السحر بالرقية جائز بينما حل السحر بسحر مثله من عمل الشيطان.

حكم الرقية والتعاويذ في علاج السحر

يؤكد على تحريم الذهاب إلى السحرة والكهان لفك السحر، ويشير إلى جواز العلاج بالرقية والتعاويذ والأدعية النبوية والأدوية المباحة. يقدم أمثلة على ذلك مثل قراءة القرآن والمعوذات ودهن زيت الزيتون المقرىء عليه.

طرق علاج السحر واستخراج المادة السحرية

يتناول طرق علاج السحر، مشيرا إلى أن استخراج السحر هو أفضل علاج، ويمكن معرفة مكانه بالدعاء والتضرع إلى الله، ثم يتم إبطال مفعوله بالرقى الشرعية. يشير إلى أن بعض المواد السحرية يمكن تكسيرها أو حرقها أو إذابتها لإبطال مفعولها.

تحريم التداوي بالكفر والشرك وتأثيره على العقيدة

يناقش تحريم استخدام الكفر والشرك في التداوي، ويحذر من تضييع الدين والعقيدة في سبيل العلاج. يشدد على أهمية الحفاظ على العقيدة سليمة حتى في حالات المرض والبحث عن العلاج.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: قال وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر، وفي معرض كلامه عن النشرة، وأشرنا تكرارا ومرارا أن معنى النشرة هي طريقة من طرق علاج المسحور، الطرق التي من خلالها يكون فيها علاج المسحور. وأوردنا الآثار المتعلقة بهذا الباب، وها هو رحمه الله تعالى يورد لنا أثر الحسن، والذي قال فيه: لا يحل السحر إلا ساحر. هذا الأثر رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد، لكن بقي النظر في صحته وفي ثبوته عن الحسن، ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى صدر هذا الأثر بقوله: وروي. وروي فينظر في صحته، قد يثبت وقد لا يثبت. وهذا الأثر بهذا اللفظ: لا يحل السحر إلا ساحر، هذه اللفظة قد تحمل معنى فاسدا وقد تحمل معنى صحيحة. المعنى الفاسد من هذا الأثر إذا أخذنا بظاهره، في ظاهره: لا يحل السحر إلا ساحر، أي كل من قام بفك السحر يكون ساحرا، هكذا. هذا ليس بصحيح، لأن يمكن للراقي وللصالح والرجل الخير أنه يفك السحر، كما في قوله تعالى: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله﴾. والواقع يشهد لهذا، تأتي لبعض أهل الصلاح من الأخيار من عباد الله من تستدعيه لكي يقرأ على ذاك المسحور، فيقرأ ويقرأ حتى يشافيه الله، فبطل السحر. هل يقال: أنت ساحر؟ لأن الحسن قال: لا يحل السحر إلا ساحر، بما أنك حللت سحر فأنت ساحر؟ هل هذا صحيح؟ لا، هذا باطل. إذن كيف نفهم عبارة الحسن؟ قال علماء: العبارة الصحيحة في فهم كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى أن هناك تقديرا، وتقدير العبارة: لا يحل السحر بسحر إلا ساحر. نعم، هذا المعنى صحيح، لا يحل السحر بسحر إلا ساحر، ساحر. فإن وجدنا أحدا من الناس تطوع إلى أن يفك السحر، لكن بعمل طلسم، بعمل شعوذة، ففك السحر، قل: أنت ساحر. أنت ساحر. هذا المعنى نعم يستقيم، ولا إشكال في ذلك. ثم ختم المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، باب النشرة، بعبارة لابن القيم رحمه الله تعالى فيها فوائد، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل السحر بمثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن الذي مر معنا سابقا، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيعمل عمله في المسحور. والثاني: أن نشره بالرقية الشرعية والمعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز. هذا كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فيه خلاصة هذا المبحث، مبحث النشرة، أن النشر وهو فك السحر، والصحيح أن نفك السحر على صورتين اثنتين، إما بطريقة غير شرعية أو بطريقة شرعية. الطريقة غير الشرعية كما أشار رحمه الله تعالى، قال: حل السحر بمثله، وهو الذي من عمل الشيطان. هذا لا يجوز، لربما تجد أن بعض الناس عنده مسحور، ابنه أو بنته أو زوجته مسحورة وهي طريحة الفراش، فيذهب إلى كاهن أو إلى ساحر ويستدعيه، فيأتي به إلى بيته ويقول: هذه مريضة، فيها الذي فيها من الصرع. يا أخي عالجها بالذي تراه، عالجها بالذي تراه. نريد العافية لها. فهذا نشره، طريقة في فك السحر، لكن عن طريق الساحر، لكن عن طريق السحر. هل هذا يجوز؟ كما قلنا: مذهب جماهير العلماء على بطلان هذا القول، وأنه لا يجوز بحال؛ لأن هذا من عمل الشيطان. ولهذا أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن العمل الشيطاني في هذا المسلك، بقوله: فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب. هذه الطريقة يأتي هذا الساحر إلى هذا المسحور، فيتفقان على أنهما يتقرب إلى من؟ إلى الرحمن؟ لا، إلى الشيطان. أما الساحر فلا شك وريب أنه سيعمل صرفا، سيعمل تميمة، سيعمل طلسما، لو ربما من فعله الخبيث أنه يكتب الآيات القرآنية بالدم، بعضهم بدم الحيض، أو أنهم يكتبون آيات القرآن معكوسة عكسا، استهزاء بكلام الله جل في علاه، أو أنه يأتي بالقرآن فيرميه في الحمامات ويرميه في دورات المياه، وهذا معروف عن السحر. يفعل ساحر هذه الأفعال حتى يزداد قوة السحر عنده، ويتملك القدر الكبير من الجان والشياطين. يتقرب الساحر، وبالمقابل هل الساحر يكتفي بهذا في نفسه؟ يقول: لا، حتى المسحور يدخل معه في الشرك، في أمره، أن يذبح مثلا، أن يذبح كبشا، وأن يأتي بتميمة، أن يتمتم بكلمات، أو أن يطبخ رزا ثم يذهب به إلى المقابر، أو يأتي ببيض ثم يرمي به إلى الساحل، وإلى غير ذلكم، أو يذهب إلى بعض القبور ويلتجئ إليها، أو يعطيه طلسما، قل: إلبس هذا الطلسم، اجعله على رقبتك، أو اجعله على عضدك. كله شرك. فكما قال ابن القيم: الناشر والمنتشر يتقربون إلى الشيطان. هل أحد إخواننا في الله يجوز هذا؟ ولهذا من أثر عنه أنه قال صراحة بأنه لا بأس بحل السحر بالسحر، هذه فتوى. إما أنه فهمت على غير معناها، كما أثر عن قتادة وأثر عن الحسن، أو أنه اجتهاد خاطئ؛ لأن إخوانا في الله فتح هذا الباب، وهذا المجال، إنما يزيد البلاء بلاء، وينفتح الآفاق لكثير من ضعاف النفوس أن يزداد تقربا للشياطين، عن طريق السحر والدجالين والمشعوذين. فأشار ابن القيم رحمه الله إلى أن النشر المحرم محرم؛ لأنه عمل شيطاني؛ لأن خلاصته: سأجعل الساحر -يعني كما قال رجل ولي أمر- تعال يا ساحر، هذه البنت مسحورة، عالجها. فيقول الساحر: أبشر. فيقوم الساحر بشرك، ويجعل البنت تقوم بالشرك، الشرك مع شرك، يتقربون إلى عبادة غير الله، وعبادة الشيطان. قولنا: عبد الله، استفحل الشر، وعم وطم. ولهذا القول الصحيح في هذا الباب، والذي ما ينبغي أن يعول على غيره، أنه عدم الجواز إلى السحرة والكهان والدجالين، بحجة فك السحر. وأكرر: الذهاب إلى الساحر حرام، سواء لعمل السحر أو لفك السحر. ثم أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى النشر الثانية، قال: والثاني -أي النشر الشرعية- قال: بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز. والحمد لله، ما ضيق الله على العباد. ما قلنا للناس: أن من رمي بالسحر خلاص، وادعوا الله، انتهى أجله. ما نقول بهذا. نقول: خذ بالأسباب، تداووا عباد الله، تداووا. عباد الله والأدوية متاحة عندك، القرآن، القرآن شفاء، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾. القرآن شفاء. وكم عولجت الكثير من حالات الصرع والمس والحسد والسحر، عن طريق القرآن، بما يكون من قراءة المعوذات بإسهاب وتكرار، أو ما يكون بسورة البقرة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «اقرأوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة». قال شراح