كتاب الصيام 15

الدرس في كتاب الصيام 15، ألقاها

تأخير قضاء الصوم وآراء الفقهاء

درس يشرح حديث عائشة رضي الله عنها حول تأخير قضاء الصوم إلى شعبان، واستدلال جمهور أهل العلم بذلك على جواز التأخير. يُوضح آراء الفقهاء في مسألة الفور في القضاء.

أحكام الفطر والسحور في رمضان

يُناقش أهمية تعجيل الفطر وتأخير السحور، ويُوضح أن تعجيل الفطر من علامات خيرية الأمة وظهور الدين. كما يُبين أن تأخير السحور لم يثبت في صحيحي البخاري ومسلم.

استحباب تعجيل الفطر وتفاصيله

يشرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول تعجيل الفطر عند غروب الشمس، ويبين استحباب تعجيل الفطر وعدم وجوبه. يُفصل آراء العلماء في حكم تأخير الفطر إلى الليل.

حدود وقت الإفطار في الصيام

أوضح العلماء أن آخر وقت للإفطار هو السحر، ولا يجوز تأخيره بعده. بيان لحكم فقهي يتعلق بالصيام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، في درس أمس مررنا على حديث عن عائشة رضي الله عنها دون أن نتكلم عليه، فنقرأه اليوم بإذن الله عز وجل. قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان». عائشة رضي الله عنها وأرضاها تحكي حالها، وأنها ربما كان عليها القضاء من رمضان بسبب عذر من الأعذار، لا سيما أعذار النساء، فكانت رضي الله عنها وأرضاها لا تقضي تلك الأيام التي أفطرت فيها لعذر إلا في شعبان. جاء في بعض الألفاظ: «قالت: لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم». فلأجل هذا الحديث استدل به جمهور أهل العلم على جواز تأخير القضاء إلى شعبان. قالوا: هذا أقصى مدة تكون له أو يكون للقضاء. فمن أخره إلى دخول رمضان الآخر يكون بهذا الأمر قد فرط. وقال بعضهم: من فعل هذا فقد وقع في الإثم؛ لأنه فرط في القضاء إلى أن دخل شهر رمضان الآخر. وجه ذلك أن ذكرنا في المسألة أنه مبني على مسألة أخرى، وهي: هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ هذه المسألة ذهب جماعة من المحققين إلى التفصيل، فقالوا: إن كان من العبادات ما يصح فيها التراخي، فالأمر فيها ليس على الفور. وما لم يكن كذلك، فالأمر فيها على الفور. فإذا كان الأمر فيها على الفور، يكون الحكم فيها أن من أخرها لغير عذر يكون آثما. فلما جاء إلى الصوم، قالوا: ليس عندنا في قضاء الصوم دليل على التأخير أو على التراخي، فيبقى الأمر على الفور. بمعنى أن الله عز وجل قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فالأصل أن من أفطر لعذر، الأصل أن يعجل في القضاء إذا لم يكن له عذر. قالوا: لكن ما جاء في حديث عائشة هذا، أي في قولها رضي الله عنها وأرضاها: «كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان»، قالوا: فيه دلالة على جواز التأخير إلى شعبان. له أن يؤخر إلى شعبان لحديث عائشة. فأستفيد من هذا أن من أخره إلى ما بعد شعبان، أي إلى أن دخل رمضان الآخر، أنه لا يجوز إذا لم يكن لعذر. غير شهر رمضان، أي قبل شهر رمضان، له أن يصوم أن يقضي ما عليه من الصيام في أي شهر شاء. كما مر معنا أن الأفضل أن يعجل، وأن أقصى مدة شهر شعبان، بحيث لا يدخل شهر رمضان وعليه قضاء لحديث عائشة هذا. والله أعلم. فالحاصل أن القضاء للصائم إذا كان له عذر، الأفضل في حقه أن يعجل، وله التأخير إلى شعبان. فإن أخره إلى أن دخل رمضان الآخر لغير عذر، فهو آثم. هذا خلاصة هذه المسألة: الأفضل التعجيل، فمن لم يعجل له أن يؤخر إلى شعبان، يجوز له. فإن أخر إلى رمضان الثاني لغير عذر، فهو آثم لما تقدم. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور». أولا ننبه على خطأ وقع في الحديث، وهو أن قولهم: «وأخروا السحور» ليست في صحيحي البخاري ومسلم. فلعله سبق قلم من الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى أو سهو أو غير ذلك. فالحاصل أن لفظة «وأخروا السحور» ليست في صحيحي البخاري ومسلم، وإنما جاءت في مسند أحمد بإسناد ضعيف. فيه عبد الله بن لهيعة، وفيه كذلك عدي بن حاتم الطائي وهو مجهول. فهذه اللفظة لا تصح. ولكن من حيث الحكم، هل تأخير السحور من السنة المستحبة أم لا؟ تقدم معنا الكلام على السحور وأحكامه في أول الدروس. نجعل الكلام على الحديث: قال عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وجاء في رواية: «لا يزال الدين ظاهراً ما عجلوا الفطر». قال العلماء رحمهم الله تعالى: في هذا الحديث دلالة على أن الخير ما زال موجودا في هذه الأمة ما عجلوا الفطر. وكذلك تعجيل الفطر علامة على ظهور الدين؛ لأن تأخير الفطر من عبادات ومن دين اليهود والنصارى. كما جاء في مسند أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عجلوا بالفطر؛ فإن اليهود والنصارى يؤخرون». وجاءت أيضا في بعض الألفاظ والروايات: «أن اليهود والنصارى لا يفطرون حتى يظهر النجم». بمعنى أن اليهود والنصارى لا يعتمدون في إفطارهم على غروب الشمس ولا على ظهور الليل فحسب، بل لهم علامة أخرى وهي ظهور النجم. فإذا فعلت هذه الأمة مثل فعلهم في تأخير الإفطار، كان علامة على ماذا؟ على عدم ظهور الدين أو على خفاء هذا الدين. وكذلك على قلة الخير. بخلاف ما إذا عجلوا بالفطر؛ فإن فيه علامة على ظهور هذا الدين، وكذلك علامة على الخيرية. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى حكما وعللا في هذا، أي في تعجيل الفطر. من هذه العلل والحكم: أولا، أن فيه مخالفة لأهل الكتاب، اليهود والنصارى. ثانيا، أن فيه رفقا بالصائم وتقوية له. وأيضا قالوا: فيه ما أكرم الله عز وجل به هذه الأمة من التخفيف عليها. فهذا من رحمة الله عز وجل ومن إكرامه لهذه الأمة. قال رحمه الله تعالى: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». هذا الحديث وغيره من الأحاديث فيها دلالة على ما ذهب إليه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم من استحباب تعجيل الفطر. قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى: وأحاديث تعجيل الفطر وتأخير السحور متواترة، أي كثيرة متكاثرة. وأيضا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني روى في كتابه المصنف بإسناده الصحيح عن عمر بن ميمون الأودي أنه قال: «كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يعجلون الفطر ويؤخرون السحور». وهذا منه نقل للإجماع. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأشار إلى جهة المشرق، يقول: إذا جاء الليل أي رأينا سواد الليل من جهة المشرق هذه علامة. وأدبر النهار من هاهنا وأشار إلى جهة المغرب، قال: وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم». فهذه علامات ثلاث: الأولى ظهور الليل من جهة المشرق، الثانية إدبار النهار من جهة المغرب، الثالثة غروب الشمس. فهذه الأمور كما قال العلماء رحمهم الله تعالى متلازمة؛ بمعنى أنه لا يظهر سواد الليل إلا بغروب الشمس وإدبار النهار، ولا تغرب الشمس إلا وظهر سواد الليل وأدبر معها النهار. ولا يدبر النهار إلا بظهور سواد الليل وبغروب الشمس. قال العلماء: أي قد حل للصائم الفطر. وإذا كان كذلك، هل تعجيل الفطر للصائم مستحب أم هو واجب؟ الجواب: أنه مستحب، تعجيل الفطر مستحب لا خلاف في استحبابه. لكن من أخر الفطر إلى دخول الليل أو شيء من الليل، هل هذا الفعل منهم يكون مكروها أم يكون محرما؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى التفصيل، فقالوا: إن أخره بغير عمد، وإنما شغل مثلا بشغل أو ما شابه ذلك، فأخر الفطر إلى أن دخل الليل، قالوا: فهذا لا شيء عليه ولا كراهة. أما إذا تعمد ذلك، فقد وقع في الكراهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث حث بقوله: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». فتعجيل الفطر ما دام ما أراد الإنسان الخير، عجل الفطر. ومن لم يرد الخير لا يعجل الفطر. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن أقصى مدة لتأخير الفطر إلى السحر. واستدلوا على ذلك بما سيأتي معنا في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أراد أصحابه أن يواصلوا معه في الصيام، قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر». فقال علماء: آخر مدة للإفطار السحر، ولا يجوز للإنسان أن يؤخر إلى ما بعد السحر. وبهذا نكتفي في هذا اليوم، وغدا إن شاء الله تعالى ندخل في الأحاديث الأخرى. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرا للمشاهدة.

شاركنا على