كتاب الصيام 6

الدرس في كتاب الصيام 6، ألقاها

حكم الأكل والشرب أثناء الصيام ناسيًا

ناقش المقطع حكم من أكل أو شرب ناسيًا أثناء صيامه، حيث يرى جمهور العلماء صحة صومه دون قضاء، بينما يرى البعض وجوب القضاء دون كفارة. واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه».

حكم الجماع والإفطار ناسيًا أو جاهلًا

تناول المقطع حكم من جامع ناسيًا في رمضان، واختلاف العلماء حول وجوب القضاء والكفارة. كما ناقش حكم من أكل أو أفطر جاهلًا، حيث يرى بعض العلماء صحة صومه بينما يرى آخرون وجوب القضاء.

أحكام الإفطار الجاهل والإكراه على الجماع

ناقش المقطع صحة صوم من أفطر جاهلًا بالحكم أو الحال، واستدل بحديث أسماء بنت أبي بكر وآية ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾. كما تطرق إلى عدم بطلان صوم المرأة المُكرهة على الجماع لرفع الإثم عن المكره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام" في كتاب الصيام: عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم. عائشة هي الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، وكانت أعلم نساء هذه الأمة. وأم سلمة وهي هند رضي الله عنها وأرضاها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت من فضليات الصحابة ومن العقلاء رضي الله عنهم أجمعين. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله. يدرك الفجر أي يدخل عليه وقت الفجر وهو جنب من أهله، بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما أتى أهله ودخل الفجر وهو على جنابة، أي لم يغتسل من ذلك الجماع، فيدركه الفجر وهو على هذه الحالة. لذا قالوا: من أهله أي أنه أصاب بعض أهله. ثم يغتسل ويصوم، أي بعد أن يدخل الفجر يغتسل ثم يصوم. وهذه المسألة قد مرت معنا فيما مضى، وأن هذه المسألة وقع فيها خلاف يسير في أول الأمر. فقد ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كما في صحيح مسلم، أنه كان يفتي بأن من أصبح وهو جنب أنه يكون مفطرا. ثم أخبر أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يقولن: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من أهله ثم يغتسل ويصوم. فرجع أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن قوله، واستقر الإجماع على هذه المسألة. وهي أن من جامع أهله في الليل قبل الصبح، فلم يغتسل حتى دخل الفجر، يغتسل وصيامه صحيح. لهذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبا من أهله ثم يصوم ثم يغتسل. وهذا كما سمعتم، المسألة مجمع عليها بين أهل العلم، فلا خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة. ويأخذ من هذا الحديث أيضا أن للرجل أن يأتي أهله في ليالي رمضان. وهذا كما هو ظاهر من هذا الحديث، وأيضا من قول الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فقول الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أيَا أتوا نساءكم ولا حرج عليكم في ذلك. وذلك أن الأمر كان في الأمر الأول، أول ما فُرض الصيام، كان الرجل إذا صام ثم نام من الليل قبل أن يأتي أهله، فلا يجوز له أن يأتي أهله. فكان بعض الصحابة ربما تحرج من هذا الأمر، أي ربما غلبه نومه فاستيقظ وكان يريد أهله فلا يستطيع. فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فأحل للرجل في ليالي رمضان