الحديث: من معاني البطلة أي السحرة، ما يستطيعون عليها. والبيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة يطرد منها الشيطان، ويطرد طردا عنها، ما يمكث؛ لأن البيت أصبح محميا. فالقرآن يا عبد الله تكثر، وإذا أحد من أفراد أسرتك ابتلي بشيء من هذه الأنواع من الإصابات الشيطانية، اقرأ عليه القرآن، إما مباشرة أو تقرأ القرآن ثم تنفث، أو تقرأ القرآن في ماء ثم يشرب أو يغسل منه، أو تقرأ القرآن في دهن كزيت الزيتون ثم يدهن به. كل ذلك نافع، كل ذلك نافع. وأثر ذلك عن كثير من السلف أنهم عملوا بهذا. وهكذا في باب الأحاديث النبوية والأدعية التي أثبتت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فعليك بها. فإن النبي كان يعوذ أحفاده الحسن والحسين: «أعيذكم بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة». كان يعوذهم، وكان يكثر من التعويذات، فتكسر يا عبد الله بمثل هذه الأدعية النبوية. ولو كان الرجل قد أصيب بمس، فتقرأ عليه بما ثبت عن رسول الله: «اللهم أنت رب الناس، اذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك». وهكذا أدعية كثيرة ثابتة عن رسول الله، تتتبعها ثم تأتي بها لنفسك ولأهلك ولمن كان مصابا بشيء. هذا من النشرة الشرعية. وهكذا بعد ذلك كذلك بعد الأحاديث، الأدوية والعلاجات الشرعية وهي كثيرة، مثل ما يذكر العلماء: التصبح بسبع تمرات، جاء ذلك في الصحيح، صحيح مسلم: «من تصبح بسبع تمرات من عجوة المدينة، لم يضره سم ولا سحر». وهذه مسألة خلافية بين العلماء، هل الخاصية في الحديث تعود إلى تمر المدينة أم إلى عموم التمر؟ فبعض العلماء كسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله رحمة الأبرار، يرى أن أي تمر ينفع، أي تمر تقوم في الصباح وتأكل سبع تمرات على الريق، فإنها نافعة جدا. ومن أهل العلم من تمسك بظاهر النص، ويرى أنك تختار من هذا التمر ما كان من عجوة المدينة، ومتوفر في الأسواق وفي بعض الدكاكين والمحلات، تشتريه لكي تنفعك في هذا المضمار. فهذا من العلاجات النافعة. كذلك يا عبد الله ما يكون من أمر الحجامة، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في الزاد، عندما تكلم عن أحوال المسحورين وكيفية العلاج، ذكر الحجامة وأنها مفيدة جدا، وخاصة في العضو الذي يشك أن فيه سحر. وقد أشرنا إلى ذلك في دروس سابقة، أحيانا يكون السحر معمولا على عضو من الأعضاء، في الذراع، في اليد، في الصدر، في الظهر، في القدم، في الركبة، في مكان. هذا المكان يحجم؛ لأنه فيه مادة شيطانية، فاستخراج هذه المادة بالحجامة نافع جدا. أو كذلك ما يكون بالإسهال، وذاك إذا كان السحر عبارة عن مطعوم أو كان مشروب، فعن طريق المواد المسهلة، فإن هذا مما يستفرغ ما في البطن من المادة الشيطانية، فيبرأ المريض. هذه كلها علاجات مشروعة شرعية، كما قلنا: بالقرآن، بالأدعية، بالأحاديث، ومثل هذا. والتوسع جماعة من أهل العلم بما علم بالتجربة، كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر، لمسألة سدر، أوراق السدر، يؤتى ببعض الأوراق ثم تدق دقا، ثم تجعل مع الماء، ويشرب، فإنها نافعة. وذكر أمثلة مما عرفت بالتجربة أنها تضر بالجان الذي قد سكن الجسد، تضره، ففعلها تخرجه. فهذا مما علم بالتجربة من أهل العلم. وقبل هذا وذاك، أفضل علاج، قبل هذا وذاك، أفضل علاج، بل هو أول علاج، وهو الذي يكون به الاختصار لعلاج المريض، ألا وهو استخراج السحر. لأن السحر حقيقة هو الربط، عندما يأتي الساحر إلى أن يسحر فلانا من الناس، فيأخذ شيئا من أثره، لا بد، يأخذ شيئا من أثر المسحور، من شعره، من ثوبه، من أي شيء، ثم يعمل له السحر، وعنده الشيطان. والشيطان الذي عنده ساحر كالكلب، تعرفون الكلاب، هو كلب يشمشم أثر هذا المسحور، فيتبعه، فيأتي به، ولو كان بعيد المسافة، يأتي به. فالذي يربط الجان والشيطان بالمسحور هذا السحر الذي عمل، فيحرص الشيطان على إخفاء هذه العلاقة، يخفيها، يخفيها في واد، يخفيها في صخرة، يخفيها في أي مكان. والقصص في هذا الباب عجيبة غريبة، في حرص الساحر على تخبئة السحر حتى لا يكشف. فما هي الطريقة؟ الطريقة الأولى أنك تبحث عن هذا السحر الذي عمل، وهذا الذي وقتصر لرسول الله عليه الصلاة والسلام أنه عرف مكان السحر الذي عمله، فنقضه. فلما نقضه رجع إلى حالته عليه الصلاة والسلام. هنا قد يقول قائل: وأنا عندنا مريض، كيف أعرف مكان السحر؟ ونحن في هذا العالم، شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، داخل في الخارج. قال العلماء: ما هناك طريق إلا بالله، إلا بالله، بالدعاء والتضرع، وصدق الالتجاء إلى الله، فسيكشف الله لك يا عبد الله مكان السحر. وقد وقع، كم من أناس ابتلوا بمثل هذا الداء، فلا زالوا منهم التضرع الطويل بالله، فلما علم الله صدق اتجائهم، والله حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا، فيستجيب الله لهذا الدعاء، ولهذا الدعاء. فتجد أن هذا المسحور، أو من كان من أهل من ينكشف له، من ينكشف له مكان السحر، كما وقع لرسول الله. سحر وظهر أثر ذلك في بعض أفعاله، فلما نام أراه الله جل وعلا ماذا؟ حوار الملكين: «ما به؟ قالوا: طب. قالوا: في طب، في ماذا؟ قالوا: في مشط ومشاطة. قالوا: أين طبه؟ قالوا: في البئر الفلانية». هذا من الله، وهذا قد يقع لبعض الناس، تستيقظ ويقول: لي أخوان، في المكان الفلاني. جاءت لي رؤية: أن في شيء، ابحثوا. فبحثوا، فإذا بالسحر. إذا عثر على السحر، يذكر الله عليه، يؤتى بالمعوذات حتى يبطل أثره، ثم إن كانت المادة السحرية مما يكسر كالصدف، فإنها تكسر، أو أنها تحرق إذا كانت كالورق، أو أنها تذاب إذا كانت كالبودرة. وهي أنواع يعلمها أهل الشأن. فهذه إخواننا في الله: رقى شرعية. وأخيرا إخواننا في الله، قد يقول قائل: يا أخي، نحن ما نفعل هذا، نذهب إلى السحرة لفك السحر، إلا ضرورة. ضرورة، وهذه من الضرورات. وقد قال ربنا: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾. نقول: نعم يا عبد الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد. وهذا عدوان، كونك تجعل مقام الصحة والعافية أرفع من مقام الدين، هذا هو العدوان. بخلاف ما من أحد إلا وعلم الضروريات الخمس التي جاءت الشرائع والإسلام بحمايتها. أول ضرورة: الدين، هي في الهرم، الدين. وبعد ذلك يأتي النفس، يأتي العقل، يأتي العرض، على اختلاف في ترتيب العلماء لها. لكن الدين هو في القمة. ولهذا كل شيء يفنى، ويبقى الدين. الأعراض تفنى، ويبقى الدين. الأنفس تنفى وتذهب، ويبقى الدين. المال يبهد يذهب، ويبقى الدين. الدين يبقى. لكن تحكّم: تبقي النفس على ذهاب الدين، من يقول بهذا؟ تبقي العرض على ذهاب الدين، ما يصح هذا يا عبد الله. ومن يدندن بأن الضرورات تبيح المحذورات، قل: نعم، الضرورات تبيح المحظورات، ولا تبيح الكفريات. الضرورات ما تصل إلا أنها تبيح المحظورات، لا تبيح الكفر. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا هذه المسألة: قال: المسلمون، وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات، تنازعوا في التداوي بالمحرمات، قال: كالميتة والخنزير. قال: فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال. لا تجعل يا عبد الله الكفر والشرك سبيلا إلى علاجك وعافيتك. ما الفائدة أن تعالج هذا الجسد، وقد بذلت دينك وعقيدتك هباء منثورا؟ هذا الذي أذكره في هذا المقام، وبهذا انتهى المؤلف رحمه الله تعالى من ذكر مباحث النشرة. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.