التعليق على كتاب الداء والدواء 1

التعليق على كتاب الداء والدواء 1

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مقدمة كتاب الداء والدواء وأهميته العلمية

يُعرّف المحاضر بكتاب «الداء والدواء» المسمى «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي» للإمام ابن القيم، مبيناً سبب تأليفه إجابةً لسائل مبتلى، وثناء العلماء عليه كابن الوزير وبكر أبو زيد، ومكانته العظيمة في هداية الخلق وعلاج أمراض القلوب، مع التأكيد على واجب العالم في نفع الناس.

ترجمة ابن القيم ومنهجه في الجواب الشافي

يستعرض المقطع سيرة الإمام ابن القيم الجوزية نشأةً وتلقياً للعلم على يد شيخه ابن تيمية، ومصنفاته الواسعة، ثم يبين منهجه ومنهج شيخه في الإجابة الوافية التي تتجاوز السؤال المباشر إلى ما ينفع السائل، مع سياق السؤال الذي كان سبباً في تأليف هذا الكتاب النفيس.

محتويات الكتاب: أمراض القلوب وعلاجها بالعلم والشرع

يشرح المحاضر محاور الكتاب وفصوله التي تعالج أمراض القلوب وأبرزها الجهل، وتبيّن أن الشفاء يكون بالعلم النابع من القرآن والسنة، مع تفصيل أسباب الخير والشر، ومغالطة النفس، وأضرار المعاصي، وعلاج العشق بأنواعه، ومراتب المحبة المشروعة، والعلاقة بين القدر والأخذ بالأسباب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رضي، وله الحمد بعد الرضا، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو المجلس الأول الذي نتذاكر فيه كتاباً نافعاً وعظيماً، ألا وهو «الداء والدواء»، وله اسم آخر كذلكم أيضاً يسمى بـ «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». وهو كتاب عظيم النفع، كثير البركة، نفع الله به خلقاً كثيراً من العامة، وهكذا أيضاً من الخاصة. وهذا الكتاب، كما هو معلوم، يعتبر من أنفع ما كتبه شيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب المسمى بـ «الداء والدواء»، وهكذا كما سبق يسمى بـ «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، ألفه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى إجابةً لسائل سأل عن دواء لداء قد أتعبه وألم به، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل هذا الكتاب، كما سيأتي. يقول السائل: «ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل ابتلي ببلية وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته» إلى آخر السؤال الذي أورده السائل، وطلب الفتوى، وطلب الدواء من شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فأجاب بهذا الكتاب الماتع وهذا السفر العجيب، الذي كما ذكر بعض العلماء أنه لم يرَ مثله في بابه، لم يرَ مثله في بابه. فقد وفق ابن القيم رحمه الله تعالى أيما توفيق في وضع الدواء على هذا الداء، على هذا الداء. وقد أثنى العلماء رحمة الله عليهم على المؤلف، وعلى المؤلف أثنوا على ابن القيم رحمه الله تعالى، كما سيأتي معنا شيء من ذلك في ترجمته المختصرة. وهكذا أثنوا على المؤلف على هذا الكتاب النافع. ومن ذلك ما ذكره العلامة محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني رحمه الله تعالى في آخر كتابه «العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم» صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ابن الوزير رحمه الله تعالى: «وقد ذكر أمثال هذا الحديث وجود الكلام في التخويف الشيخ الإمام الشهير بابن القيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، في كتابه المعروف «الجواب الكافي على من سأل عن الدواء الشافي»». قال ابن الوزير رحمه الله تعالى: «فمن أراد الشفاء التام في هذا المعنى فعليه بمطالعته، لما فيه من تدبر كتاب