أن يأتي أهله، أن يجامع أهله، ولا شيء عليه. فهي من الأمور المباحة، ويدل عليه كما سمعتم أيضا هذا الحديث، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدرك الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم. وهذا الأمر فيه واضح، وذكرنا هذه المسألة مع وضوحها لذي كثير، لأن قد علمنا أن بعض الناس إذا دخل رمضان شد مئزره فلا يقرب أهله أبدا حتى يخرج شهر رمضان. وهذا من الأخطاء، أي بعضهم يظن أنه ليس للرجل أن يأتي امرأته في ليالي رمضان. فيقول: خلاص دخل شهر رمضان، فلا أكل ولا شرب ولا جماع في النهار، ويحل الأكل والشرب في الليل، ولا يحل لنا الجماع. وهذا خطأ، والصواب ما سمعتموه. وهذا ناتج عن الجهل. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، كما مر معنا، حافظ من حفاظ الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه مجمعين. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نسي وهو صائم». والنسيان معلوم، وهو ذهول العقل. قال: «من نسي وهو صائم»، قوله: «وهو صائم» جملة ها هنا حالية، أي من نسي حال كونه صائما. «فأكل أو شرب»، فما حكمه؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فليتم صومه»، أي فليكمل صومه. «فإنما أطعمه الله وسقاه»، أي أن الله عز وجل هو الذي أطعمه وهو الذي سقاه. لأن العبد فعل هذا الأمر في حال ذهوله ونسيانه، لذا كان هذا من إكرام الله أو من فضل الله عز وجل على ذلك العبد أن أطعمه وسقاه. ومع هذا صح صومه، لأنه أكل وشرب ناسيا لا ذاكرا. وفي الحديث مسائل كثيرة، نتكلم في هذا اليوم على ما تيسر منها بإذن الله عز وجل. فأولى هذه المسائل: حكم من أكل أو شرب ناسيا. أي ما حكمه؟ كما سمعتم، جاء النص في أنه لا شيء عليه، وأنه يتم صومه، ولا إثم عليه. لهذا الحديث، ولقول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وقد جاء في صحيح مسلم، من حديث ابن عباس، أن في آخر الحديث قال: قال الله: «قد فعلت». فمن أكل أو شرب في نهار رمضان ناسيا، فله أن يتم صومه. وهل يكون صومه صحيحا أم يكون فاسدا؟ ذهب جمهور أهل العلم إلى صحة صومه، وأنه لا يجب عليه القضاء. واستدلوا بهذا الحديث، وهو قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأكل والشرب في نهار رمضان، أو للصائم بشكل عام ناسيا، يفسد الصوم، ويجبون عليه القضاء دون الكفارة. وهذا القول ذهب إليه الإمام مالك وشيخه ربيعة. فيقولون: يتم صومه، ولا إثم عليه، أي من حيث الإثم، أما من حيث الصوم فصومه فاسد، وعليه أن يأتي بيوم مكان ذلك اليوم. وذهب الإمام أحمد في رواية إلى أنه قال: يجب القضاء. فالقول الأول أنهم قالوا: أن صومه صحيح. والقول الثاني قالوا: عليه القضاء، وليس عليه كفارة. والصحيح قول الجمهور، من أن عليه من أن من أنه ليس عليه شيء، وأن صيامه صحيح. لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فليتم صومه، إنما أطعمه الله وسقاه». وأيضا لقول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. مسألة أخرى: من جامع في نهار رمضان ناسيا، فهل عليه القضاء أم لا؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يجب عليه القضاء. وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة. وذهب كثير من أهل العلم، ونص إلى الجمهور، إلى أنه لا شيء عليه، فهو في حكم الآكل والشارب ناسيا. ورد أصحاب القول الأول بأن الحديث جاء في الآكل والشارب، فدل على أن المجامع حكمه آخر. أصحاب القول الأول الذين أوجبوا عليه القضاء، وبعضهم أوجب عليه الكفارة، قالوا: هذا لا يلحق بحديث أبي هريرة في الآكل والشارب ناسيا. