شرح كتاب التوحيد 162

شرح كتاب التوحيد 162

الدرس في شرح كتاب التوحيد 162، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

شرح حديث ثلاثة لا يدخلون الجنة وتأويله

المقطع يشرح حديث "ثلاثة لا يدخلون الجنة" ويبين دلالته ومعانيه المحتملة، مشيرًا إلى أن العدد المذكور لا يفيد الحصر. يوضح أن المقصود هو الاهتمام بالأوصاف الخبيثة المذكورة.

تحذير من كبائر الذنوب التي تمنع من دخول الجنة

حديث النبي عن ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، قاطع الرحم، والعاق لوالديه. هذه الأفعال من كبائر الذنوب التي تمنع من دخول الجنة إلا برحمة الله.

خطورة التصديق بالسحر وعلاقته بالأبراج والكهانة

يشرح المقطع خطورة التصديق بالسحر وعلاقته بالأبراج والكهانة، ويحذر من قراءة الأبراج والاعتماد على ما يقوله الكهنة، ويبين أن ذلك يعتبر كفرًا بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر، رواه أحمد وابن حبان في صحيحه. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو من أواخر استدلالاته بهذا الباب الذي عقده بباب ما جاء في التنجيم. وهذا الحديث الذي بين أيدينا فيه الإشارة إلى بعض المحرمات التي جاء تحريمها على لسان رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقول أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: ثلاثة لا يدخلون الجنة، هل هذا العدد يستفاد منه الحصر؟ الجواب: لا، ما يستفاد منه الحصر. وقد أشرنا تكرارًا لهذه المسألة أن ما نجده من الأعداد ومن الأرقام: سبعة يضلهم الله في ظله، اجتنبوا السبعة من الموبقات، ثلاثة، أربعة، تأتي دائمًا أحاديث فيها تخصيص أصناف من الناس بأمر ما. هذه الأعداد يسميها أهل الأصول بأسلوب العدد، وهل أسلوب العدد يفيد الحصر؟ الجواب: لا، ما يفيد الحصر. كذلك الحديث: ثلاثة لا يدخلون الجنة، هل هو ثلاثة فقط حرموا من الجنة؟ الجواب: هم أكثر من ثلاثة، جاءت أدلة كثيرة على أن أناسًا حرموا من الجنة، فلا يدخل الجنة من غذي بالحرام، لا يدخل الجنة نمام، فهناك عندنا أكثر من هذا الصنف. طيب، قد يقول قائل: إذا كان كذلك، فما الفائدة من ذكر العدد؟ قال العلماء: الفائدة من ذكر العدد الاهتمام، أي أن هؤلاء الثلاثة ينبغي أن نهتم بأوصافهم بحيث أن نجتنبها، إن كان من صفات دنية ومن خلال خبيثة تجتنبها يا عبد الله، فاجتنب هذه الأمور الثلاثة، فلا ترتكبها ولا تتصف بها، ولا تقع في فعلها، فهي من أقبح ما يكون. فقول عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يدخلون الجنة، يمنعون من دخول الجنة، هل معنى ذلكم أنهم لا يدخلون الجنة أبدًا؟ هل معنى ذلكم أنهم كفار؟ الجواب: لا، ليسوا بكفار، الكافر هو الذي يمنع من الجنة مطلقًا، مطلقًا ما يدخلها لا في الحال ولا في المآل. طيب، قد يقول قائل: إذن كيف نفهم هذا الحديث لا يدخلون الجنة، وهم من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، إذ أنهم من العصاة؟ قال العلماء: يحمل ذلكم على عدة محامل. المحمل الأول: من ذهب من أهل العلم إلى أن نصوص الوعيد أنها لا تفسر، فيقولون: مثل هذه الأساليب النبوية، دعوها، أتركوها، لا تفسروها، قولوا كما قال نبيكم: لا يدخل الجنة، لا يدخل الجنة، قال: لأنها أوقع في النفس، وأن القيامة بتفسيرها يضعف من تأثيرها. وهذا جماعة من المحققين ومن المحدثين، قال: إمام أحمد، وإسحاق، وجماعة يرون أن نصوص الوعيد تترك كما هي، لا تفسروها. إذا قال قائل: كيف لا يدخل الجنة؟ قل: هكذا قال رسول الله، لا يدخل الجنة، إن أمام لا يدخل الجنة فلان وفلان. هذا قول أول. القول الثاني: وهو الذي عليه جماعة من أهل العلم، أن هؤلاء لا يدخلون الجنة لأنهم استحلوا استحلوا هذه المحرمات، فكانوا من عداد الكفار، استحلوها. وهذا القول ضعيف. القول الشهير، والذي عليه أكثر العلماء: معنى لا يدخلون الجنة، أي لا يدخلون دخولًا أوليًا، لا يدخلون مع أوائل الناس، إذا فتحت الجنة وفتحت الأبواب، وسارع أهل الإيمان وأهل الإسلام إلى التسابق إلى الجنات، فتجد أن جماعة من أبناء الأمة يؤخرون، إما أن يحبسوا، وإما أن يؤخذ بهم إلى النار، لماذا؟ لهذه الذنوب التي ارتكبوها، يصفون منها ويطهرون منها إلى النار، تصفية الخبث بالنار، ثم بعد ذلك يؤول أمرهم إلى الجنة، لكن متى دخلوا الجنة؟ بعد فترة، الله أعلم بالمدة. فقال أكثر العلماء: معنى لا يدخلون الجنة، أي لا يدخلون الجنة دخولًا أوليًا. ما الذي منعهم؟ هذه المحظورات والمخالفات التي ارتكبوها. وفي ذلكم إشارة إلى أن هذه الأفعال من كبائر الذنوب، أنها من الكبائر، إذ أن صاحبها منع من الجنة، إلا أن تتغمده رحمة الله، والله يغفر لمن يشاء، لكن على القاعدة، على الأصل أنها من كبائر الذنوب تمنع صاحبها من الجنة، فتوخى الحذر يا عبد الله من أن لا تقع في هذه الأفعال. قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يدخلون الجنة، مدمن الخمر، مدمن الخمر شخص يتناول الخمر حتى وصل إلى حد الإدمان، الإدمان معنى أنه يعاقر الخمور في ليله ونهاره، صبحه ومسائه، هذا مدمن خمر، نسأل الله السلامة والعافية. تجد أن بعض من الناس وصل حالهم إلى كثرة شربهم من الخمور إلى أنه في ثلاجته أنواع من الخمور، جعل الخمر عنده مثل أي شراب، مثل ما نعتبره نحن كالفيمتو، ولا سان كويك، ولا هذه الأنواع من المشروبات التي أحلها الله لنا، هو يرى هذا فودكا، شمبانيا، ويسكي، أشكال وألوان، مدمن من يستطيع أن يعيش بلا خمر، لو ربما إذا سافر وقد عاش، رأينا قبل مدة أمثال هؤلاء ما يرى إلا وهو يترنح، ما به سكران، وآخر الليل ينطوي تحت الشوارع كالبهيمة، بلغ إلى حد الإدمان والإسكار، مدمن خمر وصل إلى حالة لا يدخله الله الجنة. وهل يدخل في ذلك متعاطي الحشيش؟ الجواب: نعم، من تعاطى الحشيش ومتعاطى المخدرات حتى وصل إلى حد الإدمان، فحكمه من حكم مدمن الخمر، بل في الحقيقة أن تعاطي الحشيش أشد ضررًا وفتكًا من الخمور، لو ربما الخمر أذيته في نفسه كثيرة، لكن صاحب الحشيش أذيته في غيره أكثر، سمعنا وسمع غيركم من جرائم قتل الأنفس، بل حتى أن منه من قتل أمه، من قتل أباه، من قتل إخوانه، أو تلك المرأة التي تحمل ابنها وفي حالة نشوة المخدر ترى أن الابن تحول إلى حية، فألقته وداست عليه، حية، تشكل الخمر، المخدرات تزيل العقل، يذهب الحس، ولهذا كم من جرائم حصلت من الحشيش، ولهذا يدخل في مدمن الخمر من تعاطى المخدرات، فهؤلاء حكمهم لا يدخلون الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: ولا قاطعوا رحم، وقاطعوا الرحم كذلكم كبير من كبائر الذنوب، قاطع عرف بالقطيعة لأعمامه وأخواله ولبني عمومته، لو ربما تمر عليه السنوات الطوال وهو قاطع لهم، لا لشيء، وإنما على سوء فهم، وإما على مشاكل خاصة، وإما على دنيا زائلة، فينسى العشرة التي بينه وبين رحمه، والإنسان يترفع عن ذلكم، فمن كان قاطعًا للرحم فقد وصل إلى كبير من كبائر الذنوب، وحقه عند الله جل وعلا أن يمنع من دخول الجنة. وأعظم قطيعة يا عبد الله تكون بينك وبين أرحامك، ما تكون من قطيعة بينك وبين والديك، وهذا هو العقوق، أعظم قطيعة للرحم أن تعق والديك، ذنبه أعظم وأشد. قال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفًا ولا عدلًا، بمعنى لا يقبل الله منهم فريضة ولا نافلة، أول من ذكر عليه الصلاة والسلام: العاق، والمنان، والمكذب بالقدر، ذكر العاق، فاحذر يا عبد الله من قطيعة الرحم، فعليك أن تصلها، ولو أنهم جفوك، ولو أنهم أبعدوك، ولو أنهم ظلموك، اعملها لله، دع يدك موصولة لهم، ثم هم بما شاءوا، إن وصلوك فذاك، وإن لم يصلوك فما عند الله خير وأبقى، لكن لا تكون قاطعًا، لا تكون أبدًا يا عبد الله قاطعًا للرحم، فإن القطيعة دسيسة عظيمة انتشرت بين الأفراد والمجتمعات. ثم قال عليه الصلاة والسلام: ومصدق بالسحر، التصديق بالسحر، وهنا الشراح ذكر أن التصديق بالسحر يكون مما يكون من سحر النجوم، أن تصدق بالسحر الذي يعد عن طريق النجوم، وقد أشرنا إلى الأبواب السابقة إلى هذا النوع من أنواع السحر، وهو ما يفعله أهل الكهانة، أن يتكهن لك يتكهن بمستقبلك، على ماذا يعتمد؟ يعتمد على النجوم، كما قلنا يعتمد على الأبراج، الأبراج، الأبراج، إخواني في الله، حقيقتها، من قرأ فيها وانتبه لهذا الحكم، الأبراج وهي موجودة في الجرائد، موجودة في المجلات: أبراجك، أبراج اليوم، بعض الناس كما قلنا يعتني في شراء هذه المجلات والجرائد حتى ينظر، أول ما ينظر إلى البرج، يفتح الصفحة، ثم يتتبع برجه، قد يكون هو برج الجوزاء، قد يكون برج الدلو، قد يكون برج الحوت، قد يكون برج الميزان، والأبراج هذه مقسمة على حسب تواريخ الميلاد، فتنظر إلى ميلادك، ثم تنظر إلى برجك، ثم تنظر ما الذي كتب لك، أتدري من هذا الذي كتب؟ الذي كتب كاهن، الذي كتب كاهن، تتفق هذه الجرائد والمجلات وبعض المؤسسات مع الكهنة، فيخرجون أوراق شهرية أو فصلية حول الأبراج، يتعاملون مع الكهان. فأنت في الحقيقة ما فعلت سوى اختصار، بدل من أنك تذهب بنفسك وتطرق باب الكاهن وتقول: يا كاهن، لو سمحت أخي أخبرني بمستقبلي، فيقول لك كاهنك: خبرك كذا ومستقبلك كذا، أنت بهذا في الحقيقة دخلت في قول نبينا: من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، هذا هو هو، عندما تقرأ الجريدة، لأنك هو كاهن يتكلم معك الآن، وعندما تظن صحة ما يقول وتعتمد على ما يقول، فإنك قد كفرت بما أنزل على محمد. فينبغي على القاصي والداني أن يتأمل في هذه المسألة، الأمر ليس جريدة تقرأها وتتبع الأبراج وأنت حظك لا، هذه الأوراق إنما مكتوبة على أيدي الكهنة، مكتوبة بأيدي الكهنة، فكونك تأتيهم مباشرة أو تأتيهم بغير مباشرة، والحقيقة في الأخير تصديق لهم، وهذا مما يدخل في التصديق بالسحر، وهم الذين لا يدخلون الجنة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: رواه أحمد وابن حبان. هذا الحديث إخواني في الذي سمعتموه وقع الخلاف بين أهل العلم في تحسينه أو تضعيفه، فمن أهل العلم من حسنه كابن حبان والإمام الحاكم، ووافقه الذهبي على أن الحديث صحيح، ومن أهل العلم من ضعف الحديث، لأن فيه رجل وهو ابن حريز، وابن حريز: عبد الله بن حسن، تكلم فيه، ضعفّه جماعة من أهل العلم، كالنسائي والجوزجاني ويحيى بن سعيد، ولهذا خلص الشيخ الألباني إلى أن الحديث ضعيف. لكن الحديث بهذا السياق نعم ضعيف، لكن معناه صحيح، لأن كل جزئية من أجزاء الثلاثة دلت عليها الأدلة، لو فرقناها، فمثلًا: مدمن الخمر قد جاء في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة مدمن خمر، قاطع الرحم جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: لا يدخل الجنة قاطع رحم، ومصدق بالسحر قد مر معنا حديث ابن عباس: من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد. فعلى هذا الحد، ولو ضعف السياق والإسناد، لكن المعنى صحيح، فخلصنا بهذا إخواني في الله على أن هذه الثلاثة من الموبقات العظام، وأنها من الكبائر الشداد التي ينبغي على أهل الإسلام أن يتحرز منها، وأن مآل من وقع فيها ولم يتب منها أن الله جل وعلا يمنعه الدخول من الجنة كما ذكرنا بيان ذلك. هذا الذي يذكر في هذا الحديث من مسائل، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.