الدرس في كتاب الصيام 16، ألقاها
تناول المقطع حكم الوصال في الصيام واختلاف العلماء في حكمه، وتفسير قول النبي "إني أطعم وأسقى" بمعنى الغذاء الروحاني. الوصال هو صيام متتالي بدون إفطار.
المقطع يشرح فضل صيام داود عليه السلام، وهو صيام يوم وإفطار يوم، ويبين أن النبي أوصى به كأفضل صيام، مشيراً إلى أهمية التوسط في العبادة.
المقطع يبين أهمية صيام ثلاثة أيام من كل شهر كما أوصى النبي، ويظهر رفق الإسلام بالإنسان وتسهيله للعبادة، مع تكرار الوصية لزيادة التأكيد على أهميتها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني المغدسي رحمه الله تعالى: قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى. قال: ورواه أبو هريرة وعائشة وأنس رضي الله عنهم، أي: رووا حديث الوصال، رووا أحاديث الوصال. قال: ولمسلم: وصوابه أن في البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أي: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر»، فليواصل إلى السحر. وهذه الأحاديث المروية، وأيضا المشار إليها تتكلم على حكم الوصال للصائم، ومعنى الوصال كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: هو أن يواصل الصائم صيامهم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب. معنى الوصال: أن يواصل الصائم صيامهم يومين أو أكثر بغير أكل ولا شرب، بغير أن يأكل أو أن يشرب، هذا معنى الوصال. وقوله، أي: عبد الله، قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: «ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال»، اختلف أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذا النهي: هل هو للتحريم أم ليس كذلك؟ فذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى أن النهي هاهنا للتحريم، بمعنى أن من واصل في صومه اليوم واليومين من غير أن يأكل أو أن يشرب فإنه يكون آثما، هذا القول الأول في المسألة. قول آخر ذهب إليه بعض السلف: وهو جواز الوصال لمن قدر عليه، جواز الوصال لمن قدر عليه، أي: لمن طاقة، لمن طاقة أن يواصل. وهذا الثبت عن عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما أنه كان يواصل، يواصل حتى قيل: أنه ربما واصل خمسة عشر يوما من غير إفطار، وهذا كما ذكر بعض أهل العلم من هذا الباب، أي: أنهم رأوا أن الوصال إنما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم لمن لم يطقه، أما من كانت عنده قوة وطاقة للوصال رأوا أنه لا بأس له بأن يواصل. وذهب الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه، وكذلك قبلهم عبد الله بن وهب إلى أن الوصال جائز إلى السحر، أي: يجوز للإنسان أن يواصل في صومه بغير إفطار إلى وقت السحر، فإذا دخل وقت السحر قالوا: ينبغي له أن يفطر، هذا قول هؤلاء الأئمة. فمن لم يفطر في السحر وواصل إلى اليوم الثاني، سياما، اتفق هؤلاء مع الجمهور إلى أو على أن هذا الفعل مكروه، يكون مكروها كراهة تنزيه. فجمهور أهل العلم يرون أن الوصال إلى ما بعد المغرب وإلى اليوم واليومين أنه من المكروه. وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومن ذهب إلى قوله من جوازه إلى السحر، استدلوا بما جاء عندنا ها هنا في رواية أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر»، فهذا إذن من النبي صلى الله عليه وسلم بجواز الوصال إلى السحر، وهذا الأمر فيه واضح. بقي من واصل أكثر من ذلك، أي: واصل اليوم أو واصل اليومين والثلاثة من غير إفطار، فما حكمه؟ لا سيما ممن كان يطيق ذلك؟ أما من كان يشق عليه أو يسبب له ضررا في دينه أو دنياه، فهذا واجب عليه الإفطار، واجب عليه الإفطار وعدم الوصال. لكن الكلام فيه من كان عنده قوة وطاقة على الوصال، فهل يكون النهي في حقه للتحريم كما قال الإمام الشافعي؟ أم يكون للتنزيه، كراهة التنزيه كما قال الجمهور؟ الأقرب والله أعلم ما ذهب إليه الجمهور، يدل على هذا أمور. الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهاهم عن الوصال شفقة عليهم أو بهم، وشفق ورحمة لهم، كما جاءت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضة أنها قالت: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم. فاستدل الجمهور بهذه الرواية عن عائشة رضي الله عنها: أن النهي إنما كان شفقة عليهم ورحمة بهم، لا أنه للتحريم، ولكن خشية أن يفرض عليهم، وأن يشق عليهم، وأن يملوا، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المواصلة. مع أنه هو نفسه صلى الله عليه وسلم كان يواصل. وأيضا استدل الجمهور على أن الأمر أو النهي للكراهة، بما جاء أيضا في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل في آخر الأيام من الشهر، أي: من شهر رمضان، فواصل أناس معه، قال: فبلغه أن أناسا صاموا أو واصلوا بوصاله، فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اليوم واليومين حتى رأوا الهلال، فلما رأوا الهلال قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أني رأيت الهلال لواصلت بكم»، قال الراوي: كالمنكل بهم، كالمنكل بهم. وجاء في بعض الألفاظ: أنه قال: «قال هذا للمتعمقين لينتهي المتعمقون عن تعمقهم»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالشاهد: أن هذه الروايات استدل بها الجمهور على صرف النهي من التحريم إلى الكراهة، وهذا هو الأقرب في هذه المسألة والله أعلم. فالحاصل في هذه المسألة: أن الوصال، ومعنى الوصال كما سمعتم: أن يواصل الإنسان في صومه من غير أن يفطر، له أن يواصل من غير أن يفطر إلى السحر، إن قوي على ذلك، وهذا خلاف الأفضل، لأن الأفضل أن يعجل بالفطر. ولكن من أحب الوصال له أن يواصل من باب الجواز لا من باب الاستحباب إلى السحر، وما بعد السحر فعلى قول الجمهور: أنه يكره، وعلى قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنه يحرم عليه الوصال. وأن هذه خصيصة من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم: أنه كان يواصل اليوم واليومين والثلاثة والأربع إلى ما شاء الله. وقد علل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قال: «إني لست كهيئتكم»، كما في هذا الحديث: «إني أطعم وأسقى». وجاء في بعض الروايات: أنه قال: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقين»، وجاء في بعض الروايات: أنه قال: «فإني أظل يطعمني ربي ويسقين». وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى بهذا المعنى: ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إني أطعم وأسقى»؟ هل معناه أن الله عز وجل يطعمهم ويسقيه إطعاما حقيقيا حسيا، ويسقيه سقيا كذلك حسيا على ظاهر الحديث؟ أم أن المراد أمرا آخر؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد ظاهر الحديث: من أن النبي صلى الله عليه وسلم يطعم ويسقى حقيقة على ظاهر الحديث، وهذا القول مردود، لأنه يلزم من ذلك أن لا يكون صائما، والنبي صلى الله عليه وسلم قد أقرهم على أنه صائم، وأنه مواصل حينما قالوا له: «فإنك تواصل»، إن كان مفطرا لقال لهم: لا، أنا قد أكلت وشربت ولست بصائم ولا بمواصل، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأمر آخر، أو على أمر آخر، فقال لهم: «إني أطعم وأسقى»، وإن كنت صائما وإن كنت مواصلا، فدل على أن قولهم: «أطعم وأسقى» أمرا آخر. ما هو هذا الأمر الآخر؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يطعم ويسقى من طعام الجنة ومن شراب الجنة، أي: من طعام الجنة وهذا أيضا قول بعيد، والجواب عنه هو الجواب عن الأول، إذ لو كان صائما فأكل أو شرب لأفطر ولما قيل فيه: أنه صائم، فضلا عن أن يقال: إنه مواصل. فإذن ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإني أبيت»، وفي بعض الروايات: «أظل يطعمني ربي ويسقيني»؟ قال جماعة من أهل العلم: معناه أن الله عز وجل يغذيه غذاء روحانيا، لأنه منشغل بالله عز وجل بذكر الله عز وجل وبعبادة الله عز وجل وبطاعة الله عز وجل وبمراقبة الله عز وجل، فقلبه معلق بالله عز وجل، هذا التعلق الذي تعلق قلبه صلى الله عليه وسلم بربه عز وجل أغناه عن الطعام والشراب، فكأنه صار يطعم ويشرب حقيقة، وهذا كما قيل: أن الإنسان إذا كان أو أحب أن يواصل أو تواصل مع من يحب نسي طعامه وشرابه، وهذا اختاره جماعة من المحققين وهو الصواب في هذا والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: باب أفضل الصيام وغيره، أي: مدخل إلى الكلام على أفضل الصيام، ما هو؟ والمراد بأفضل الصيام: عداء الفرض، عداء الفريضة. قوله: «وغيره»، باب أفضل الصيام وغيره، أو «وغيره» معنى: وغيره من الأحكام المتعلقة بكتاب الصيام. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت الذي قلت ذلك؟» فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: «فإنك لا تستطيع ذلك»، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر. قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، قال: «فصم يوما وأفطر يومين»، قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، قال: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام»، قال: إني لأطيق أفضل من ذلك، فقال: «لا أفضل من ذلك». وفي رواية قال: «صوم فوق صوم أخي داود عليه السلام شطر الدهر، صم يوما وأفطر يوما». وفي الحديث الذي يليه أيضا قال: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود عليه السلام، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما». في هذا الحديث الذي هو من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص من أفاضل الصحابة ومن علمائهم، وهو أيضا من كبار حفاظهم، بل سئل أبو هريرة: من أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم منك؟ فقال: لا أحد، إلا أن يكون عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب. هذا الحديث فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه أن عبد الله بن عمرو قال: والله، وهذا فيه اليمين والجزم على فعل عبادة، لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، وهذا فيه كما ترون: تكليف على نفسه وإيجاب على نفسه بما لم يجبه عليه ربنا عز وجل. فلذا لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر، قال له: «أنت الذي قلت ذلك؟» وهذا من التثبت في السؤال، ولتأخذ كما يقال الحجة ما أخذها، قال عبد الله بن عمرو: فقلت: قد فعلت، قد قلته، بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ومعنى قوله: قوله بأبي أنت، أي: أفديك بأبي وأمي، وهذا سائغ في حق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن يفدى بكل ثمين، صلوات الله وسلامه عليه. قال: «فإنك لا تستطيع ذلك»، وهذا إخبار من نبي صلى الله عليه وسلم: أن ما أقسمت عليه شاق وأنك لا تستطيعه، لذا دله النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو أولى وأرفق وأشفق، فقال له: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر»، فصم وأفطر، وهذا جواب عام، أي: صم ما تيسر لك وأفطر كذلك ما تيسر لك. وكذلك من الليل قم ما قويت، وإذا لم تقو فتيسر أو يسر على نفسك، لأن هذا من الدين، وهذا ما كان عليه هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يصوم ويفطر، وكان يقوم وينام صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال له: «وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام»، وقوله: «صم من الشهر ثلاثة أيام»، فيه دلالة إلى ما ذهب إليه بعضهم من أفضلية صيام ثلاثة أيام على غيرها من الصيام، وإن كانت قليلة، ولكن لأنها أولا كما جاء في الحديث: «فإن الحسنة بعشر أمثالها»، من صام ثلاثة أيام من كل شهر، الحسنة بعشر أمثالها، سيكون كمن صام شهرا كله. لذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن الحسنة بعشر أمثالها»، قال: «وذلك مثل صيام الدهر»، وذلك مثل صيام الدهر الذي ماذا؟ الذي أقسمت عليه. وكما سمعتم في هذا الصيام: رفق بالصائم، وسبب لمواصلته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه العبد وإن قل»، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في المقابل: «إن الله لا يمل حتى تمل»، بمعنى: من شق على نفسه بالأعمال والعبادات الشاقة الكبيرة، يصوم الليل أبدا، ويصوم النهار أبدا، ويقوم الليل أبدا، سيأتي عليه زمن يمل ويتعب ويشق عليه، فيكون بين أمرين: بين أن يشق عليه ويعمل العمل بمشقة وصعوبة عظيمة، وبين أن يترك العمل، فإن ترك العمل دخل في الحديث: «إن الله لا يمل حتى تمل»، من ثوابكم حتى تمل من العمل وإرادة الثواب. قال رحمه الله تعالى: قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، وكان شبابا قويا، قال: «فصم يوما وأفطر يومين»، صم يوما وأفطر يومين، قال: قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، كذلك عنده قوة الشباب، قال: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام»، وهذا فيه إشارة إلى نبي الله داود: أنه كان من العباد ومن الصوام، صلوات الله وسلامه عليه. وفيه أيضا: اعتساء النبي صلى الله عليه وسلم بغيره من الأنبياء من أهل الفضل والخير، لذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود»، قال: «وهو أفضل الصيام»، أي: أن تصوم يوما وأن تفطر يوما، ولا أفضل من ذلك. وهذا كذلك استدل به أهل العلم على أن أفضل الصيام من حيث النوافل مطلقا لمن يطيق هو هذا النوع من الصيام، بمعنى: أن الإنسان إذا كانت عنده قوة يستطيع أن يصوم يوما وأن يفطر يوما، فهذا أفضل الصيام. وأيضا قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا قال كما في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: أنه قال: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا»، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فكلما كثر الصيام كلما بعد الإنسان عن أسباب عقوبة الله عز وجل، وكلما كان أقرب إلى مرضاة الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام. قوله: عن أبي هريرة: «أوصاني خليلي»، أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم، العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: للمرء أن يقول: «قال خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أو «إن خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم»، من جهة ماذا؟ من جهة هذا الإنسان، وهذا المؤمن له أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خليلا بمعنى أحب الناس إليهم، والعكس لا يكون، أي: ليس معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا خليله، كما جاء في الحديث في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا خليلا من أهل الأرض اتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإيمان»، أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فشاهد: أنه من جهة المؤمن يجوز أن يقول: «خليل رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وليس معناه العكس. قال: «أوصاني»، وقوله: «أوصاني» يدل على أهمية ما سيأتي، لأن الوصية لا تكون إلا بماذا؟ بشيء مهم، بالشيء الهام، بالشيء المهم. فقال: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث»، ومعنى «بثلاث»: ليس معناه أنه لم يوصه إلا بهذه الثلاث، لكن معناه في هذا الحديث: أوصاني بهذه الثلاث الخصال مجموعة. فقال: «أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر»، وهذا والشاهد من إيراد هذا الحديث: فصيام ثلاثة أيام من كل شهر كما هو ظاهر، وهو واضح، وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، وهي كذلك وصية لغيره، كما جاء أيضا في صحيح مسلم من حديث أبي ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوصاني خليلي بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وبأن أصلي قبل أن أنام، وأن أصلي الضحى»، أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه. وهنا أبو هريرة كذلك يذكر نفس الوصية، يذكر نفس الوصية، فهذا يدل على أن هذه الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم تكررت لأصحابه، تكررت لأصحابه، فكان يوصيهم بأن يصوموا من كل شهر ثلاثة أيام، وهذا فيه كما سمعتم من الرفق ما هو ظاهر، فإن الإنسان يستطيع أن يواصل صيامه دون أن يكون عليه مشقة إلى أن يموت بإذن الله عز وجل. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.