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص الأكل والشرب، فدل على أن الجماع ليس داخلا في هذا المعنى. بمعنى أن من جامع ناسيا في نهار رمضان يكون صومه فاسدا، وعليه الكفارة. قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأكل والشرب ولم يذكر الجماع، فدل على التغاير. ورد هذا الجمهور بقولهم: إنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأكل والشرب لأن النسيان يكون فيهما غالبا، بخلاف الجماع فلا يحصل إلا في الوجه النادر. وإذا نسي الرجل فلا تنسى المرأة، فلو حصل أن الرجل والمرأة نسي فأتى الرجل امرأته، فهذا كما قال الجمهور: لا شيء عليه. ولكن كما سمعتم، العبرة بأن يكون ناسيا حقيقة، لا ناسيا عن شهوة أو شبهة. فالحاصل من هذه المسألة هو أن الصواب فيمن أتى أهله في نهار رمضان ناسيا، فليس عليه شيء، فيكون حكمه كحكم من أكل أو شرب ناسيا. مسألة أخرى: من أكل ناسيا حتى ما بقي من الطعام إلى القليل، تذكر وهو عامي جاهل، فقال: أنا قد أكلت الكثير، فإما أن يكون قال: ما دام أكلت الأكثر، سأكل الباقي. لأنه يقول: أنا بين حالين، إما أن أكون أفطرت بطعام، فكذلك أفطر ببقية الطعام. وإما أن أكون صائما لم يؤثر علي أكل الطعام الأول، فكذلك لا يؤثر علي الطعام الآخر. هذا فقيه، اللهم يا جماعة، هذا عامي، لكن ما شاء الله يعني عقلاني. طيب، واضح المسألة أم لا؟ رجل أكل الطعام، ما بقي إلى لقمة، تكون فيها أحسن، يقول: بركة في الطعام في آخره. نظر إلى هذه اللقمة، الرجل تأول، قال: إما أن أكون صائما في الأكل كله، لأني أكلت وأنا ناسي، فهذه اللقمة كذلك لا تضر. فهي تبعا للأكثر. وإما أن أكون مفطرا بالأكل الأول، فسواء أكلت أو ما أكلت، فالأمر فيه سواء، فأكل هذه اللقمة. ثم جاء يستفتي، فقال: حصل مني كذا وكذا، فما الحكم؟ هيا يا جماعة، من من فقهاء من عنده شايف هذه المسألة واضح المسألة أو لا؟ طيب، هذه المسألة، وقع بنظيرها خلاف، وهو أن من أكل جاهلا، فهل عليه القضاء أم لا؟ وسأتي معا الكلام على الجاهل. من أكل جاهلا بدخول الوقت أو بالحكم أو ما شابه ذلك، هل يتم صومه أم يكون مفطرا؟ الأصل المسألة وقع فيها خلاف. فجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى أنه يكون مفطرا، قول: لأن الخطأ لا يرفع الحكم، بل يبقى عليه أنه إذا أكل مخطئا أو شرب مخطئا، فإنه يكون مفطرا، وعليه أن يأتي بيوم مكان اليوم. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن الخطأ عذر من أعذار الإفطار، وحكمه كحكم الناس. وهذا هو الصحيح، سيأتي الكلام على هذه المسألة فيما يلي. طيب، إذا علم هذا، أن الصحيح في المسألة أن المخطئ إذا أكل مخطئا لا يفطر. والمتأول خطأ حكمه حكم المخطئ. فهل يلحق في هذه الصورة بالمخطئ أم لا يلحق بالمخطئ؟ واضح المسألة أم لا؟ هيا جماعة، طولناها وعرضناها لمسألة وهي صغيرة. نعيد: نقل الرجل هذا الآن الذي أكل متأولا، أصاب مخطئ. هيا جماعة، أصاب مخطئ أخطئ. طيب، هل يلحق بأن الخطأ مرفوع أم لا؟ أنتم معي أولا. هيا جماعة، أسأل من ما شاء الله يا جماعة فقيه هكذا، عند من هذا السؤال؟ ها عندك، هل يكون مخطئا أم لا يكون مخطئا؟ طيب، فهل يلحق بالمخطئ؟ يعني في المسألة، المسألة ينظر إليها بمنظارين، هذه المسألة بعينها ينظر إليها بمنظارين. الأول: أنه أخطأ، أنه مخطئ. الأمر الثاني: أنه مفرط، أنه ماذا؟ أنه مفرط. بأي حق يسوغ لنفسه الإفطار بهذه الحجة الضعيفة. فالحاصل: هذه المسألة عُرضت على العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، فقال: الصواب في المسألة أو أحوط في المسألة أنه يفطر. وذلك لأنه قال: وإن كان حكمه كحكم الجاهل، إلا أنه مفرط، فكان الواجب عليه السؤال. وكذلك الواجب عليه عند الاشتباه والشك عليه ماذا؟ أن يستبرئ لدينه وعرضه. والأصل أن الأكل والشرب مفطر، فإذا شك الإنسان في حكم ما رجع إلى الأصل. ما هو الأصل؟ الأصل أن الأكل والشرب ماذا؟ مفطر. رخصة للناس، يبقى الرخصة على ما هي عليه، فلا يزاد عليها إلا بدليل. وهكذا، فالمسألة كما سمعتم: أن الأحوط في حق هذا الشخص أن يصوم يوما مكان ذلك اليوم. وإذا علم هذا، انتقلنا إلى المسألة التي تليها، وهي: ما هي شروط المفطرات؟ ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن شروط المفطرات ثلاثة: العلم، والعمد، والذكر. فأما العلم، فالأدلة في هذا كثيرة، في أنه تترتب الأحكام على حسب العلم. وأن من كان جاهلا بحكم ما، فإنه لا يأخذ عليه. كما جاءت الأدلة في ذلك، ما قال الله عز وجل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. والشاهد من بعد ما تبين له الهدى. والأدلة في هذا كثيرة معلومة. فالعلم شرط، وضده الجهل. وقد ذكر بعض أهل العلم أن الجهل على قسمين: جهل بالحكم، وجهل بالحال. جهل بالحكم أي بحكم ذلك الفعل المعين الذي فعله، هل هو مفطر أو ليس بمفطر؟ قال: ودليله حديث عدي بن حاتم في الصحيحين. حينما نزل قول الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. أخذ عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه عقالين، عقالا أبيض وآخر أسود، فوضعهما تحت وساده. فكان يأكل ويشرب ثم ينظر إلى العقالين، فإذا لم يميز بينهما استمر في أكله حتى طلع الفجر. فلما تميز له الخيط الأبيض من الخيط الأسود بطلوع الفجر، بل قد يكون قد طلعت الشمس، توقف عن الطعام. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وسادك لعريض»، وإنما المراد بياض وسواد الفجر. فالشاهد من هذا: أن عدي بن حاتم رضي الله عنه وأرضاه جهل هذا الحكم المعين. هو يعلم أن الصائم يبتدئ صيامه من تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقال اجتهادا منه: أنه المراد بالخيط الأبيض حقيقة الخيط، لا أن المراد بالخيط هو خيط الفجر، أي ظهور البياض، بياض الفجر، وزوال سواد الليل. فالحاصل: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن علمه وبين له الصواب في المسألة، لم يقل له: عليك أن تأتي بيوم مكان اليوم الذي أفطرت فيه. فهذا جهل بالحكم. فهذا كما سمعتم دليل خاص بالمسألة. وقسم الثاني: جهل بالحال، هو يعلم أن الإفطار لا يجوز، ولكنه جهل حالا معينة، أفطر فيها اجتهادا. بعض أهل العلم استدل لهذه الحالة الثانية أو القسم الثاني بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، قالت: «أفطرنا في يوم غيم، ثم طلعت الشمس بعد ذلك». فأمسكنا أو كما قالت رضي الله عنها وأرضاها. وأيضا: وجههم استدلوا من