كتاب الصيام 5

الدرس في كتاب الصيام 5، ألقاها

حكم الصيام على الكبير في السن وتفاصيله

يتكلم عن حكم الصيام على الكبير في السن الذي لا يستطيع الصيام، ويفرق بين من لا يزال عاقلا ومن فقد عقله. يشرح الأحكام المتعلقة بكل حالة.

استحباب السحور وبركته الدينية والدنيوية

يتناول حكم السحور وبركته، ويبين أن السحور مستحب وليس واجبًا، مستدلًا بأحاديث نبوية وآراء العلماء. يُظهر فوائد السحور الدينية والدنيوية.

حكم الأكل والشرب عند سماع أذان الفجر وتأخير السحور

استدل العلماء بحديث أنس بن مالك على استحباب تأخير السحور إلى قرب أذان الفجر، واختلفوا في حكم الأكل والشرب عند سماع الأذان. يشرح آراء العلماء في ذلك.

ختام الدرس وتأجيل البقية

يتم ختام الدرس بالإشارة إلى اكتفاء اليوم منه وتأجيل البقية إلى يوم آخر بإذن الله. يتم التأكيد على العلم الحقيقي لله تعالى مع الدعاء بالاستغفار والتسبيح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على شروط من تجب عليه أو من يجب عليه الصوم، وتكلمنا على من يدخل في هذه الشروط ومن يخرج منها، وهو أنه يجب على كل مسلم عاقل قادر مقيم، فهذا يجب عليه الصوم. وقبل أن ندخل في الدرس الجديد، نذكر مسألة لأجل التفريق بينها وبين الأخرى منها، وهذه المسألة سيكون عبارة عن سؤال أطرحه عليكم، وأنظر عند من الجواب. على ما تقدم معنا، على ما تقدم معنا في شروط الوجوب. السؤال هو، أو المسألة هي: نجعله على سؤالين. السؤال الأول: من كان كبيرا في السن لا يستطيع الصيام، فماذا عليه؟ كبير في السن عمره سبعين، عمره مثلا سبعون سنة، فهو يقول: أنا أعلم أن علي الصيام، ولكن لا أستطيع؛ قد كبر سني وشق علي الصيام. فهذا الرجل أو تلك المرأة، ما الواجب عليه أو ما حكمه عند من الجواب؟ هل له أن يصوم أو عليه الصيام؟ عند من له أن يفطر إن كان يشق عليه؟ وخشية أن يكون الإفطار في حقه واجبا، كما نص على هذا بعض أهل العلم، أن من كان إذا صام قد يؤدي إلى ضرر فيه أو تلف فيه أو في بعض أعضائه، أن الإفطار في حقه يكون واجبا، لقول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. طيب، وإذا أفطر، إذا أفطر فماذا عليه؟ عند من؟ السؤال أيضا، وهذا السؤال تمهيدي. السؤال هو: السؤال الثاني، هذا السؤال مر معنا أمسي، مر معنا هذه المسألة أم لا؟ الرجل الكبير أو الشيخ الكبير أو الذي لا يستطيع أن يصوم، ماذا ما حكمه؟ مر معنا أمس، لكن هذه المسألة أذكرها لأجل مسألة أخرى لم تمر معنا أمسي. فالشيخ الكبير، ماذا عليه؟ عند من؟ السؤال، أو نختار ها تفضل ها: إطعام مسكين عن كل يوم فطر فيه، على الصحيح من أقوال أهل العلم. على الصحيح من أقوال أهل العلم، قد مضى معنا أنه قول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، وجماعة، بل نسب إلى الجمهور هذا القول. طيب، هذه المسألة وهي واضحة. مسألة أخرى: من أدركه رمضان وهو شيخ كبير لا يعقل، واضح المسألة. من أدركه رمضان وهو شيخ كبير لا يعقل، لا يدرك، لا يدرك، لا يشعر بمن حوله، أو تارة وتارة، أو ما شابه ذلك، فهذا ما حكمه؟ المسألة واضحة، واضح الفرق بين الرجلين. الأول: كبير في السن ولكنه يدرك، ولكن يشق عليه الصيام، هذا عليه ماذا؟ إطعامه عن كل يوم أفطر فيه مسكينا. رجل آخر أدركه رمضان وهو لا يعقل، كبر سنه فصار لا يعقل، فهذا ما حكمه؟ واضح السؤال، أو لا؟ هذا على ما تقدم، على ما تقدم معنا، ما حكمه؟ من فقيه النفس عندكم يجيب على هذا السؤال. على ما تقدم، ها عند من، لا تفضل ها: لا صيام عليه. طيب، هذا ليس عليه صيام، معروف أنه لا يصام عليه الإفطار. طيب، هل عليه إطعام؟ لماذا؟ ليس عليه إطعام، لأنه حكم حكم المجنون. حكم حكم المجنون الذي لا يعقل، وقد تقدم معنا أن من شروط الصيام أن يكون ماذا؟ أن يكون مسلما عاقلا. أن يكون مسلما ماذا؟ عاقلا، وهذا ليس بعاقل، وهذا ليس بعاقل؛ لأنه لا يعقل ما حوله، لأنه ما يعقل ما حوله، لا يعقل رمضان ولا غير رمضان، خرف، واضح هذا الأمر، فهذا ليس عليه صيام، وهذا الأمر فيه واضح، وليس عليه كذلك إطعام؛ لأنه دخل عليه شهر رمضان وليس من أهل التكليف. دخل عليه شهر رمضان وليس من أهل التكليف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَمِنْهُمُ الْمَجْنُونُ حَتَّى يَفِيقَ الْمَجْنُونُ حَتَّى يَفِيقَ»، واضح المسألة أم لا؟ فهذه المسألة تلحق بالمسائل السابقة في ماذا؟ في العقل. فمسألة الكبير الذي لا يعقل يلحق بماذا؟ بشرط ماذا؟ بشرط العقل. والكبير الذي يعقل يلحق بشرط ماذا؟ بشرط القدرة. واضح الأمر أم لا؟ والعقل يسقط عليه الصوم والكفارة التي هي الإطعام، والقدرة وعدم القدرة تسقط عليه الصوم، ولا تسقط عليه ماذا؟ الكفارة. إن كان لا يستطيع الصوم، وإلا عليه الصوم إن كان يستطيع الصيام، أي إن كان من أهل الأمراض التي يرجع أن يشفى منها إن شاء الله، هذه مسألة واضحة بإذن الله عز وجل، ولا بقي إشكال. هاي جماعة واضحة ولا في إشكال؟ إذن ندخل في التي تليها، ندخل في الحديث الآخر. وهناك بعض المسائل المتعلقة لحما ذكرنا الكلام على المسافر؛ لأنه سيأتي الكلام على المسافر في فصل خاص في عمدة الأحكام، نتكلم عليه هناك. فتكلمنا على شرط الإسلام، وشرط العقل، وشرط البلوغ، وشرط القدرة، وشرط القدرة. نعم، البلوغ والقدرة، وبقي الإقامة تؤجل إلى الكلام على مسائل السفر بإذن الله عز وجل. طيب، ندخل في حديث آخر. قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه عمدة الأحكام في كتاب الصيام، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». أنس بن مالك، أبو حمزة، صحابي جليل، وهو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لازم رسول الله صلى الله عليه وسلم يخدمهم عشر سنين، وقد دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في المال والولد وطول عمر، فاستجاب الله عز وجل لنبيه دعاءه، وكان من خيار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان آخر الصحابة موتا في البصرة. قال رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا تَسَحَّرُوا». السحور هي الأكلة أو الشربة التي يأكلها الصائم في أثناء السحر، في أثناء السحر. وقوله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا»، ظاهره الأمر، ظاهره الأمر. والأمر عند العلماء علماء الأصول والفقه يقولون: الأصل في الأمر للوجوب. الأصل في الأمر للوجوب. واسع الكلام على حكم هذه المسألة. طيب، قوله: «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، هذا تعليل للسحور. «تَسَحَّرُوا تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، كأنه يقول: لأن في السحور بركة. وبركة السحور كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كثيرة، وقد جمعها وقد جمعها الإمام ابن الدقيق العيد رحمه الله تعالى بقوله: أن البركة قد تكون دينية أخروية، وقد تكون دنيوية. قال: فأما الدينية الأخروية: هو بامتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من امتثل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أثيب على هذا الامتثال، أثيب على هذا الامتثال، فكأنه الأجر في الآخرة والثواب في الآخرة. قال: وكذلك قد تكون بركة دنيوية، قال: وذلك أن الصائم إذا تسحر كان في السحور قوة له في بدنه على مواصلة الصيام وعدم المشقة في الصيام وعدم المشقة والتعب في الصيام، فيعطي الجسد قوة، فيعطي الجسد قوة. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى كذلك من فوائد السحور أشياء كثيرة، منها: أن فيه تغذية للجسم، وكذلك فيه تهذيب للنفس، وأيضا فيه امتثال للأمر، وكذلك فيه حسن الخلق. قال: أن من أصبح صائما جائعا، الغالب أن يكون خلقه سيئا، أن يكون خلقه سيئا، بخلاف من كان غير جائع يكون حسن الخلق. وكذلك قالوا: في السحور يكون فيه مواساة الفقراء ومن يطوفون عليهم في أثناء السحور، ونحو ذلك. قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، تعليل للسحور، تعليل للسحور. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى ها هنا مسألة، وهي: هل السحور أو أكلة السحور واجبة أم أنها مستحبة؟ هل أكلة السحور واجبة أم أنها مستحبة؟ نقل غير واحد من الأئمة الإجماع، منهم الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، على أن السحور أو أكلة السحور مستحبة وليست بواجبة. وكذا نقل الإجماع الإمام النووي، وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لا أعلم خلافا في هذا، أي: لا أعلم خلافا بين العلماء في أن أكلة السحور مستحبة، في أن أكلة السحور مستحبة. طيب، كيف نوجه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا»، والأصل كما مر معنا أن الأمر الأصل في الأمر الوجوب؟ الجواب يقال: نعم، إن الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرف بصارف، إلا أن يصرف بصارف من الوجوب إلى استحباب، من الوجوب إلى استحباب. والصارف للحديث من الوجوب إلى الاستحباب، كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى، الصارف له أمران: أحدهما متصل، والآخر منفصل. والصارف قد تكون متصلة، وقد تكون منفصلة. فأما الصارف المتصل، فهو في الحديث نفسه، فهو في الحديث نفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، فدل هذا على أنها في السحور بركة، فمن شاء أن يأخذ بهذه البركة ومن شاء أن لا يأخذها، فهذا فيه دلالة على أن الأمر للاستحباب. وهذا الذي نبه عليه الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، فقال كلاما معناه: أن الاستحباب مأخوذ من قوله: «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً، فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، فدل هذا على أن الأمر فيه الاستحباب، لا للوجوب في قوله: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، أي: من شاء أن يحصل على بركة في جسده أو في دينه بالثواب، فعليه بماذا؟ فعليه بالسحور. وهذا صارف من الصوارف. وصارف آخر منفصل، وهو ما جاء في حديث أبي هريرة وغيره في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه يوما ويومين، واصل بأصحابه يوما ويومين حتى طلع الهلال، فاستدل بهذا الحديث الإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره على استحباب السحور. ووجه الدلالة من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم واصل بأصحابه الصيام دون إفطار، واصل بأصحابه الصيام دون إفطار اليوم واليوم الثاني حتى رأوا الهلال فأفطروا، أي: هلال شوال. ففي الحديث: أنهم لم يتسحروا، في الحديث فيه أنهم لم يتسحروا، بل واصلوا. والسحور ولو كان السحور واجبا لا تسحروا، ولو كان السحور واجبا لا يتسحروا. هذا الوجه الثاني في تبيين وتخريج وصرف الحديث من الوجوب إلى الاستحباب. فكما سمعتم: دل هذا الحديث على أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا»، المراد به أو الأمر فيه للاستحباب. الأمر فيه للاستحباب لأمرين: الأمر الأول: أنه في الحديث نفسه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، أي: فمن شاء فليأخذ تلك البركة، ومن شاء فلا يأخذها، والأمر على الندب. والثاني: ما سمعتم من