الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها
يتناول هذا الفصل أحكام الصوم للمريض، حيث يُشرح مفهوم القدرة على الصوم وشروط الإفطار، ويُبيّن أن المريض الذي يشق عليه الصوم أو يخشى الضرر يُباح له الإفطار، مع توضيح أحكام القضاء والإطعام للمريض المزمن.
يشرح هذا الفصل تفاصيل حكم المريض الذي لا يستطيع الصيام، حيث يُفصّل في أحكام القضاء والإطعام بناءً على ما إذا كان المرض مؤقتًا أو مزمنًا، ويُلزم المريض المزمن بإطعام مسكين عن كل يوم أفطر فيه.
يتناول هذا الفصل أحكام الصيام للحامل والمرضع، حيث يُجيز لهما الفطر إذا خشيتا على نفسيهما أو على الجنين أو الرضيع، ويُلزمها بالقضاء دون الإطعام، وهو قول جمهور أهل العلم.
يؤكد هذا الفصل على جواز الفطر للمريضة في رمضان وعليها قضاء الأيام التي أفطرتها فيما بعد، ولا تلزمها إطعام مساكين بدلًا عن تلك الأيام، ويُعد تكرارًا للتأكيد على أحكام سابقة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على شروط الصوم، أو على من يجب الصوم. وذكرنا في الدرس السابق أنه كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم. أنه على كل مسلم عاقل، ومر معنا في قولنا أو في قول الفقهاء رحمهم الله تعالى، أنه يجب على كل مسلم. أنه خرج غير المسلم، بمعنى أنه لا تصح منه الصيام، وإن كان مخاطبًا بالصيام، فيجب عليه الصيام، وما لا يصح الصيام إلا به. وكذلك العاقل، خرج منه المجنون، وتكلمنا على بعض المسائل في الدرس السابق أيضا على هذا الأمر. وقوله "بالغ" أيضا، تقدم الكلام على هذا الأمر، وأن غير البالغ لا تجب عليه، أو لا يجب عليه الصيام على الصحيح من أقوال أهل العلم. بقي اليوم نتكلم على قولهم "قادر". خرج بقول الفقهاء رحمهم الله تعالى، أن الزكاة تجب على القادر. خرج غير القادر، أو نعم غير القادر، وغير القادر الأنواع وأصناف. لذا نتكلم في هذا الدرس على أصناف هؤلاء الذين ليسوا من أهل القدرة، وهم على أقسام أو أنواع. فمن هؤلاء الذين لا تجب عليهم، أو لا يجب عليهم الصوم، المريض. المريض لعدم القدرة. وقد دل على هذا الكتاب، وكذلك عمومات السنة، ودل عليه أيضا، أو نقل الإجماع في هذا من أن المريض ليس عليه، أو لا يجب عليه الصوم، لقول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ونقل الإجماع على أن المريض إذا كان مرضه لا يستطيع معه الصوم، فله الفطر. وتحت هذا النوع مسائل. أولى هذه المسائل، ما هو الضابط في المرض الذي يبيح الفطر؟ في المسألة أقوال. فذهب جمهور أهل العلم إلى أن من كان يحل له التيمم مع وجود الماء لمرض، فهذا الذي يحل له الإفطار. وتحتهم أصناف، فقالوا: من كان مريضا فيخشى على نفسه الضرر بالصيام، أو كان مريضا فإذا صام ازداد مرضه وضرره، أو شق عليه الصيام بحيث لا يستطيع مواصلته، أو قد يؤدي إلى ضرر. قالوا: فمثل هذا المريض هو الذي يفطر. وأما من كان مرضه يسيرا، فلا يدخل في رخصة الفطر، كمن به وجع في ضرسه، أو جرح يسير، أو ما شابه ذلك. قالوا: فهذا لا يفطر، ولا تتناوله الآية. وذهب بعض أهل العلم إلى أن كل ما يسمى مرض، ولو كان يسيرا، فله الفطر. وهذا ذهب إليه عطاء ابن أبي رباح، وابن سيرين، في جماعة من أهل العلم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في مقدمة الفتح قصة، ذكر قصة أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى مرض في رمضان بسبب ألم ضرسه، فدخل عليه إسحاق ابن راهويه يزوره، وكان مريضا، وكان مفطرا. فتعجب إسحاق ابن راهويه من إفطار الإمام البخاري رحمه الله تعالى من مجرد ألم الضرس. فقال له: أتفطر من أجل ألم ضرس؟ فقال له البخاري: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن سيرين، أنه أفطر لأجل وجع ضرسه. فالحاصل أن هذه المسألة، كما سمعتم، أهل العلم فيها منهم من يقول: أن عليه الإفطار إذا كان مرضه شديدا يخشى على نفسه الضرر. وبعض أهل العلم ذهبوا إلى مطلق المرض، فما سمي أو أطلق عليه بأنه مرض، فهو داخل في عموم الآية. والجواب: نعم، لكن من باب التحري، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك. ومن استبرأ لدينه وعرضه، فقد استبرأ. فيقال: إن من كان مرضه يسيرا، مثل ألم في ضرسه، وما شابه ذلك، واستطاع الصوم، فينبغي له أن يصوم على سبيل الأفضلية، لا على سبيل وجوب، خروجا من الخلاف. ومن اشتد به الألم، وإن كان ألم ضرس أو سن أو ما شابه ذلك، فله الإفطار؛ لأنه مريض، وهو داخل في عموم الآية. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لهذا القول الأخير، استدلوا بعموم الآية. وأيضا قالوا: ليس العبرة في المرض بالمشقة كما قال الجمهور؛ وذلك لأن الله عز وجل قرن المرض بالسفر. والقول الصحيح من أقوال أهل العلم أن المسافر إذا سافر سفرا لا مشقة فيه، له الإفطار. فكذلك المريض إذا مريض مرضا لا مشقة فيه، ولكن صح أن يقال فيه أنه مريض، وثبت أنه مريض، ولكن مرضه ليس فيه مشقة، فله الإفطار. وقلنا: الأولى أن يصوم إن استطاع، خروجا من الخلاف، وهو من باب الاحتي، المستحب، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى في مثل هذه المسألة. ثم تحت هذا النوع، من خشي على نفسه الهلاك، هل له أن يفطر؟ ليس بمريض، ولكن خشي على نفسه الهلاك. صام مثلا في يوم حار شديد الحر، أو عمل في يوم عملا شاقا، بحيث أنه شق عليه الصيام جدا. فهل له أن يفطر؟ الجواب: له أن يفطر؛ بقول الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. وإذا قيل في المريض الذي لا تصحبه مشقة، أن له الإفطار، فمن صاحبته المشقة حتى خشي على نفسه الهلاك، فله الإفطار؛ لهذا المعنى للمشقة، ولقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فمن أفطر لأجل المشقة، فهل عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينا؟ أم أنه يقضي يوما مكان ذلك اليوم؟ ذهب الجمهور إلى وجوب القضاء عليه، وهل عليه كفارة؟ ليس عليه كفارة. وأما الإمام بن حزم رحمه الله تعالى، فقال: إن وصل الحد به إلى المشقة، قال: له أن يفطر طررا، ثم أن يواصل صومه، ولا شيء عليه. والظاهر، أو الجمهور، أنه يفطر ذلك اليوم، ويأتي بيوم مكانه، ويكون حكمه حكم المريض. والعلة الجامعة بينهما العجز عن صيام ذلك اليوم. ومسألة أخرى، وهي في المريض الذي يرجى شفاؤه. فهل عليه القضاء؟ إنسان دخل رمضان بصحة جيدة، في منتصف رمضان مثلا أصابته ملاريا لمدة أسبوع، ثم أفاق بعد ذلك. فهل عليه القضاء؟ الجواب: أن عليه القضاء، والأمر في هذا واضح؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. بقي: هل عليه الكفارة، أي الإطعام عن تلك الأيام التي أفطر فيها؟ الجواب: ليس عليه شيء إلا القضاء، يوما مكان ذلك اليوم. إلا أن يقضي يوما مكان تلك الأيام التي أفطرها، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وهو قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض السلف، كطاووس وغيره، إلى أن عليه الإطعام عن كل يوم مسكينا، ويكون حكم الشيخ الكبير، وليس عليه بعد ذلك قضاء. والصواب الأول؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. بقي: من كان مرضه مرضا مزمنا لا شفاء فيه، مثلا فيه مرض السرطان، نسأل الله أن يعافينا وإياكم منه. مرض مستمر، دخل رمضان وبه مرض، أو هذا النوع من المرض. فماذا عليه؟ الصيام لا يستطيع أن يصوم في رمضان، ولا يستطيع أن يقضي بعد رمضان. فماذا عليه؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا وقع الخلاف في مثل هذه الصورة. فمن أهل العلم قال: مثل هذا النوع لا شيء عليه؛ لأنه دخل رمضان وهو ليس من أهل الوجوب؛ لأنه عاجز، وشرط الوجوب في صيام رمضان القدرة. وذهب بعض أهل العلم، بل ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب الإطعام عن كل يوم مسكينا. قالوا: وهذا يلحق بالشيخ الكبير. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. وهذه الآية، جاء عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضى أنه قال: "وعلى الذين يطيقونه" أي في الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة التي لا تستطيع الصيام، عليها أن تفطر، وأن تطعم عن كل يوم مسكينا. وهذا القول من ابن عباس خالفه فيه غيره؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث سلمة ابن الأكوع، ومن حديث ابن عمر، وكذلك جاء عن غيرهم، أنهم قالوا: أن هذه الآية كانت في أول الأمر، ثم نسخت؛ بقول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فكان الأمر كما قال ابن أبي ليلى: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: لما فرض رمضان، لما فرض صيام رمضان، شق هذا على بعض الناس، فكان الأمر فيه على التخيير. من صامه فمنهم من صامه، ومنهم من أطعم مكان صيامه مسكينا، حتى نزل قول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فكانت الآية الأخيرة ناسخة للآية الأولى. وإذا كان الأمر كذلك، فلا شيء عليه. لكن القائلين بوجوب الفدية، أو الكفارة، أو الإطعام، قالوا: إن وجه الاستدلال بالآية من عدة أوجه. الأول: أن الله عز وجل قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. فمن لم يجد؟ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، فعلى الذين يطيقونه، فدية طعام مسكين. قالوا: الآية في قوله "يطيقونه" معناها على ظاهرها، أي الذي يقدرون عليه، بمعنى الذين يقوون على الصيام، فهم مخيرون بين الصوم وبين الإطعام. وهذا كان في أول الأمر. قالوا: فلما فرض الله عز وجل الصوم في شهر رمضان مطلقا، ومنع التخيير. قالوا: بقي الأمر هذا على من كان لا يطيق إلا الفدية، بقي هذا الأمر على من كان لا يطيق إلا الفدية، فعليه الفدية. وجه الاستدلال بالآية أن الله عز وجل قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. فقوله "يطيقونه" أن يقدرون على صيامه. فمن كان يقدر على صيام شهر رمضان، كان في أول الأمر حينما فرض شهر رمضان، القوي القادر مخيرا بين الصيام وبين الإطعام. وفي أول الأمر من كان لا يستطيع الصيام، وكان يستطيع الإطعام، فعليه الإطعام، كالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة. ثم لما فرض الله عز وجل وألزم بصيام شهر رمضان، بقول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. الآن هنا ما في تخيير لمن كان قويا مختارا، أو لمن كان عاجزا غير مختار. فبقيت الآية على ما هي عليه، وهي وجوب الفدية على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة. وهذا من دقيق فقه عبد الله بن عباس رضي الله عنه. ما له القرآن الكريم من دقيق فقه، رضي الله عنه وأرضاه. ولذا ثبت عنه أيضا في