الدرس في كتاب الصيام 8، ألقاها
يتناول المقطع الأول مسائل خلافية في المفطرات مثل الحجامة والتبرع بالدم والقيء، مع توضيح آراء أهل العلم والترجيح بينها. يبرز أهمية فهم المفطرات لصحة الصيام.
يشرح المقطع حديث أبي هريرة حول رجل جامع زوجته في رمضان، ويوضح كفارة ذلك كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم. يتطرق أيضًا إلى بعض المفاهيم المتعلقة بالمفطرات.
يتناول المقطع شرح حديث أبي هريرة في كفارة الظهار، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل بإطعام ستين مسكينًا. يُستدل به على مسائل فقهية متعلقة بالكفارات.
يختتم الشيخ الدرس ويعد بمتابعة الموضوع في اليوم التالي، ويختم بالدعاء والاستغفار، مما يعكس أهمية الاستمرارية في التعلم والتعبد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، مضى معنا في الدرس السابق الكلام على بعض المفطرات، وتتمة لما تقدم، ثم ندخل في الحديث التالي، نذكر بعضًا أيضًا من المفطرات أو بعض المسائل التي وقع فيها خلاف: هل هي مفطرة أم لا؟ من هذه المسائل المذكورة الحجامة، هل الحجامة مفطرة أم لا؟ لأهل العلم في هذه المسألة قولان. منهم من ذهب إلى أنها تفطر، واستدل على ذلك بما جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». أفطر الحاجم والمحجوم، فاستدل بهذا الحديث على أن الحجامة مفطرة من المفطرات، فمن احتجم في رمضان يكون بهذا الفعل مفطرًا. وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه لا يكون مفطرًا إذا احتجم في رمضان، وهذا هو الصحيح، وهذا القول هو الصحيح في المسألة. واستدل بعضهم بأدلة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في رمضان، وردوا على حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» بأنه ضعيف، بأنه حديث ضعيف، قالوا: على فرض صحته، وعلى فرض صحته يكون منسوخًا؛ لأنه متقدم، والحجامة التي احتجم النبي صلى الله عليه وسلم هي صائم، كان متأخرًا. وأيضًا على ضعف حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» وهو كذلك، تبقى المسألة على البراءة الأصلية، والبراءة الأصلية ما هي؟ أن الحجامة ليست بمفطرة، أنها ليست بمفطرة. وهذا هو الصواب في المسألة. طيب، مسألة أخرى: من تبرع بدم وهو صائم، من تبرع بدم وهو صائم، فما حكمه؟ هذا السؤال، والأشياء بنظائرها تأخذ حكمها. عند من هذا السؤال؟ أو الجواب على هذا السؤال؟ ونحن أجبنا: لمن تفتي؟ إلى الجواب عند من نعيد؟ من تبرع بدم في رمضان وهو صائم، فما حكم صيامه؟ والمسائل بنظائرها تأخذ حكمها. يا جماعة، ما أحد عنده خبرة في الأشباه والنظائر؟ نعم، يكون صيامه صحيحًا، يكون صيامًا صحيحًا؛ كالحجامة واضح هذا الأمر أم لا؟ وكما يقول بعض أهل العلم: القاعدة في هذا أن الصيام فيما دخل، لا فيما خرج، فيما دخل لا فيما خرج. في مسألة الشرب، أو في مسألة الأكل والشرب، قد جاء هذا المعنى عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أي أن الإفطار مما دخل، لا مما خرج. فإذا خرج، دام، ونحوه، فلا يكون مفطرًا. طيب، مسألة أخرى أيضًا ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي: من تقيأ في شهر رمضان، من تقيأ وهو صائم في رمضان، هل القيء يفطر أو يكون من المفطرات أم لا؟ هل القيء يكون من المفطرات أم لا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مفطر من المفطرات، وذهب آخرون إلى أنه ليس بمفطر، وهو الصواب، وهو الصواب؛ لعدم ثبوت الحديث في ذلك، لعدم ثبوت الحديث في ذلك. «من ذرعه القيء فليفطر»، هذا الحديث لا يثبت، جاء من حديث أبي هريرة، ولا يثبت. مسألة أخرى: من استقى، من استقى. ما الفرق بين القيء، من تقيأ، وبين من استقى؟ من تقيأ: درعه القيء بدون إرادته، إرادته، مثلًا مر بمكان فيه رائحة كريهة، زبالة، زبالة، وما شابه ذلك، فتقيأ، طرش، هذا كما سمعتم، يقال له: تقيأ. آخر استقى: ما معنى استقى؟ أي طلب القيء، مثلًا أدخل أصبعَه في حلقه حتى يتقيأ، هذا يقال له: إنه استقى، أي طلب القيء. هذا ما حكمه؟ أيضًا في المسألة قولان من أهل العلم. ذهب إلى أنه يكون من المفطرات، واستدل أيضًا بالحديث: «من قاء أو استقى، فليفطر»، أو بهذا المعنى. وذهب آخرون إلى أنه ليس بمفطر، إلى أنه ليس بمفطر، وقالوا: إن هذا الحديث لا يصح، وقالوا: إن هذا الحديث لا يصح، بل هو معل، بل هو معل، قد أعلَه الأئمة الحفاظ، كالإمام البخاري، والإمام أحمد، والإمام أبي داود، وغيرهم، رحمهم الله تعالى. فقالوا: هذا الحديث لا يصح، وإذا لم يصح الحديث في الباب، بقي الأمر على ما ذُكر: البراءة الأصلية، بقي الأمر على البراءة الأصلية، وهو أنه ليس بمفطر، ليس بمفطر. والعبرة كما سمعتم بما دخل، لا بما خرج. فمن استقى أو تقيأ، فبقي شيء من القيء فيه، فرده إلى جوفه، فأدخله إلى جوفه، ما حكم صيام هذا الشخص؟ هيا يا جماعة، العبرة بما دخل، لا بما خرج. فما حكم صيام هذا الشخص؟ نحن أعطيناكم قواعد عامة في هذا الباب. تفضل، لا يكون أيضًا مفطرًا؛ لأن العبرة بماذا يكون مفطرًا؟ نعم، يكون مفطرًا؛ لأن العبرة بما دخل، لا بما خرج. فلما خرج منه القيء، لم يكن مفطرًا، لكن لما بقي شيء من القيء في فيه، فابتلعه، صار ماذا؟ صار أنه أدخل شيئًا إلى معدته، إلى معدته، فيكون حكمه كحكم الطعام والشراب. لأن القيء مستخبث، أي إرجاع القيء أمر مستخبث، لذا كما تعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس لنا مثل السوء في الكلب». قال: «كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ثم يعود في قيئه»، فهذا مثل سوء من استقى ثم رد وابتلع قيئه. هذا شيء، أو إلى جانب أنه قذر ومستخبث، كذلك هو ماذا؟ مفطر، هو كذلك مفطر. وكما يقال: الشيء بالشيء يذكر، فما حكم من ابتلع لعابه؟ ما حكم من ابتلع لعابه؟ هل من ابتلع لعابه يكون مفطرًا أم لا؟ ونحن في بلدة حارة. هيا يا جماعة، اللعاب، من ابتلع لعابه، هل يكون مفطرًا بابتلاع ذلك اللعاب أم لا؟ ابتلاع اللعاب ليس بمفطر، ابتلاع اللعاب، أي الذي يكون في الفم، ليس بمفطر، ولا يُعلم في هذا خلاف، ولا يُعلم في هذا خلاف. لكن ذكر بعض أهل العلم صورًا وقع فيها الخلاف، وهي: ما إذا جمع اللعاب فيه، فيه، جمع اللعاب فيه، فيه، ثم ابتلعه، فما حكم صيامه؟ واضح المسألة الأولى، قلنا: ما حكمه؟ اللعاب أو الريق الموجود في الفم، هذا كما سمعتم ليس بمفطر، بل هذا من المشقة بمكان، لو قيل إنه مفطر، فهذا كما سمعتم لا يُعلم فيه خلاف. لكن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في صورة أخرى، وهي: ما إذا جمع لعابه، جمع اللعاب فيه، فيه، ثم ابتلعه، جمع اللعاب فيه، فيه، ثم ابتلع ذلك اللعاب، هل يكون مفطرًا أو لا يكون مفطرًا؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه مفطر، وذهب الآخرون إلى أنه ليس بمفطر، قالوا: لأن أصله ليس بمفطر، فكذلك لو اجتمع، لا يكون كذلك مفطرًا، لا يكون كذلك مفطرًا. وهذا هو الصواب، ولأنه ناتج من جوف إلى الجوف، فرجوعه إلى الجوف لا يضر، لا يضر. وهذا هو الصواب في المسألة، والأولى الابتعاد، والأولى الابتعاد والاحتياط، من هذا، بمعنى: لا يفعل هذا الإنسان خشية أن يفسد صومه على القول الآخر. وخروجًا من الخلاف، خروجًا من الخلاف، أن يبتعد من هذا الفعل، أن لا يجمع ريقه ثم يبتلعه ابتلاعًا واحدًا. طيب، ذكروا أيضًا من المسائل: الحكم في النخامة، النخامة، كذلك، ما حكم ابتلاعها؟ هل يكون كذلك ابتلاعها من المفطرات أم لا؟ كذلك في المسألة قولان من أهل العلم. ذهب إلى أنها مفطرة، وآخرون ذهبوا إلى أنها ليست مفطرة، فيكون حكمها كحكم اللعاب، وهذا هو الأقرب، والأحوط الابتعاد، والأحوط الابتعاد. وأيضًا: النخامة فيها نوع من القذر، فيها نوع من القذر، فالأولى إخراجها، فالأولى إخراجها وعدم ابتلاعها. فلو أن حصل من إنسان أنه ابتلع نخامة، فما حكم صيامه؟ كما سمعتم: الصحيح من أقوال أهل العلم أنه ليس بمفطر، بل حكمه كحكم الخارج، أو حكمه كحكم اللعاب، هذا والله أعلم. طيب، هذه بعض المسائل، كتتمة لما تقدم من المفطرات، إلا أن المقصود في درس هذا اليوم هو الحديث التالي. طيب، ندخل في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، هلكتُ. فقال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم». وفي رواية: «أصبتُ أهلي في رمضان». «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا. قال: فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما نحن على ذلك، إذ أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر، والعرق: المكتل. قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذه فتصدق به». قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعم أهلك». ثم قال: «أطعم أهلك». هذا الحديث في باب الصيام، هو من أشهر أحاديث الصيام في مسألة المجامع في رمضان، لذا يسميه العلماء رحمهم الله تعالى بحديث المجامع في رمضان. هذا الحديث كما ترون، نتكلم أولًا على معنى الحديث إجمالًا، وعلى فوائده أيضًا الإجمالية، ثم نتكلم على مسائله بإذن الله عز وجل. قوله: «بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم»، قوله: «بينما نحن جلوس»، هذا كذلك فيه من الأدب، فيه أدب الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، إذ ينسبون المجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كذلك، ولا ينسبونه إلى أنفسهم، لا يقولون: كنا جلوسًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم معنا، ولكن يقولون: كنا جلوسًا مع رسول الله، أو عند رسول الله، أو ما شابه ذلك من العبارات المشعرة بأدبهم في هذا المقام مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولهذا نوادر، ولهذا نوادر كثيرة. وهذا كذلك يدلنا على أن إنسانًا إذا كان في مجلس مع بعض المشايخ وبعض العلماء، لا يقول: جلست ومعي الشيخ الفلاني، من الأدب أن يقول ماذا؟ جلسنا عند الشيخ الفلاني، أو مع الشيخ الفلاني، أو ما شابه ذلك، فيكون هذا من باب الآداب. قال: «إذ جاءه رجل»، «وإذ» هناك ما يقول النحويون: «إذ» الفجائية، أي يدل على أن الرجل جاءهم فجأة، على أن الرجل جاءهم فجأة. «فقال: يا رسول الله، هلكتُ». وجاء في بعض الألفاظ أنه جاء يضرب رأسه، وهكذا، على هيئة ويصيح. «فقال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم». وفي رواية: «أصبتُ أهلي في رمضان». «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟». قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا الحديث فيه كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم والأناة والشفقة والرحمة بمن معه. فإن الرجل جاء على هذه الهيئة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم فعل محرم من المحرمات، وكبيرة من الكبائر، ومع هذا لم يُعنِّفه النبي، ولم يُعنِّفه النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كما سمعتم يدل على خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى حلمه صلى الله عليه وسلم. وأيضًا استدل به أهل العلم على أن من جاء مستفتيًا في مسألة ما، فينبغي للمفتي ألا يُعنِّف، ينبغي للمفتي ألا يُعنِّفهم، بل عليه أن ينصح وأن يُرشد، عليه أن ينصح وأن يُرشد. قالوا: لأن المفتي إذا عنف، ربما كان سببًا لنفور المستفتي، والانفور المستفتين، إذا وقعوا في المعاصي، خلال ما إذا أرشد وبيَّن ووضح ووعظ، كان هذا أدعى للقبول، وأدعى للرجوع إلى أهل العلم، وأدعى إلى الرجوع لأهل العلم. وهذا الحال كان من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأيضًا استدل به أيضًا أهل العلم رضي الله عنهم ورحِمهم الله على أن من جاء تائبًا، فلا يُعنَّف بمعصيته، من جاء تائبًا فلا يُعنَّف بمعصيته. واستدل على أن الرجل جاء تائبًا في حاله، إذ أنه كان يضرب عارضيه ويصيح، وحالته كانت رثة، وكان يقول: هلكتُ. فهذه الحالة من هذا الرجل تدل على أن الرجل كان ماذا؟ نادمًا على ما حصل منه، نادمًا على ما حصل منه، وأنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائبًا. فلما كان هذا حاله، لم يُعنِّفه النبي صلى الله عليه وسلم، بل أرشده إلى كفارة ذلك، أرشده إلى كفارة ذلك. فقال له صلى الله عليه وسلم، وهو معلم الخير لهذه الأمة: «هل تجد رقبة تعتقها؟» أي: كفارة عن يومك هذا الذي أفطرت فيه وجامعت فيه أهلك، وهو لا يقدر. «قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا». وفي رواية: «وهل أوقعني في هذا إلا صيامي؟» أي: أنا رجل عندي ماذا؟ عندي حاجة للنساء، عندي حاجة للنساء، فالصيام كان مانعًا لي من هذه الحاجة، حتى وقعت فيما وقعت فيه، حتى وقعت فيما وقعت فيه. لذا حينما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» جاء في بعض الروايات: «قال: وهل أوقعني في هذا إلا هذا؟» أي: إلا الصوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» فسكت النبي صلى الله عليه وسلم؛ علم أن الرجل عاجز، عاجز عن الاعتاق، وعن الصيام، وعن كذلك إطعام المساكين، علم أنه عاجز. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. «فبينما نحن على ذلك، إذ أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر»، والعرق: المكتل، بكسر الميم، الذي هو الزنبيل، الزنبيل هو يعمل من الخوص، فيه التمر وغيره، وهو معلوم، يعني إلى حد الآن في أيامنا هذه، يعمل زنبيل يضع فيه ماذا؟ فيه التمر، زنبيل من ماذا؟ من الخوص، الذي هو أشبه ما يكون بسعف، أو هو سعف النخل، معلوم يا جماعة، هكذا، ولا سيما صحب حضرنا، معلوم، يعني يعمل من سعف النخل زنبيل، فيوضع فيه ماذا؟ التمر ونحوه، فيوضع فيه التمر ونحوه. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن المكتل يسع خمسة عشر صاعًا، أن المكتل يسع خمسة عشر صاعًا. والصاع كم أمداد يا جماعة؟ الصاع كم أمداد؟ آمن، فقيه، كم؟ أربعة أمداد، أربعة أمداد، من مد الرجل المتوسط، أربعة أمداد من مد الرجل المتوسط. والمد هو: ملء الكفين المعتدلتين. وسيأتي الكلام على مسائل هذا، على مسائل الكفارة ونحوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم -قبل هذا قول أبي هريرة-: «فبينما نحن على ذلك، إذ أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق»، يحتمل أن يكون الرجل المتصدق بهذه الصدقة، يحتمل أن يكون حاضِرًا وسمع الحوار من النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق فأتى بهذه الكفارة. وهذا يدلنا على مسارعة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم من الخيرات، وإلى البذل، وإلى الطاعات، رضي الله عنهم. ويحتمل أن يكون الرجل غير موجود، فناسب أو جاء في الوقت، وهذا من كما يقال: من المفرجات الذي يجعلها الله عز وجل لمن شاء، متى شاء، كيف شاء، سبحانه وتعالى. وهذا أيضًا يدلنا على ما كان عليه الصحابة من البذل والصدقة والعطاء، رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: «أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذه فتصدق به». النبي صلى الله عليه وسلم جاءه هذا المال، أو هذا التمر، من ذاك الرجل، لأجل أن يتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم لمن شاء، فناسب أن يعطى لذلك الرجل العاجز الفقير، الذي لا يستطيع أن يعتق، ولا أن يصوم، ولا أن يكفر. «فقال: أين السائل؟ فقال: أنا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذ هذا فتصدق به، تصدق به على كم؟» يا جماعة، على ستين مسكينًا، على ما مر معنا، النبي صلى الله عليه وسلم قال له ماذا؟ «فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟» فالآن لما قالوا: «خذ هذا فتصدق به»، أي على كم؟ هيا يا جماعة، على كم؟ على ستين مسكينًا. طيب، استدل به أهل العلم بهذا الحديث، استدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الكفارة تكون بمقدار مد، بمقدار مد من تمر، أو طعام، أو ما شابه ذلك. قالوا: إن المكتل قدره كم؟ خمسة عشر صاعًا، واضح أم لا؟ ولا الصاع أربعة أمداد، أضربه خمسة عشر في أربعة، كم يكون ناتجه؟ هيا يا جماعة، من فسرح صاحب حساب، أربعة في خمسة عشر كم يساوي؟ ستين. طيب، ستين مدًا، والمساكين ستين، سيكون لكل مسكين كم مد؟ مد واحد، واضح أم لا؟ لكل مسكين مد واحد. سيأتي الكلام على هذه المسألة بإذن الله عز وجل، أيضًا في درس لاحق؛ لأن الوقت كأنه قد مضى. طيب، قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال: «على أفقر مني يا رسول الله؟» يعني: يقول له: أتصدق به على ناس فقراء، وما أعلمنا إنسانًا أفقر مني، كيف أنا فقير وأتصدق به على من هو أفقر مني؟ لذا قال: «على أفقر، على أفقر مني يا رسول الله؟» أي: سؤال متعجب، أنا فقير ومحتاج، أتصدق على أفقر مني؟ ثم قال: «فوالله ما بين لابتيها» -يريد الحرتين- «أهل بيت أفقر من أهل بيتي». كأنه يقول ماذا؟ أنا أفقر أهل المدينة، أنا أفقر أهل المدينة. وهذا أيضًا الحديث استدل به بعض أهل العلم على جواز أن يحلف الإنسان بالله عز وجل على ما يعتقده، أو يغلب على ظنه، أو يغلب على ظنه. فهو يقول: «أنا أفقر الناس»، هل يحتمل أن يكون في المدينة من هو أفقر منه؟ هيا يا جماعة، الجواب: نعم، لكن حلف بحسب ماذا؟ بحسب علمه واعتقاده، أقره النبي صلى الله عليه وسلم. فاستدل به بعض أهل علم على أن للإنسان أن يحلف على شيء يعتقده، أو يغلب على ظنه أنه كذلك، أنه كذلك، ولو لم يكن كذلك في حقيقة الأمر، ولا يكون في ذلك كاذبًا. قال: «فوالله ما بين لابتيها» -يريد الحرتين- «أهل بيت أفقر من أهل بيتي». فحينها قال: «فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه». يعني كما قال علماء رحمهم الله تعالى: ضحك النبي صلى الله عليه وسلم من حال هذا الرجل، جاء فزعًا خائفًا يتولول، جاء في بعض الروايات: أي يدعو على نفسه بالويل، وفي بعض الروايات: يضرب رأسه، ويقول: هلكتُ، وما شابه ذلك. وما قام من مجلسه إلا وهو ماذا؟ وهو يطمع بأن يكون التمر له دون غيره من الفقراء، يكون التمر له دون غيره من الفقراء. «فحينها ضحك النبي صلى الله عليه وسلم من حال هذا الرجل، جاء فقيرًا محتاجًا، ويعني منكسرًا، ورجع وهو ماذا؟ عنده ما يكفيه، أهله، الله علم للمدة كم؟» فالحاصل: «قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه». أي: من حال هذا الرجل، كيف تغير حاله من حال إلى حال. وهذا كما سمعتم، لعله يكون من الفرج بعد الشدة، من الفرج، أي من فرج الله عز وجل لهذا الرجل بعد الشدة. الرجل وقع في معصية، سارع إلى التوبة، وإلى الرجوع إلى الله عز وجل، وإلى معرفة الحكم. وكما تقدم معنا: لو حضر بعضكم في درس الفوائد للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، أن المعاصي تكون سببًا لماذا؟ للرجوع إلى الله عز وجل، فتكون سببًا للتقرب إلى الله عز وجل، وعبادته جليله لله عز وجل. وهذا من هذا الباب، الرجل بدأ أمره وهو ماذا؟ مذنب، صاحب معصية، بل صاحب كبيرة من الكبائر، ولكنه بادر إلى التوبة، وإلى الرجوع إلى الله عز وجل، وإلى طلب الحكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يفعل، وحتى يمتثل. فأبدله الله عز وجل بخوفه أمنًا، وأبدله الله عز وجل بجوعه غنى، وفقره غنى. وهذا كما سمعتم من ثمرات التوبة، ومن ثمرات الرجوع إلى الله عز وجل. وهذا كما يقال: من عاجل الأمر، فكيف بالآخر؟ فكيف بالآخر؟ فهذه بعض المسائل المتعلقة بهذا الباب. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ثم قال: أطعم أهلك». قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أطعم أهلك». نكتفي بهذا في هذا اليوم، وغدًا إن شاء الله تعالى نتكلم عن المسائل المتعلقة بهذا الحديث، وهي كثيرة، فنتكلم على ما تيسر منها. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. شكرًا. شكرًا. سبحانك اللهم وبحمدك.