حديث أبي هريرة في مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه اليوم واليومين دون سحور، ولو كان السحور واجبا لوجب أن يفطروا ذلك أو في أثناء الليل. طيب، قال رحمه الله تعالى: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ». قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. هذا الحديث كما ترون يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه عن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت الخزرجي الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، وكان من كبار علماء الصحابة رضي الله عنه وأرضاه. وفيه أنه قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وقوله: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فيه أدب الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، إذ أنه ما قال: تسحرت ومعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه من باب الأدب بين أنهم هم الذين تسحروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسحر هو معهم. لذا قال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». وهذا من باب الأدب. وقوله: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، أيضا فيه ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلق، إذ أنه كان يجالس أصحابه ويأكل معهم تواضعا، لا كما يفعل بعض الملوك من أهل الدنيا، إذ أنهم يأنفون أن يجالسون من دونهم. وقوله أيضا: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، أيضا فيه كذلك ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من تعليم الصحابة بالفعل، إلى جانب تعليمهم بالقول. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا في حديث سابق قال: «تَسَحَّرُوا»، وهذا قول، «فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً». وفي الحديث الآخر: من فعله صلى الله عليه وسلم، كان يعلم الصحابة أيضا السحور، يعلم الصحابة السحور. فقال: «تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». قال: «ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ»، ثم قام إلى الصلاة، أي: بعد أن فرغ من سحوره، وأذن المؤذن لصلاة الفجر، قام إلى الصلاة. وليفهم من هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر آكلا إلى وقت إقامة الصلاة بعد الأذان. بل المراد: أنهما تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغنا من سحورنا وأذن المؤذن قام إلى الصلاة. قال: قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. وقوله: كم كان بين الأذان والسحور؟ قول أنس لزيد بن ثابت: كم كان بين الأذان والسحور؟ يدل على هذا المعنى، أي: كم كان بين الأذان وبين سحوركم؟ وقد قال بعض أهل العلم: أن المراد بالأذان هاهنا أذان الإقامة، أذان الإقامة. وهذا فيه خروج عن الظاهر، وهذا فيه خروج عن الظاهر؛ لأن الظاهر في الأذان إذا أطلق فالمراد به الأذان المعروف الذي هو الأذان للصلاة، لا الأذان للإقامة. فقوله: قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية، هذا أيضا يدلنا على هذا المعنى، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم وزيد بن ثابت كانوا يأكلون، فإذا فرغوا كان بين الأذان أو بين السحور والأذان قدر هذه المدة، قدر هذه المدة. ويحتمل أن يكون قوله: قال: قدر خمسين آية، أي: بين سحورهم الذي كان قبل الأذان بقليل إلى وقت الإقامة، إلى وقت الإقامة، كانت هذه المدة، أي: قدر خمسين آية. واستدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على استحباب تأخير السحور، على استحباب تأخير السحور. قالوا: لأنه أنشط وأدعى