صحيح البخاري وغيره، أنه قرأ على سبيل القراءة التفسيرية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. نعم، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ﴾. قراءة أخرى من ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. وكما ذكر العلماء أنها ليست من القرآن، ولكن قرأها ابن عباس على سبيل التفسير. وقرأ بها عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. الآية على القراءة الأخرى تكون في المسألة نص؛ لأن معنى "على الذين يطوقونه" أي يعجزون عن صيامه، ويشق عليهم صيامه، ويتكلفون صيامه، عليهم إطعام مسكين. فكان الاستدلال بالآية من وجهين: الوجه الأول ما سمعتموه، أنها كانت في حق المختار القوي، ثم نسخت، وبقيت في حق الشيخ الكبير والمرأة. والوجه الثاني على القراءة الثانية التي يقال أنها عن ابن مسعود، قراءة ابن مسعود. وجاء في البخاري أنها من قراءة ابن عباس، وقال بعضهم أنها من باب التفسير، لا من باب القراءة. فعلى العاجز المريض الذي به مرض مزمن مستمر، عليه أن يطعم مكان كل يوم أفطر فيه مسكينا. له أن يطعم مكان كل يوم أفطر فيه مسكينا. واضح هذا؟ ومسألة أخرى أيضا في هذا الباب، ذكدناها في أثناء الكلام. الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة التي لا تستطيع الصيام، هرم أو كبير السن، لا يستطيع أن يصوم. فماذا عليه؟ رجل بلغ مثلا سبعين أو ثمانين سنة، أو امرأة كذلك، لا تستطيع الصيام. فماذا عليها؟ الجواب: أن عليها الإطعام، وأن عليه الإطعام مكان كل يوم أفطره. هذا هو القول الصحيح، وهو قول جمهور أهل العلم. وذهب مالك، وهي رواية عن الشافعي رحمه الله تعالى جميعا، واختارها بعض أهل العلم، إلى أنه لا شيء عليهما. وصوا في المسألة ما سمعتم من أنه يخرج عن كل يوم، أو أنه يطعم عن كل يوم مسكينا. ومسألة أخرى أيضا متعلقة في مسألة العاجز، أو غير القادر. مسألة في الحامل والمرضع. هل للحامل والمرضع الفطر؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى لهذه المسألة، وفي هذه المسألة حالتين. الحالة الأولى: إن خشيت على نفسها الضرر بعدم الإفطار. حامل، وإذا صامت ساعة تدوخ، وساعة يحصل لها كذا. أو أرضعت، وحصل لها كذلك من الأمراض، وما شابه ذلك. المهم خشيت على نفسها الضرر. فنقل غير واحد عدم الخلاف في المسألة إلى أنها تفطر، ولا شيء عليها. ونقل بعضهم عن إمام أحمد رحمه الله تعالى رواية أنه يقول: لهم الإفطار، وعليهم الإطعام والقضاء. قلنا: الجمهور قبل هذا. ونقل في المسألة، أو قال بعضهم: لا خلافة في المسألة إلى أن لها أن تفطر، وعليها القضاء، وليس عليها الإطعام. وقال الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى: لا خلافة بين العلماء في هذا. لكن نقل بعضهم عن إمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: في المرأة إذا أفطرت خشية على نفسها، قال: تقضي يوما مكانه، وتطعم مسكينا مكان اليوم الذي أفطرت فيه. بعض أصحاب أحمد حاولوا أن يحمل كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الصورة الثانية. والصحيح في المسألة هو قول جمهور: أن للمرأة إذا خشيت على نفسها الضرر، أي الحامل أو المرضع، فلها أن تفطر، وأن تصوم مكان اليوم الذي أفطرت، أو مكان الأيام التي أفطرت فيها. ولو أفطرت شهر رمضان كله إذا كانت المشقة مستمرة في حقها، لا أن تفطر إفطارا مستمرا. وليس عليها إطعام، وليس عليها إطعام. والحالة الثانية في المرأة الحامل أو المرضع، أفطرت لا للمشقة عليها، ولكن للمشقة على جنينها، أو المشقة على رضيعها. أي قل: لبنها مثل المرضع، أو مثلا المرأة الصائمة الحامل رأت مثلا أن الطفل يتحرك بقوة في أثناء الصيام، يدل على أنه قد تأذى من صيامها. فهل لها الفطر؟ الجواب: أنها تفطر، وهذا الأمر مسلم فيه. واستدل الجميع على إفطار الحامل والمرضع بحديث أنس ابن مالك الكعبي رضي الله عنه وأرضاه في السنن. والحديث قد صححه جماعة من العلماء، منهم العلامة الألباني، وشيخنا العلامة أحمد وادع، وغيرهم من أهل العلم. الحديث فيه أنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: وهو يأكل، فقال لي: كل. فقلت: إني صائم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله وضع شطر الصلاة عن المسافر، وعن الحامل والمرضع الصوم". فاستدل العلماء بهذا الحديث إلى أو على المسألة المذكورة، من أن الحامل والمرضع لها أن تفطر. ثم نرجع إلى المسألة المذكورة، وهي: امرأة حامل، أو أخرى مرضع، أفطرت لا للمشقة عليها، ولكن خشية على جنينها إن كانت حامل، أو رضيعها إن كانت مرضعا. إذا أفطرت، هل عليها أن تطعم مكان يومها، وأن تقضي؟ أم ماذا عليها؟ في المسألة أقوال. القول الأول: قالوا: تطعمان، ولا تقضيان. تطعمان عن كل يوم مسكينا، ولا تقضيان شيئا. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قالوا: وهذه المرأة هي في معنى الشيخ العاجز، وفي معنى المرأة الكبيرة. وهذا قول ابن عباس، وابن عمار رضي الله عنهما. القول الثاني في المسألة: أنهما تقضيان وتطعمان. القول الأول: أنها تطعم مكان كل يوم أفطرته، ولا تقضي بعد رمضان. القول الثاني: أنها تصنع تطعم مكان كل يوم أفطرتهم مسكينا، وإذا قويت على الصيام، عليها بقضاء الصوم. وهذا قول عطاء ابن أبي رباح، وروي كذلك عن عبد الله ابن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما. قول ثالث في المسألة: أنها تقضيان جميعا، وعلى الحامل الإطعام دون المرضع. وهذا القول ذهب إليه الحسن البصري، وهو قول ليث، ورواية عن مالك وغيرهم من أهل العلم. القول الرابع: قول ليس عليها شيء، ليس عليها إطعام، ولا عليها قضاء؛ أي للصائم المرأة الحامل أو المرضع، لها أن تفطر في رمضان. هل عليها قضاء؟ قول ليس عليها قضاء. طيب هل عليها إطعام مكان اليوم الذي أفطرت فيه؟ قول ليس عليها إطعام؛ لماذا؟ قال: لأنه دخل رمضان وهي ليست من أهل التكليف على هذا النوع، فهي عاجزة عن الصيام للمشقة الموجودة على جنينها. وهذا قول ابن حزم رحمه الله تعالى. قال: وليس هناك دليل يدل على أمرها بالقضاء، ولا أمرها بالكفارة. وقد يستدل لهم بظاهر حديث أنس بن مالك الكعبي، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بالقضاء. القول الخامس: أن عليها القضاء دون الإطعام. وهذا هو القول الصحيح في المسألة، وهذا قول جمهور أهل العلم. أن عليها القضاء؛ لأنها داخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾. فهذه المرأة داخلة في معنى المريض؛ فهي خشيت على نفسها الضرر. فهي تدخل في معنى المريض، فلها أن تفطر، وعليها أن تقضي، وليس عليها إطعام. فيكون حكمها كحكم المريض الذي يرجى برؤه، فليس عليه إطعام، وله الإفطار، وعليه القضاء. واضح هذا الأمر؟ فالراجع في هذه المسألة، في مسألة المرأة الحامل أو المرضع، إذا أرضعت لولدها، أي خشية على ولدها لا على نفسها، أو أفطرت كذلك لأجل ولدها، أي الحامل لا لأجل مشقة عليها. فلها أن تفطر، وعليها القضاء، وليس عليها الإطعام. نكتفي بهذا. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.