الله وصحيح السنة النبوية». وهكذا أيضاً ذكر العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه «التقريب لفقه ابن القيم». ومن باب الفائدة، الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد يعتبر من أكثر الناس اطلاعاً وهكذا عنايةً لكتب الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. ومن ذلك ما صنفه من كتاب «التقريب لفقه ابن القيم». قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى في كتابه «التقريب لفقه ابن القيم»: «وفي هذا الكتاب» -يعني به كتاب «الداء والدواء» لابن القيم- «من لطائف العلم وحقائقه، وبيان محاسبة النفس ومراقبتها، ما لا يستغني عنه طالب علم، ما لا يستغني عنه طالب علم». وقد ذكر الشيخ عبد الظاهر أبو السمح -والكلام لا يزال للشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى- قال: «وقد ذكر الشيخ عبد الظاهر أبو السمحي في خاتمة الطبعة لهذا الكتاب» -ويشير إلى الطبعة التي اعتنى بها رحمه الله تعالى، وهي طبعة دار عالم الفوائد، وهي تعتبر من أدق وأضبط الطبعات لكتاب «الداء والدواء»- «قال: إنه هو السبب في هداية الله له إلى طريق السلف الصالح وسلوك منهجهم في توحيد الله تعالى وعبادته». ولهذا يا إخوان، نص غير واحد من أهل العلم أن هذا الكتاب، كتاب «الداء والدواء»، كان سبباً لهداية خلق كثير من العلماء، وهكذا أيضاً من طلاب العلم، وهكذا أيضاً من عامة الناس، لما أودع فيه المصنف رحمه الله تعالى من العلم النافع، وهكذا الدواء الناجع. وهكذا أسلوبه رحمه الله تعالى كان بديعاً، كان بديعاً. وقد نبه بعض العلماء إلى أنه ينبغي على طالب العلم أول ما يبدأ في طلبه للعلم أن يكون مطالعة مثل هذا الكتاب من أول ما يطالعه الطالب. أول ما يبدأ يطلب العلم، يطالع مثل هذا الكتاب: «الداء والدواء»، «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي»، فإنه مفيد جداً لطالبي العلم، مفيد جداً لطالبي العلم. وذكر بعض العلماء ذكروا فيما يتعلق بهذا الكتاب بعض التنبيهات. فمن هذه التنبيهات: قالوا أولاً: أنه ينبغي على أهل العلم، طلبة العلم، أن يحرص على نفع الناس، بدل الندى، بدل الخير الديني والدنيوي لهم. ومن ذلك: أي من هذا الخير والنفع الذي يبدل، تعليم الجاهلين، وتنبيه الغافلين، وإجابة أسئلة السائلين. وهكذا أيضاً ما يتعلق بإغاثة الملهوفين، والتيسير على المعسرين. منهم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الناس أحب إلى الله تعالى، وأي العمل أحب إلى الله؟» أجاب عليها الصلاة والسلام فقال: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس». لاحظ: «أنفعهم للناس». «وأحب العمل إلى الله تعالى سرور تدخله على قلب مسلم»، تدخله على قلب مسلم. قال ربنا عز وجل عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾. قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾، قال بعض العلماء: أي نفاعاً للناس، أي نفاعاً للناس. الأمر الثاني: أنه ينبغي على... الأمر الثاني: أنه ينبغي على أهل البلاء والمصائب وذوي الأمراض، ينبغي عليهم أن يقتربوا من أهل العلم والخير والصلاح، فالقرب من أهل العلم يعتبر غنيمة، وهكذا سؤالهم عما أشكل يعتبر نجاة وسلامة. تجد أن المسلم إذا اقترب من أهل العلم والصلاح وخالطهم وجالسهم، فينال بسبب ذلك انشراح الصدر وطمأنينة القلب، وهكذا راحة البال والجسد، والجسد. فيجد من يذكره، ومن ينصحه، ومن يعينه على أمور الدنيا والدين. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾. ويستفاد يا إخوان من إجابة شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى لسؤال السائل، أنه ينبغي على أهل العلم أن تتسع صدورهم للمتعلمين، ولاستفسار المستفسرين، وأسئلة السائلين، فهذا يعتبر من الأمور التي تجب على أهل العلم. قال ربنا عز وجل في آخر سورة الضحى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. ويدخل في هذا: الذي يسأل مالاً، وهكذا يسأل غيره كالعلم. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾. ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾. وهكذا أيضاً الناظر في سؤال السائل للإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى يرى أثر الفتن التي ألمت به، مع أنهم يا إخوان كانوا في زمن ماذا؟ كانوا في زمن العافية. لا أجهزة إعلام كما هي اليوم، لا شاشات وفضائيات، ولا نت، ولا جوالات، ولا كذلكم أيضاً مظاهر العري والتبرج وغيرها مما لا يخفى على كل ذي عينين اليوم، فضلاً عمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. انظروا: أتى يشكي داءه، وداءه كما سيأتي معنا هو داء معنوي وليس بداء حسي. لا يشتكي صداعاً ولا حمة، لا يشتكي وجعاً في بطنه أو ألماً في رأسه، وإنما يشتكي الفتن، ويشتكي الذنوب والمعاصي التي لربما إذا تدافعت وهكذا اجتمعت كانت أو سبباً لأران الذي يكون على قلب الشخص، على قلب الشخص. اليوم يا إخوان، الفتن أعظم، والمصائب أكبر، والأمور التي تؤدي إلى أمراض القلوب أخطر. فلذلك، لهذا كان على طلاب العلم خاصة، وهكذا على المسلمين عامة، أن يتجنبوا هذه الفتن، ويسعوا في أسباب السلامة منها والنجاة منها، وذلك بماذا؟ باستعمال الدواء، استعمال الدواء الذي قد يكون سبباً في الشفاء من هذه الأدواء، من هذه الأدواء. والحمد لله يا إخوان، أهل الشر إن كانوا قد استخدموا هذه الأجهزة وهذه المعدات في إمراض القلوب، وهكذا إفساد الأديان والأبدان، فالخير حاصل. فقد قيض الله عز وجل من أهل الخير والفضل والصلاح من يستخدموا هذه الأجهزة كذلك أيضاً في نشر الخير وبذل الخير وتعليم الناس ونصحهم. فعلى سبيل المثال: هذه الجوالات وهذه الشبكات، كم جعل الله فيها من الخير، وجعل فيها من الفائدة العظيمة جداً. البعض ينظر بعين أعور، لا يرى إلا الشر، ولا يرى إلا الفساد، ما يرى الخير الحاصل الذي قد يكون بسبب ما يسره الله تعالى بسبب هذه الأجهزة، إن أحسن المسلم استعمالها والانتفاع بها. كلمة لربما تلقى في مسجد صغير، أو يتكلم بها العالم في حجرته وعلى سريره، يستمع لها الملايين في شرق الدنيا وغربها. وهكذا غيرها من الفوائد والدروس التي يستفيد منها المسلمون عموماً، وهكذا أهل العلم على وجه الخصوص. إجازات في القرآن الكريم، وهكذا إجازات وعلوم وشروحات لأبواب من أبواب العلم وفنون العلم تكون عبر هذه الأجهزة التي لربما أعداؤنا يستخدمونها في الإفساد. ولهذا العلماء ينصح بأن يحسن أهل العلم وطلاب العلم استعمال هذه الأجهزة التي انتشرت وعمت في ماذا؟ في الخير. وهذا يبين لنا وجه ظهور بعض العلماء في الشاشات والقنوات. لماذا يظهر بعض العلماء في الفضائيات والقنوات، في وسائل الإعلام؟ ما هذا إلا من ذاك، من باب محاربة الشر، ومنافسة أهل الشر، ودعوة المسلمين وغير المسلمين لهذا الخير، لهذا الخير. وهكذا أيضاً العلماء ينبه على أن من كان عنده لغة غير العربية، عنده فرنسية، عنده إندونيسية، صينية، يابانية، عنده إلى غيرها، لا يبخل في استعمالها في دعوة أهل هذه اللغة. فيسجل المقاطع الصوتية، ويترجم المحاضرات والخطب والدروس العلمية، وينقلها إلى أهل تلكم البلاد، فينتفعوا بها أيما انتفاع، ينتفعوا بها أيما انتفاع. وكم حصل الخير بسبب ذلك، كم حصل الخير بسبب ذلك، أي بسبب نشر... بسبب نشر مثل هذه المواد النافعة والمحاضرات والخطب والدروس. فأسلم من أسلم، وهكذا اهتدى من اهتدى، وهكذا تعلم