للقوة، أي: للتقوي على الطاعة. وأيضا قالوا: ليس فيه مشقة، ليس فيه مشقة؛ إذ أن الإنسان إذا قام فتسحر انطلق مباشرة إلى صلاة الفجر، بخلاف ما إذا تسحر في منتصف الليل، يشق عليه أن يبقى في سهر إلى صلاة الفجر، بخلاف ما إذا أخر سحوره إلى قرب الفجر، ثم أكل، فإنه يسهل عليه أن يأتي صلاة وهو في نشاط وهو في قوة، من غير كلفة، من غير كلفة. فقوله: كان أو قدر خمسين آية، كما سمعتم: استدل به جماعة من أهل العلم على استحباب تأخير السحور إلى قرب الأذان، إلى قرب أذان الفجر. طيب، ها هنا مسألة، وهي: هل يجوز الإنسان أن يتسحر قبل هذا؟ الجواب: نعم، ما دام في وقت السحر، فإنه يسمى ماذا؟ يسمى سحورا. مثلا في الساعة في هذه الأيام مثلا الساعة الثانية تسحر في الساعة الثالثة تسحر، هذا يسمى سحورا. ولكن الأفضل في حقه أن يؤخر للمعنى المذكور، للمعنى أو للمعاني المذكورة قبله. بقي مسألة أيضا أخرى يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، فيمن إذا أذن المؤذن لأذان الفجر والإنسان أو ذلك الصائم ما زال في طعامه أو ما زال في شرابه، فماذا عليه؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يقتصر إذا كان المؤذن يؤذن في الوقت، يقتصر أن يترك الطعام والشراب إذا كان المؤذن يؤذن في الوقت، لقول الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾. فإذا أذن المؤذن في الوقت وكان الإنسان في السحور، فعليه أن يترك، فعليه أن يترك، إلا في صورة خاصة مستثنى. قالوا: ما إذا كان أو أذن المؤذن والإناء إناء الماء في يد ذلك المتسحر، هل له أن يشرب أن يشرب من ذلك الماء أو يترك الماء؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يترك الماء أيضا الذي في يده، لظاهر الآية: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. وبعضهم نقل على هذا، أو نقل عدم الخلاف في هذه المسألة. وأما الحديث: حديث أبي هريرة الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَهُ أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فقالوا: هذا حديث ضعيف. وذهب بعض أهل العلم، وهو القول الثاني في المسألة، ذهب بعض أهل العلم إلى جواز أو قالوا: له أن يشرب من الإناء الذي في يده. وقالوا: إن حديث أبي هريرة، أو صحح حديث أبي هريرة بمفرده، وحديث أبي هريرة بمفرده معل فيه علة من طريق محمد بن عمر بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. أعلّه بعض بالوقف، أعلّه الإمام أبو حاتم الرازي وغيره بالوقف. ولكن العلّامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه: «السلسلة الصحيحة»، ذكر له شواهد كثيرة، من حديث أنس، ومن حديث زيد بن ثابت، وكذلك من حديث جابر بن عبد الله، وبعض الآثار الموقوفة، وبعض الآثار الموقوفة، قواه بمجموعها، وهو كما قال، وهو كما قال. فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى الحجية. فإذا كان الأمر كذلك، فإذا ثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتصر على ما رخص فيه، فيقول: أصل هو قول الله عز وجل: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، هذا هو الأصل. واستثني من ذلك ما جاء في هذه الصورة، من أن الإنسان إذا أذن المؤذن والإناء في يده وهو يريد أن يشرب أو كان قد شرب شيئا ثم أراد أن يكمل، فله أن يكمل الشراب الذي في يده، لهذا الحديث، ولا يتعداه إلى غيره. هذا هو الصحيح، وإن كان بعض أهل العلم زاد على هذا بعض الصور، لكن الأولى والأحوط أن يقتصر الإنسان على ما ثبت. والله أعلم، وبهذا نكتفي في هذا اليوم من هذا الدرس، وإلى درس آخر في يوم آخر بإذن الله عز وجل. والله أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على