الحديث أنهم لم يؤمروا بإفطار ذلك اليوم. هم يعلمون أن الحكم لا يجوز أن يفطر الصائم إلا بعد غروب الشمس، وهم أفطروا في هذه الحالة قبل غروب الشمس، ولكن جهلا بالحال، أي جهلا بحال غروب الشمس، لا أنهم علموا عدم غروبها وصاموا. فلهذا المعنى لم يؤمروا بالقضاء. هذا من حيث الدليل الخاص. وأما الدليل العام، فقول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. طيب، هذا كما سمعتم هو أول شرط في المفطرات. فمن أفطر جاهلا بالحكم، كما جاء في حديث عدي بن حاتم، بحكم من الأحكام، مثل رجل حديث عهد بإسلام، أو كان في مكان لا يعلم الأحكام، فيظن أن الصيام هو ترك الأكل والشرب فقط، دون الجماع مثلا. فما حكم صيامه؟ هيا يا جماعة، أنتم معي. ولا قد تعبتم. مسألة: من كان يظن أن الصيام هو ترك الأكل والشرب فقط دون الجماع، فكان يترك الصوم أو يترك الأكل والشرب، وأما اجتيان أهله فيأتيهم في نهار رمضان، ظنا منه أنه يجوز له ذلك. فما حكم هذا الرجل؟ ها يا جماعة، عند من؟ ها صومه صحيح. صومه صحيح، أي قال له: أتم صومك، وما فاتك، فأنت معذور فيه. إن كان كما سمعتم لم يفرط في العلم. يعني أخوان، هذه الصورة ممكنة أو غير ممكنة؟ ممكنة أو غير ممكنة؟ يعني أن يكون رجل يظن أن الصيام ترك الطعام والشراب لا ترك الجماع. ممكن أو غير ممكن؟ ها وهل واقع أو ليس بواقع؟ فرق بالإمكان وبالوقوع هكذا أو لا؟ هل هو واقع أم لا؟ الجواب: أنه واقع. أنا قبل أكثر من خمس سنين كنت في صنعاء، فتعرضنا لمثل هذه المسائل. مسألة أن المجامع في نهار رمضان عليه الكفارة وما شابه ذلك. فإذا بي بعد الدرس يأتيني رجل يقول: يا أخي، أنا جامعت أهلي في نهار رمضان، ولا أعلم أنه حرام وأنه مفطر إلا الآن. فهذه يا أخوان ممكنة أو غير ممكنة؟ هذه واقعة. فما حكم هذا الرجل؟ اشتغلنا له. فالحاصل: قلنا له: يا أخي، ما تعلم من قريب ولا بعيد؟ قال: أبدا، ما سمعت فيه. فسألته: ولا خطر على بالك؟ قال: أبدا، ما أظن الصيام إلا ترك الأكل والشرب. فقلنا له: يا أخي، استغفر الله عز وجل مما مضى، وأتم صومك باقي أيامك. فالحاصل: أن هذه المسألة مبنية على هذه الصورة. واضح الأمر أم لا؟ رجل قد يكون في مدينة عامرة، ولكنه لأنه عنده أمور مستقرة، لا يحتاج كأنه يقول إلى بحث ونظر. عنده الآن مثلا عندنا نحن الآن، على سبيل المثال، هذا عند جميع المسلمين طبعا، ترك المفطرات ما هي؟ الآكل والشرب والجماع. المفطرات ما هي؟ الآكل والشرب والجماع. كما قال الله عز وجل في هذا مجموع في قول الله عز وجل: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فقال ربنا عز وجل: ﴿فَالْآنَ﴾ أي بعد دخول الليل، فدل على أنه قبل دخول الليل أنه لا يجوز الجماع ولا الأكل ولا الشرب. وكذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الصائم يترك طعامه وشرابه وشهوته لأجل الله عز وجل». وهذه الأمور مجمع عليها. لكن كما سمعتم، ربما وقع الخفاء على بعض الناس، فيكون الحكم كهذا فيكون الحكم في هذه المسألة كهذه الصورة. طيب يا أخوان، أعظم من هذا: أناس هل تتوقعون أن ناس من المسلمين لا يعلمون الصيام، لا يعلمون أن هناك شهر يقال له شهر رمضان، واجب على من دخل عليه شهر رمضان وهو مسلم عاقل قادر بالغ مقيم أن يصوم. هل تتوقعون هذا؟ قد يقول قائل: نعم، في أطراف إفريقيا، وفي بعض الأماكن الذين هم حديثو عهد بإسلام، بهذا يحصل هذا. قد يجهلون بعض الأشياء التي هي معلومة في الدين بالضرورة. هكذا يا جماعة، لا، هذه الأشياء كذا. وقد حصلت في بعض المناطق وبعض البوادي في اليمن، قد علمنا عن بعض القبائل أنها لم تكن تصوم إلا لما سأل الله عز وجل عليها بعض طلبة الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله تعالى، فعلموا أن عليهم الصوم، فصاموا من تلك السنة. فالحاصل: أن هذه الأمور، مسألة الجاهل، هذه أمور معلومة، ممكنة بل وواقعة. فهذا الحكم كما سمعتم: من أكل أو شرب ناسيا، فحكمه ما سمعتم. من أكل أو شرب ناسيا أو مخطئا، فحكمه ما سمعتم. طيب، أيضا الشرط الثاني كما سمعتم: أن يكون عامدا. عامدا أي أن يتعمد الإفطار. من تعمد الإفطار يكون مفطرا. وضد العمد: من ليس بمتعمد. وله صورتان: منها الصورة الأولى أن يفطر بغير عمد، مثلا رجل يتمضمض فدخل الماء إلى حلقه، أو استنشق فدخل الماء إلى أنفه. أو مثلا دخل في البحر، فجاءت موجة، فابتلع الماء. أو مثلا فتح فاه دون أن يغطيه، فدخلت الحشرة إلى فيه. فهذا ما حكمه؟ هذا حكمه أنه ليس بمفطر. لماذا؟ لأنه افتقد شرطا من شروط الإفطار، هو العمد. فليس بمفطر. صورة ثانية من صور غير العمد: الإكراه. من أكره على الإفطار، وهذا يحصل في بعض البلاد التي يكون فيها بعض الطواغيت، لا سيما في المعسكرات وما شابه ذلك. ما كان عندنا قبل سنين، بعضهم يكرههم المسؤول أو القائد على الإفطار، إلا أن يحصل لهم ما يحصل من النكال والتعذيب. فمن أفطر مكرها، فما حكمه؟ هيا يا جماعة، على هذه القاعدة: ليس عليه شيء. واضح، يتم صومه بعد ذلك. ولكن ينبغي أن يكون يدافع بما استطاع. لكن إذا وصل إلى حد الإكراه الذي به يكون العذر، فلهم أن يفطروا. فإذا أفطروا، فالإكراه يكون بقدر أو بقدر الحاجة، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى: الضرورة تقدر بقدرها. فهذا من هذا الباب. فإذا أفطر، عليه أن يمسك بعد ذلك، أن يتم صومه، وليس عليه شيء. لهذا المعنى، ولقول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. والإكراه من هذا الباب. وأيضا ما جاء في السنن عن جماعة من الصحابة، والحديث مجموع طرقه يرتقي إلى الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهذا حديث فيه النص على المسائل الثلاث المذكورة. فمن أكل مكرها، فحكمه ما سمعتم. كذلك، وسأتي معنا إن شاء الله، لعل في مسائل في الحديث الذي يليه. رجل مثلا أكره زوجته على الجماع. رجل أكره زوجته على الجماع، ما حكم هذه الزوجة؟ ما حكم صيام هذه الزوجة؟ المرأة صائمة، فجاء زوجها، هجم عليها، وأرادها عن نفسها، دافعت ما استطاعت. فماذا يقال للرجل؟ وماذا يقال للمرأة؟ الرجل كما تعلمون يكون ماذا؟ هو عالم عامد، وكذلك ذاكر. فما حكم هذا الفعل منه؟ يكون مفطرا من المفطرات. وسيأتي الكلام على المجامع في الحديث القادم إن شاء الله. وبقي زوجته الذي أتاها إكراها، هل يفسد صومها بهذا إكراه أم لا؟ على هذه المسألة، هل يفسد صومها أم لا؟ عند من؟ الجواب: عندك. خلاص، لا يفسد صومها، لأنها مكرهة. لأنها مكرهة، فتدخل في عموم الآية: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾. ورفع عن أمتي الخطأ. أو تجاوز. «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». نكتفي بهذه المسألة في هذا اليوم. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على