من تعلم بسبب ذلك، بسبب ذلك. فهذا الكتاب، كتاب «الداء والدواء» لشيخ الإسلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، يعتبر نافعاً ومفيداً، يعتبر نافعاً ومفيداً. وهكذا أيضاً مما ينبه عليه: أن من آداب الجواب على السؤال أن يحرص المسؤول على إفادة السائل، فيفيده على ما سأل، ويزيده فائدة على ذلك. وهذا ما يعبر عنه بعضهم بـ «جواب الحكيم». لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم حين أن سئل عن ركوب البحر: قوم يركبون البحر وليس معهم من الماء إلا ما يكفي للشرب، ويحضر وقت الصلاة، فهل يصح أن يتوضأ من ماء البحر؟ فبماذا أجاب عليها الصلاة والسلام؟ يا أبا طاهر، قال: بماذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». هذا الذي سئل عنه: «الطهور ماؤه، الحل ميتته». هل سئل عن ميتة البحر؟ الجواب: لا. لكنها فائدة لها مناسبة. هذا يسمى بـ «جواب الحكيم»: يجيب عن السؤال وزيادة مما يتعلق بهذا الباب ويحتاجه كذلك أيضاً السائل. وابن القيم رحمه الله تعالى يسأل بسؤال، فيجيب بماذا؟ يا أبا مريم، فيجيب بماذا؟ بكتاب. يسأل عن سؤال فيجيب بكتاب، وليس أي كتاب، كتاب يعتبر من أنفس الكتب وأجمل المصنفات التي صنفت، التي صنفت. وهذا يا إخوان، هذا من الجود الذي ينبغي أن يكون عند العالم، عند العالم. هذا من الجود بالعلم، كما ذكر ابن القيم نفسه كان يقول: «ومن الجود بالعلم أن السائل إذا سأل عن مسألة، استقصيت له جوابها جواباً شافياً، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان يكتب بعضهم في جواب مسألة: نعم أو لا، مقتصراً عليها». قال: «ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في ذلك أمراً عجيباً، كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، يذكر له فوائد لربما أنفع للسائل مما سأل عنه». قال: «وهذه فتاويه رحمه الله». قال: «فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك». قال: «فمن جود الإنسان بالعلم أنه لا يقتصر على مسألة السائل، بل يذكر له نظائرها ومتعلقاتها ومآخذها، بحيث يشفيه ويكفيه». وله وله تلك المنظومة، أي لابن القيم، تلك النونية المسماة بـ «الشافية الكافية». كذلك أيضاً ابن القيم سلك مسلك شيخه ابن تيمية فيما ورد عليه من أسئلة، ورد عليها جواباً يكفي السائل ويغنيه ويشفيه. منها: كتابه «المنار المنيف»، وهكذا كتابه «مطالع السعد بكشف مواقع الحمد»، وهكذا كتابه «الكلام على مسألة السماع»، يعني سئل عن المعازف والأغاني وغيرها، فكان الجواب بمثل هذه المؤلفات. ومؤلف هذا الكتاب هو علم من الأعلام وإمام من الأئمة، ألا وهو شيخ الإسلام ابن القيم الجوزية. ويختلط على بعضهم بابن الجوزي، فابن قيم الجوزية صاحب هذه الرسالة هو غير ابن الجوزي الذي له مصنفات ومؤلفات كثيرة. والإمام، والإمام الجليل ابن القيم، نذكر شيئاً يسيراً يتعلق بترجمته، وقد اهتم العلماء بترجمته في أوائل كتبه ومصنفاته، كذلكم أيضاً أفرد له جماعة من العلماء بتراجم مستقلة، تراجم مستقلة. ومنها ما ألفه العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى، فله كتاب حافل نافع مفيد، سماه «ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره»، حياته وآثاره. وهو مصنف مطبوع، وطبع منه عدة طبعات، ومتداول، انتفع به العلماء وطلاب العلم وعامة المسلمين. ابن القيم هو: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن سعد بن حريز الزرعي، ثم الدمشقي، الملقب بشمس الدين، والمعروف بابن قيم الجوزية. والجوزية: مدرسة كان أبوه قيماً عليها. الجوزية: مدرسة كان أبوه قيماً، يعني مسؤولاً ومديراً عليها، فلقب بابن قيم الجوزية. ابن قيم الجوزية، واختصرها الكثير فيقولون: ابن القيم، ابن القيم، أي قيم هذه المدرسة المعروفة بالجوزية، الجوزية. ولد رحمه الله تعالى في السابع من شهر صفر سنة ستمائة وواحد وتسعين من الهجرة. ونشأ رحمه الله تعالى في بيت علم وفضل، وتلقى علومه الأولى على يدي والده، وهكذا أخذ العلم عن كثير من العلماء الأعلام في عصره. وابن القيم رحمه الله تعالى... آما برز... وهكذا نبغ في علوم عديدة، ولهذا مصنفاته رحمه الله تعالى متنوعة ومتعددة، متنوعة ومتعددة. وكان ابن القيم رحمه الله تعالى في أول طلبه للعلم حصل له شيء، أي من ماذا؟ من الأمور التي تأثر ببعض مشائخه وبعض ما قرأه، حتى وفق لمجالسة شيخه شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى. وقد التقى بابن تيمية في سنة سبعمائة واثني عشر، واثني عشر، ولازمه طوال حياته، وتتلمذ عليه، وتحمل ابن القيم مع شيخه ابن تيمية أعباء الجهاد ونصرة التوحيد والسنة. بل إنه بعد وفاة شيخه ابن تيمية في سنة سبعمائة وثمان وعشرين، حمل هذا اللواء، وظل يخدم العلم والتوحيد والسنة إلى أن توفاه الله عز وجل في الثالث عشر من شهر رجب سنة سبعمائة وواحد وخمسين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. كان ابن القيم رحمه الله تعالى كما قيل: بحراً زاخرا بألوان العلوم والمعارف، وكان مبرزاً في فقه الكتاب والسنة، وهكذا في أصول الدين، وهكذا في علوم العربية، وهكذا أيضاً في ما يتعلق بعلم الكلام، وهكذا علم السلوك، وغيرها من العلوم، فقد كان له فيها قصب السبق ونصيب الأسد كما يقال. وقد انتفع الناس به، وتتلمذ على يديه من العلماء، ولا تزال مؤلفاته إلى يومنا هذا مناراً، وهكذا إشعاعاً، يستنير ويستضيء به من أراد العلم والنور، من أراد العلم والنور. وهكذا أيضاً ابن القيم رحمه الله تعالى، وإن كان ينسب إلى المذهب الحنبلي كشيخه ابن تيمية، لكنه كان متجرداً لا متعصباً، وكان متحرياً لا مقلداً. وكتبه ومؤلفاته تدل على محاربته للتقليد وللتعصب، وهكذا أيضاً محاربته للبدع والضلالات، وهكذا الفرق التي انتشر شرها وظهر رؤوسها. كان رحمه الله تعالى يناظر، وكان يرد على تلكم البدع وعلى أهلها، وعلى أهلها. وله المؤلفات الكثيرة. فمن أبرز مؤلفات ابن القيم يا أبا الفاروق... من أبرز وأشهر مؤلفات ابن القيم إضافة إلى كتابنا هذا «الداء والدواء»... نعم يا أبا الفائز، يا أبا فواز: شرح في صحيح البخاري... أنا ما أذكر إلا أن تكون فائدة، أفتنا بها يا أبا مصطفى... نعم: نونيته المسماة «الشافية الكافية»، نونية ابن القيم بديعة جداً يا إخوان، شرحها من شرحها من أهل العلم كابن العثيمين وغيره. نعم يا رحمن، طيب. له منظومات كثيرة منها الميمية، وهكذا أيضاً رده على عباد الصليب على النصارى، لكن هناك ما هو أشهر من هذا يا أبا مجهد. نعم: كتابه «الفوائد»، وهكذا «بدائع الفوائد»، في السيرة «زاد المعاد». ذكر ماذا؟ طيب اسمه ماذا؟ «زاد المعاد في هدي خير العباد». زاد المعاد يا إخوان، لابن القيم موسوعة من الموسوعات العلمية العظيمة، نافع جداً، ليس في السيرة فحسب، بل وفي القرآن وعلومه، والعقيدة والتوحيد، والفقه ومسائله، وهكذا الحديث، وهكذا غيرها من الأبواب الأخرى. له «شفاء العليل»، وهكذا أيضاً نعم: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» يقع في أربعة أجزاء. وهكذا يا إخوان، خلف ابن القيم مكتبة علمية نافعة، ذاخرة بالعلوم الشرعية. وذكروا أنه رأى قبل موته بمدة، رأى في المنام، رأى شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في النوم، فسأل ابن القيم شيخه ابن تيمية عن منزلته التي وجدها، فأشار ابن تيمية إلى علوها فوق بعض الأكابر، أي أن ابن تيمية رفعه الله عز وجل منزلة عظيمة فوق بعض الأكابر. ثم قال لابن القيم: «وأنت كتلحق بنا، وأنت كتلحق بنا». ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة، ولكن أنت الآن في طبقة ابن خزيمة، يعني لم ترتقي بعد إلى ماذا؟ الطبقة العالية، الطبقة العالية. وفاته، وفاته رحمه الله تعالى كانت في وقت عشاء الآخرة، ليلة الخميس، الثالث عشر من شهر رجب، سنة سبعمائة وواحد وخمسين من الهجرة. وصلي عليه في الغد بالجامع، عقب صلاة الظهر، ثم بآمذة... جامع جراح، كذلك أيضاً صلي عليه، ودفن بآمذة، دفن بمقبرة الباب الصغير، وذلك في دمشق. وشيعه خلق كثير، كانت جنازة الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى جنازة مهيبة، وهكذا هي جنازة العلماء، وهكذا هي جنازة الأئمة والصالحين. كانت جنائزهم عظيمة ومهيبة، يحضرها أهل العلم، والكثير من عامة الناس، والكثير من عامة الناس. بين أيدينا آذى الكتاب النافع، كتاب «الداء والدواء» لابن القيم رحمه الله تعالى. ومن خلال العنوان نذرك المحتوى، خلال العنوان: «الداء والدواء» يذكر الداء، ثم يصف الدواء، ثم يصف الدواء. الدواء: «الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي». فهو يعالج الأدواء والأمراض الخطيرة التي تفتك بدين العبد وإيمانه وتفسد قلبه، وإذا فسد القلب مرض صاحبه، وإذا مرض فلم يعالج فإنه قد يموت، قد يموت. ابن القيم يا إخوان ذكر في هذا الكتاب بيان أخطر هذه الأمراض والأدواء، وهو الجهل. بدأ ببيان خطورة الجهل، والجهل داء قاتل، وشفاؤه أمران: في... في نعم، أمران في التركيب متفقان: نص من القرآن أو من سنة، وطبيب ذاك العالم الرباني، وطبيب ذاك العالم الرباني. هكذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في نونيته. فذكر رحمه الله تعالى وبينا أن علاج الجهل بماذا؟ بالعلم. وأن أصل العلم هو القرآن، وأن أصل العلم هو القرآن. الدواء الشافي من كل مرض، حسي أو مرض معنوي، من أمراض القلب أو أمراض البدن. ثم تكلم رحمه الله تعالى عن أسباب تخلف الشفاء. قد يستخدم العبد من الدواء فلا يجد الشفاء، يتخلف ويتأخر الشفاء. فذكر رحمه الله تعالى وتكلم عن أسباب تخلف الشفاء، لمعرفة كيفية التداوي بشكل صحيح موجب لزوال الأدواء. وضرب المثل على ذلك بالدعاء، الذي هو من أنفع الأدوية. فعالج في هذا السياق مسألة الأسباب، وقواعد إفضائها إلى مسبباتها، وساق الحديث إلى ما يوضح مسألة القدر، وأن القدر لا ينافي العمل والأخذ بالأسباب. ثم بين رحمه الله تعالى ما يترتب على الأعمال من الجزاء، من الجزاء، وارتباط كل من ذلك بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. أعمال الخير وإثابة العامل عليها هذا مرتبط بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله، وأعمال الشر فترتبط وتتعلق بمعصية الله عز وجل ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم. وأن هذه المسألة تعتبر من أشرف المسائل. وأخذ يعقب ويبين أن... يبين أنفع الطرق لمعرفة تفاصيل أسباب الخير والشر، جعل يبين ذلك. ثم تكلم في فصل هو يعتبر غاية في الأهمية عن بيان مغالطة النفس في تعاطي الأسباب، موضحاً حقيقة الاغترار بالنعم والغرور بظاهر الحال. فرق يا إخوان بين ماذا؟ ما يتعلق بالتحدث بالنعم وإظهارها، وبين الغرور الذي يصيب صاحبها، وأن هذا الغرور قد يكون من الاستدراج، وهكذا يعني إلى غير ذلك من التسويف الذي يقع فيه من يقع من أرباب المعاصي، من أرباب المعاصي. أيضاً بين بعد ذلك أخطر الأدواء والأمراض والأسباب الموجبة لكل شر في الدنيا والآخرة، وبين رحمه الله أنها المعاصي، أنها الذنوب والسيئات، الذنوب والسيئات. وعقد بعد ذلك فصلاً في أنفس ما كتب في بابه في بيان الأضرار القبيحة للمعاصي على القلب، وهكذا على البدن، وهكذا في الدنيا وفي الآخرة. وبين مراتب المعاصي وأنواعها ومفاسدها، وكيفية التوبة منها، وكيف يتخلص المسلم من تبعاتها، من تبعاتها. وماذا؟ أتبع ذلك بفصل بين فيه مداخل المعاصي على العباد، مداخل المعاصي على العباد. وماذا بعد هذا كله؟ يعني ذكر رحمه الله تعالى المقصود من دواء السائل، ذكر فصولاً تعالج شهوة القلب ومرضه، شهوة القلب ومرضه بالتعلق بغير الله عز وجل. يتعلق بالمحرمات والشهوات، يتعلق بالنساء والمردان، يتعلق بالخمور والمسكرات، إلى غير ذلك. فعقد فصلاً في بيان عظم مفسدة الزنا وما يتعلق به من أحكام. ثم عقد فصلاً آخر في بيان عظم مفسدة اللواط وفحشه، وبيان أحكامه وحدوده، وما يتبعه مما هو من جنسه من فواحش الفروج. ثم شرع في بيان المقصود، ألا وهي: طرق علاج العشق، بما يمنع من حصوله، من غض البصر، واشتغال القلب بما يصده عن العشق. واعقد... وعقد فصلاً في بيان أن محبة المحبوب الأعلى لا تجتمع مع العشق. من هو المحبوب الأعلى يا أبا تميم؟ قال: وعقد فصلاً في بيان أن محبة المحبوب الأعلى لا تجتمع مع العشق. نعم، أحسنت. تفضل يا أبا عبد الرحمن: الله عز وجل. المحبوب الأعلى لا تجتمع مع العشق. وهكذا أيضاً ذكر فصلاً عن خاصية التعبد ومراتب الحب، وهكذا فصلاً في أن العبودية أشرف مقامات العبد. وهكذا عقد فصولاً في المحبة وأنواعها ولوازمها، وأن كل صلاح في الدارين، في الدنيا والآخرة، متعلق بمحبة العبد لربه وخالقه. ثم بيّن الطريق الثاني في علاج العشق بالتخلص منه، فبيّن مفاسده وأضراره العاجلة والآجلة، العاجلة والآجلة. وذكر يا إخوان، وذكر يا إخوان مفاسد العشق: يعشق الشخص امرأة، يعني يحبها محبة غير طبيعية، يعشق بعضهم من المردان والأحداث. وذكر، وذكر العلماء قصة ذلكم الرجل الذي عشق ولداً، ولداً يقال له أسلم. ومن شدة تعلقه به مرض وتعب، سبب هذا العشق المحرم. فلما بشر بأن أسلم سيزوره، أسلم سيزوره، نقه من المرض، وقال ما قال: «أسلم يا راحة العليل، وشفاء القلب السقيم، ماذا لقاؤك؟» يعني بما معناه: «لقاك أشهى إلى فؤادي من رحمة الخالق الجليل، من رحمة الخالق الجليل». ثم شهق ومات، شهق ومات. ختم المصنف رحمه الله تعالى هذا الكتاب النافع بالكلام عن المحبة المشروعة وأنواعها، وبيان أن أعلاها هي محبة الخالق سبحانه وتعالى. ثم تكلم عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وبيان محبة كلام الله، وأنها من لوازم محبته سبحانه. وعقد فصلاً في محبة النسوان، وبيان العلاج الشرعي للعاشقين، وما يتبع ذلك. فهذه رحلة، وهذه لمحة مختصرة لما تضمنه هذا الكتاب النافع، وهذا ماذا؟ الكتاب المفيد، ألا وهو «الداء والدواء» للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وكما سبق، الكتاب له طبعات عديدة، من أحسنها طبعة دار عالم الفوائد التي أشرف عليها العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، وهكذا طبعة دار ابن الجوزي أيضاً، طبعة مفيدة قام بتحقيقها الشيخ علي بن حسن عبد الحميد. وهكذا بين يدي طبعة «سطور البحث العلمي» وهي تحقيق أبي عبد الرحمن نضال، أو نضال بن عبد الكريم بن موسى آغا البارازي، وهي كذلكم أيضاً تعتبر طبعة واضحة وطبعة مصححة ومحققة ومنقحة. فإن شاء الله عز وجل في الدرس القادم نبدأ في هذه الرسالة وهذا الكتاب، وجعلت هذا المجلس توطئة وتمهيداً للدخول في هذا الكتاب، لكي يستعد الإخوة بالكتب. الكتاب مفيد يا إخوان، ويعتبر من أنفس الكتب التي يقتنيها طالب العلم، وكم يستفيد الطالب إذا حضر ومعه كتاب، فإنه يستفيد جداً وينتفع، هو بالكتاب ما بقي حياً، وينتفع به أهله وعقبه من بعده. فأسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر