الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 2، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشيخ الدرس بمراجعة كتاب "الداء والدواء" لابن القيم وأهميته، ثم يعرض مقدمة الكتاب المبنية على سؤال رجل ابتلي بمعصية العشق المحرم وتمكنت من قلبه، طالباً الحيلة لدفعها، ويربط الشيخ ذلك بواقع الشباب اليوم وسهولة الوصول للمحرمات عبر الوسائل الحديثة.
يتناول المقطع تفشي الإدمان على الأجهزة المحمولة وما تعرضه من محرمات بين جميع فئات المجتمع، وما يسببه من أمراض قلبية وبدنية مع علم المدمنين بضرره وعجزهم عن الإقلاع، ثم يبرز العلاج النبوي والقرآني المتمثل في غض البصر وحفظ الفرج، ويستفتح بكتاب ابن القيم مستدلاً بأحاديث أن لكل داء دواء لبث الأمل في النفوس.
يحذر المقطع من خطورة الإفتاء بغير علم في أمور الدين والدنيا، مستشهداً بقصة الرجل الذي مات اغتسالاً لجرح في رأسه لأن أصحابه أفوه بغير علم، ويؤكد أن الجهل داء وشفاؤه السؤال والتعلم، مستدلاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال».
يبرز المقطع فضل العلم على الجهل عبر قصة التائب الذي قتل مئة نفس، ويبين ابن القيم أن الجهل داء شفاؤه السؤال والقرآن، مستدلاً بآيات الشفاء والفرق بين (من) الجنس والتبعيض، ثم يسوق حديث أبي سعيد الخدري في رقية سيد الحي بسورة الفاتحة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك.
يذكر ابن القيم تجربته الشخصية في الشفاء بقراءة سورة الفاتحة على الأمراض حين عدم توفر طبيب، وينصح المريض بأن يقرأ على نفسه ويدعو لنفسه لأن دعاء المضطر أقرب للإجابة، مستشهداً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في تطييب خواطر الصحابة بأكله من الصيد ليبين الجواز.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد: مر معنا في الدرس الماضي الكلام حول المجلس الأول لكتاب عظيم ورسالة نافعة، ما اسمها؟ يا أبا طاهر: "الداء والدواء". الداء يعني المرض، والدواء يعني العلاج لهذه الأمراض. ولهذا الكتاب اسم آخر، فما هو؟ الجواب: "الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي". وهذا الكتاب لإمام عظيم من أئمة المسلمين، وعالم من علمائهم، فمن هو؟ نعم، لإمام شمس الدين أبي عبد الله ابن القيم، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وابن القيم هو محمد بن أبي بكر، واشتهر بابن القيم، وابن القيم الجوزية. قلنا: الجوزية هذه اسم ماذا؟ مدرسة كان يقوم عليها والده، أبوه، فقيل: ابن قيم الجوزية، أي: أبوه كان قائمًا ومسؤولًا على هذه المدرسة. ويختصر فيقال: ابن القيم. ابن القيم، وكتب ابن القيم كتب مفيدة نافعة وعظيمة في أبوابها، وكلامه يدخل إلى القلوب فيعالج ما بها من أمراض، وهكذا من عيوب. فجعل الله لهذا الإمام القبول، وجعل لكتبه الفائدة والنفع. وهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". العلم النافع هو من أعظم الأعمال التي يستمر نفعها لصاحبها ولو بعد موته. الصدقة الجارية قد تبقى مئة سنة أو مئتي سنة ثم قد تنتهي. الولد قد يعيش خمسين سنة، مئة سنة، أكثر من ذلك. لكن العلم النافع يستمر دهرًا، يستمر قرونًا، أزمنة مديدة. انظروا إلى علم الصحابة، وهكذا علوم التابعين وأتباعهم ومن جاء بعدهم، كأنهم بيننا أحياء. أين الشافعي؟ له منذ أن مات ما يزيد على الألف ومئتي سنة، وكأنه حي في أوساطنا. أين مالك، وأحمد، وسفيان، وابن المبارك، وحماد، وهكذا من جاء بعدهم؟ فالعلم النافع يعتبر من أحب الأعمال وأعظمها أجرًا، وأجرها مستمر ولو بعد موت صاحبها. ومن أعظم كتب الإمام شيخ الإسلام ابن القيم هذا الكتاب الذي بين أيدينا: كتاب "الداء والدواء". وقلنا له اسم آخر وهو "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي". وذكرنا بعضًا من ثناء العلماء على هذا الكتاب وعلى صاحبه. وسبق معنا في الدرس الماضي مقدمة وتمهيد لهذا الكتاب بذكر أهمية الكتاب وفائدته، وثناء العلماء على الكتاب وصاحبه أيضًا. أخذنا ترجمة مختصرة لصاحب الكتاب وهو الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى، وبعض الجوانب المتعلقة بما تضمنه هذا الكتاب. وحان الأوان للبدء بهذه الرسالة العظيمة، وهذا المؤلف الذي جعل الله فيه من البركة الشيء الكثير. وينبه على أمر يا إخوان، ألا وهو أهمية الإخلاص في مثل هذه الأعمال التي نفعها عظيم جدًا. هذا قد يكون دليلًا على إخلاص صاحبه، فالإخلاص له أثر كبير في العمل. العمل القليل مع الإخلاص يكون أجره وفائدته عظيمة، والعكس بالعكس: أعمال عظيمة فقدت الإخلاص كانت صغيرة وحقيرة ووبالًا على صاحبها: "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا، هباء منثورًا". قال رحمه الله تعالى: "بسم الله الرحمن الرحيم". هكذا جاء في بعض النسخ: إثبات البسملة، إثبات البسملة. وزيادة في بعض النسخ بعد البسملة: "ربي يسر يا كريم، ربي يسر يا كريم". وفي بعضها: "ربي يسر وأعن يا حميد". قال: "سئل شيخ الإسلام أبو عبد الله محمد بن أبي بكر الشامي، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته". فقال السائل - وقال السائل: "ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، رضي الله عنهم أجمعين" - وهذا من باب الدعاء، أي: اللهم ارضَ عنهم أجمعين - "في رجل ابتلي ببلية، ابتلي ببلية، أي: بمعصية من المعاصي، أي: بمعصية من المعاصي. قال: ابتلي ببلية، وعلم أنها إن استمرت به أفسدت عليه دنياه وآخرته، وقد اجتهد في دفعها عن نفسه بكل طريق، فما تزداد إلا توقدًا وشدة، إلا توقدًا وشدة. قال: فما الحيلة في دفعها، والطريق إلى كشفها؟ فرحم الله من أعان مبتلى، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". وهذا قد جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم. قال: "أفتونا مأجورين، رحمكم الله ورضي عنكم، وختم لنا ولكم بخير". وهذا السؤال الذي بني عليه هذا الكتاب، الذي بني عليه هذا الكتاب، وكان سببًا في تأليف الإمام ابن القيم لهذا الكتاب المبارك، هو أن رجلًا ابتلي ببلية. وكما سبق أن البلية المراد بها هنا معصية عظيمة لله تبارك وتعالى. هذه المعصية تجذرت في قلبه وتمكنت، وتمكنت في نفسه، وهو يعرف خطرها عليه ويعلم عظم مضرتها، لكنه يريد الخلاص منها، يريد أن يتركها، لكن نفسه تأبى ذلك، نفسه تأبى ذلك. والسائل لم يذكر ما هي هذه المعصية التي ابتلي بها، لكن يظهر من سياق الكلام وتتمته أن هذه المعصية هي معصية العشق المحرم، معصية العشق: القلب يتعلق ويحب محبة محرمة. فسأل هذا المبتلى سؤالًا طالبًا من يعينه بأن يدله على ما يكون فيه الخلاص والبعد عن هذه البلية، وذكر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". يعني: إذن هو طالب المعونة، وماذا؟ سائل عن الطريقة التي يستطيع من خلالها أن يتخلص من هذه البلية وهذه المعصية. ولاحظوا أحبتي في الله كيف أن هذه المعاناة التي أشير إليها في سؤال السائل، هذه المعاناة التي أشار إليها السائل في سؤاله، هي اليوم معاناة الكثير من الناس في زماننا هذا. يعانون من هذه المصيبة وهذه المعصية، ولا سيما شريحة الشباب، ولا سيما شريحة الشباب. وخاصة الذين ابتلوا بهذه الأجهزة الحديثة من آلات الفضائيات والشاشات، وهكذا الجوالات وغيرها من الوسائل الحديثة، بالنظر الحرام، وهكذا تلبي الشهوات المحرمة. وهذا الباب يا إخوان، كما قيل في زماننا هذا، انفتح على مصراعيه أكثر من غيره من الأزمنة. كنا في سنوات الأجهزة التلفزيونية لا تعرض إلا أشياء فيها شيء من المحافظة، ليس فيها ذاك العري ولا ذاك التفحش، وهكذا هي باللون الأبيض والأسود، يمل الشخص من مداومة النظر إليه. لكن اليوم يا إخوان أصبح الخطر أعظم، ومظاهر الشر والفساد أصبحت أكثر: مظاهر التبرج والعري، وهكذا الفواحش وغيرها أصبحت تعرض ليل نهار، وهكذا تعرض بلا حياء ولا خوف من الله عز وجل ولا من خلقه. وأصبح الوصول إلى هذه المحرمات أصبح من أسهل ما يكون عبر فضائيات: تخيل ريموت بيد صاحبه يقلب، ولربما يجد بعض القنوات يسمونها مشفرة لا تدخل إلا باشتراك. وهكذا جوال بيد صاحبه، بلمسه أو ضغط على زر وكتابة بعض الألفاظ يأتي لك بالبلاء والشر من أسقاع الدنيا وأنحاء المعمورة، أنحاء المعمورة. أصبح الكثير من الناس ليسوا رجالًا فقط، بل ونساء، ليسوا كبارًا فحسب، بل وصغارًا، أصبحوا ضحية، ضحية هذه الأجهزة وما يعرض فيها من شر وفساد. حتى أصبح بعضهم يطلق على نفسه أنه مدمن، قد وصل إلى درجة الإدمان، ما يستطيع يصبر عن النظر وعن متابعة مثل هذه الشرور وهذه الخبائث. تمر الساعات على بعضهم مع الشاشة أو بين يدي الجهاز وهو لا يشعر بها. تخيل: من بعد العشاء إلى قبيل الفجر يسهر، من يسهر من الشباب والشابات والصغار والكبار على هذه الأجهزة، على هذه الأجهزة والأجهزة. ولو انقطع على أحدهم النت فيصاب بمصيبة، فيصاب بمصيبة، قد يخرج في ساعة متأخرة من الليل لكي يحمل رصيدًا ويعبي نتًا، إلى غير ذلك من هذه الأحوال التي يرثى لأصحابها. نسأل المولى عز وجل لنا ولهم جميعًا العافية. ولاحظوا يا إخوان: من ابتلي بهذا الشر، أي: بالنظر إلى الحرام وتعلق قلبه بمتابعة الحرام، جلهم إن لم يكن كلهم يعلم أحدهم أنه لا ينال من هذا النظر المحرم إلا ماذا؟ إلا التعب والشقاء. وهكذا لا ينل إلا ماذا؟ إلا مرض القلب. قلبه يمرض حين أن يتابع وحين أن يشاهد. يعلم الجميع أن ذلك شر ودمار وهلاك، ومع هذا كله تجده يستمر في ذلك. نعم، أكثرهم يريد أن يتخلص من هذا، لا سيما من كان عنده إيمان وخوف ومراقبة وضمير يؤنبه، يريد أن يتخلص من ذلك لكي يطهر قلبه وتزكو نفسه. لكن ماذا؟ الكثير منهم لربما لا يستطيع ذلك، لا يستطيع ذلك. وجواب ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم ليس خاصًا بهذا السائل، وإنما هو يعتبر علاجًا لهذه الأمراض التي عظمت في زماننا هذا أكثر من غيره من الأزمان، والتي كما سبق ولدتها هذه الأجهزة الحديثة المدمرة، فهيجت الشهوات، وهكذا حركت الرذائل والمحرمات. فأصبح لسان حال بل ولسان مقال الكثير منهم: "ما الحيلة في دفعها، وما الطريقة في كشفها والتخلص منها؟". والجواب عن هذه الأسئلة فيما تضمنه هذا الكتاب النافع. ومن هنا تبين لنا جميعًا أهمية القراءة في مثل هذا الكتاب، وماذا؟ لنهتدي جميعًا إلى الصواب والرشاد. وكذلك أيضًا ينفع الواحد منا نفسه، وهكذا يكون نافعًا لغيره. اليوم يا إخوان حتى طلاب العلم ما سلم الكثير منهم من هذه الأضرار التي اجتمعت عليها هذه الأجهزة: يتابع أفلامًا، يتابع أفلامًا تركية، يجل الساعة تابع أو ساعتين، يتابع عثمان وغيره. البعض يتابع أفلامًا كرتونية، قال: علم وقته ثمين ويحتاج أن يجعل قلبه فيه من الصفاء والنقاء لكي ينبت العلم والإيمان. بل البعض لربما يجلس في الدرس ويفتح الجهاز والمدرس يدرس وهو يتابع أشياء وأمور، يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله عز وجل. إذن يا إخوان الحاجة ماسة إلى مطالعة مثل هذه الكتب النافعة، ولا سيما كتاب "الداء والدواء". وربنا عز وجل أدبنا بأدب عظيم فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية. ولاحظوا ارتباط البصر بالفرج: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، وهكذا يا معشر الشباب: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ﴾. النظر إلى الحرام يا إخوان يثير شهوة الفروج، كما أن السمع يعتبر أسرع وأقرب بوابة إلى القلب، أسرع بوابة إلى القلب هو السمع، وأشد حاسة تؤثر على الفرج هي العين والبصر. ولهذا أمرنا ربنا عز وجل أن نحفظ أبصارنا، وهكذا أيضًا ماذا؟ أن نحفظ فروجنا، أن نحفظ فروجنا. وما أقبح يا إخوان حال الإنسان وهو يقلب عينيه في المحرمات. ورحم الله الإمام القحطاني إذ يقول في نونيته: "إن الرجال الناظرين إلى النساء ... مثل الكلاب فطوف باللحمان". قال: "إن الرجال الناظرين إلى النساء، ما حالهم؟ قال: مثل الكلاب، ما لها؟ قال: تطوف باللحمان. يا ليتها أكلت، وإنما محرومة من تناول هذه، من تناول هذه اللحوم". فلهذا يا إخوان بهذه المقدمة يتبين لنا جليًا أهمية ماذا؟ مدارسة وقراءة مثل هذه المواضيع التي تضمنتها هذه الكتب النافعة، ومنه كتاب الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "قال: فأجاب الشيخ الإمام العالم شيخ الإسلام مفتي الفرق، وفي بعضها: مفتي المسلمين، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، إمام المدرسة الجوزية بدمشق المحروسة، رضي الله عنه، قائلًا: الحمد لله. ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء". ما أنزل الله داء، أي: مرض، داء إلا أنزل له شفاء، يعني: علاج يؤدي إلى الشفاء من ذلكم الداء. قال: وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لكل داء دواء، فإذا أُصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل". برأ يعني: شُفي من ذلكم المرض، لكن ماذا؟ بإذن الله عز وجل. قال: وفي مسند الإمام أحمد من حديث أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله، إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه وجهله من جهله". وآذ الحديث كما ذكر في مسند أحمد، وحسنه جماعة وصححه جماعة من أهل العلم، منهم العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال: وفي لفظ: "إن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو دواء، إلا داء واحد، إلا داء واحد". قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: "الهرم". ومعنى الهرم يعني: كبر السن، العجز، الشيخوخة، والضعف الذي يهجم على الإنسان إذا طال به العمر، طال به العمر. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال ابن القيم: وهذا يعم أدواء القلب والروح والبدن وأدويتها. وافتتاح ابن القيم رحمه الله تعالى جوابه وكتابه بهذا الحديث يعتبر من حسن الاستفتاح. لماذا؟ لأنه بذكره لهذه الأحاديث يفتح أبوابًا للأمل ورجاء الشفاء من هذه الأمراض، من هذه الأمراض. لاحظوا كيف أنه يبعث في القلب النشاط، وهكذا أيضًا الهمة في بذل الأسباب للعلاج من هذه الأمراض. كم من الناس يا إخوان أمام هذه الأمراض يصاب باليأس والإحباط، ويصاب بالقنوط؟ فحين أن يذكر بمثل هذه الأحاديث فيدخل إلى القلب الأمل، وهكذا النشاط، وأنه ممكن أن يتغلب على هذا الداء ويتحصل على الدواء، فيكون الشفاء بإذن الله عز وجل، يكون الشفاء بإذن الله عز وجل. وآه، ماذا؟ كم من أهل البلاء من ابتلي بسوء الظن، وكما سبق: اليأس، يظن أنه لن يشفى ولن يتخلص من هذه الأدواء، من هذه الأدواء. فيأتي مثل هذه الأحاديث الشريفة وهذه الكلمات النافعة فتكون بلسمًا على جرح، وهكذا دواء لداء، لربما بقي عند صاحبه سنين عديدة وأزمنة مديدة، وأزمنة مديدة. ونبه رحمه الله تعالى بذكره لحديث أسامة بن شريك رضي الله تعالى عنه بأن أحيانًا قد يستخدم المريض الدواء لكنه لا يصلح لهذا الداء، يتناول دواء لكنه لا يتناسب مع هذا الداء، فلا ينتفع المريض بهذا الدواء. وأحيانًا يستخدم الدواء الذي يناسب هذا الداء لكن هناك ما يكون سببًا لضعف مفعول هذا الدواء. كيف ذلك؟ استخدم الدواء وفي نفسه أنه لن ينفع، يقول: "ما سينفع هذا". طيب، استخدم لعله ينفعك، يقول: "يا أخي ما سينفع هذا". قد يستخدم الدواء فلا ينتفع به صاحبه لضعف نفسه، لضعف نفسه. وهكذا أيضًا، وهكذا أيضًا قد يستخدم الدواء فلا ينتفع به، لماذا؟ لعدم صحة، أو نعم، عدم صحة الاستعمال. فلربما يستعمل جرعة أكثر أو أقل، أو في أوقات ليست بمناسبة، إلى غير ذلك. وقوله كذلك أيضًا: "علمه من علمه وجهله من جهله". هذا يا إخوان يدلنا على أن باب الطب قد يقع فيه أخطاء، قد يقع فيه أخطاء، فيصف الطبيب علاجًا غير صحيح فيضر بدلًا من أنه ينفع. وهذا ليس في علاج الأمراض البدنية فحسب، بل أحيانًا في علاج الأمراض المعنوية: أمراض القلوب والروح. وماذا؟ فتجدوا من يتكلم في أمور الدين وهو ليس عنده علم بذلك، وهذا من أخطر ما يكون. فربنا عز وجل يقول في بيان المحرمات بعد أن ذكر جملة منها وذكر الشرك: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. مصيبة يا إخوان: اليوم انتشرت عند الكثير من الناس، تجد أن أمور الدين يتكلم فيه من هب ودب، الكل يريد أن يتكلم في الدين وأن يدلي برأيه، وأن يدلي برأيه، ولا يعلم أن من أعظم الكذب الكذب على الله عز وجل، أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، وهكذا. لربما تكلم بغير علم، فهذا من أخطر ما يكون. بينما في أمور الدنيا قد يخجل الشخص يوم أن يتكلم فيها بغير علم: مزارع يعمل في مزرعة إذا تكلم في أمور الطب والأدوية لربما سخر منه الناس، قالوا: وما علمك بهذا؟ طيب، طبيب يتكلم في لربما الهندسة وغيرها قد ينكر عليه. لكن للأسف يا إخوان أصبح الكلام في الدين ماذا؟ في متناول الجميع. وقد ألف شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا حافلًا نافعًا سماه "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، عن رب العالمين، ذكر فيه جملة مما يبين فيه أهمية العلم وأن لا يقول الشخص على الله إلا بعلم. وإذا لم، وإذا لم يعلم فيقول: الله أعلم، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. فماذا ينبغي على الإنسان؟ أن لا يتكلم إلا بعلم ودراية. قال: قال رحمه الله تعالى. وهنا جعل يبين رحمه الله تعالى... نعم تفضل. ثم بعد ذلك أخذ يبين رحمه الله تعالى خطورة الجهل على صاحبه، وأن من أعظم هذه الأدواء والأمراض هو مرض الجهل الذي يحتاج إلى شفاء، وشفاؤه يكون بآية السؤال والتعلم، والتعلم. قال رحمه الله تعالى: "قال: وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الجهل داء، وجعل دواءه سؤال العلماء". فروى أبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله قال: "خرجنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، فشجه في رأسه". والشج هو عبارة عن ضرب الرأس، الضربة التي تكون في الرأس تسمى شَجًّا، إذا جرح الرأس وشق وسالت منه الدماء. ثم قد يستعمل في غيره، لكن الأصل أنه في إصابة الرأس. قال: "فأصاب رجلًا منا حجر فشجه في رأسه، قال: ثم احتلم". أي: ذلك الرجل. وإذا احتلم يا إخوان ماذا عليه؟ إذا احتلم ماذا عليه؟ نعم، عندك: إذا احتلم ماذا يجب في حقه؟ أن... نعم، أحسنت: إذا احتلم وجب عليه أن يغتسل. وصاحبنا ماذا في رأسه؟ في رأسه جراحة، في رأسه جرح. قال: "ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء". فماذا فعل؟ قال: "فاغتسل، فمات، فاغتسل فمات". قال: "فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك". وكونه أخبر بذلك هذا يا إخوان يدل على أنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم الغيب، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء. قال: "أخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيب السؤال، فإنما شفاء العي...". ما هو العيب؟ ما هو العيب؟ فإنما شفاء العي السؤال. يا أبا الفاروق: الجهل، الجهل، الجهل. هكذا جاء في النهاية لابن الأثير، وهكذا في لسان العرب لابن منظور وغيرها: أن العيب، بكسر العين، هو الجهل، هو الجهل. ومعنى ذلك: أن الجهل داء، أن الجهل داء، وشفاؤه السؤال والتعلم. قال: "ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العيب...". إذن العيب: الجهل، مرض وداء، وشفاؤه ماذا؟ السؤال. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: "إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده، ويغسل سائر جسده". وهذا الحديث عند أبي داود وغيره، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، إلا ما كان في آخره من الجمع بين التيمم والمسح على الجبيرة، والمسح على الجبيرة، فهذا ضعفه جماعة من أهل العلم. أما ما قبله من قصة الرجل وما حصل له مع أصحابه وأنه اغتسل فمات، وقوله عليه الصلاة والسلام: "قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال"، هذا في الحديث يعتبر ثابتًا، يعتبر ثابتًا. وقد كما سبق حسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى معلقًا على هذا الحديث: "قال: في هذا الحديث من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم". نبي صلى الله عليه وسلم عاب عليهم الفتوى بغير علم. قال: "وألحق بهم الوعيد بأن دعا عليهم، وجعلهم في الإثم قتلة له، قتلة له". وهذا يا إخوان فيه خطورة الفتوى بغير علم، بغير علم. وإذا كان هذا يا إخوان وقع في مجتمع الصحابة وهو أفضل المجتمعات وأهله هم خير الناس وأعلمهم، فما بالك بهذه الأزمنة المتأخرة، بهذه الأزمنة المتأخرة؟ النساء تفتي، النساء قد تترك المرأة الصلاة بناء على فتوى جارتها أو فتوى أختها أو غير ذلك، أو غير ذلك. وهكذا الشباب: البعض يفتي البعض الآخر في مسائل عويصة وأمور عظيمة، وأمور عظيمة. فمثل هذا يقع الضرر به كثيرًا، فيضر أو يضر أكثر مما ينفع، أكثر مما ينفع. ولهذا يا إخوان: آما ذا نتكلم بغير علم؟ أضر أكثر مما نفع، أكثر مما نفع. وفي حديث أبي سعيد الخدري في قصة الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفسًا ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على عابد، يعني: رجل من عباد بني إسرائيل، لا علم عنده. فسأله، وذكر أنه قتل مئة نفس، فهل له من توبة؟ استعظم الراهب جريمة القتل، ليس نفسًا ولا نفسين، وإنما تسعًا وتسعين نفسًا. قال: لا. فبادلنا: اسأل من هو أعلم منك. راعي حالة هذا التائب. قال: لا. فماذا فعل؟ فكمل به المئة، لأنه أصبح من عادته القتل ولا يبالي قتله. لكن لا يزال يبحث عن التوبة، فدل على عالم. فقال له: إنه قتل مئة نفس، تسعًا، تسعًا وتسعين زائدًا من الراهب، مئة نفس. قال: فهل من توبة؟ قال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فماذا فعل به القاتل؟ هل قتله؟ الجواب: لا. ذاك جهله أدى إلى قتله، وهذا علمه أدى إلى نجاته، أدى إلى نجاته. والجهل داء قاتل، وشفاؤه أمران في التركيب متفقان: نص من القرآن أو من سنة، وطبيب ذاك العالم الرباني. العالم الرباني يا إخوان هو الذي يعالج، هو الذي يداوي، هو الذي يحسن ماذا؟ وضع الدواء على الداء بما أعطاه الله عز وجل من العلم. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال: فأخبر، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، أن الجهل داء، وأن شفاءه السؤال، وأن شفاءه السؤال". ثم بين رحمه الله تعالى بعد، بعد أن تكلم على داء من أعظم ماذا؟ الأمراض، وهو الجهل، أخذ يبين ما يتعلق بالشفاء، فذكر القرآن وما فيه من العلاج، وما فيه من الشفاء الذي جعله الله تعالى فيه. قال رحمه الله تعالى: "قال: وقد أخبر الله سبحانه عن القرآن أنه شفاء، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين. قال: ومن هاهنا لبيان الجنس لا للتبعيض، فإن القرآن كله شفاء، كما قال في الآية الأخرى، كما قال في الآية الأخرى، وماذا؟ كأنه يريد قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، هو خير مما يجمعون. وما هو الفرق بين "من" التي هي لبيان الجنس والنوع، وبين "من" التي هي للتبعيض؟ يا أبا صالح: ما هو الفرق بينهما؟ نعم، ما هو الفرق بينهما بين "من" "من"؟ تقول: كما في الآية، الله عز وجل يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، هنا "من" لبيان الجنس والنوع، أي: أن كل القرآن يعتبر شفاء. لكن "من" التي هي للتبعيض تعني تدل على البعض وليس على الكل. تقول: أكلت من هذه الصحفة، يعني: أكل بعضها. وضابط "من" التبعيضية ماذا يا أبا أحمد؟ يعني: يصلح أن يحل محلها ماذا؟ شيء، بعض. طيب. وهذا ليس هو المقصود: الجنس يعني النوع، أي: نوع هذا الشيء. قال: "من" التبعيضية التي يصلح أن يحل محلها كلمة "بعض"، فهذه تبعيضية. وهنا ماذا؟ التي وردت في الآية هي لبيان الجنس، أي: أن كل القرآن يصلح أن يكون شفاء. نعم، نعم، التي تفيد العموم هي هذه التي هي لبيان الجنس. طيب، والمقصود بالجنس: أي النوع، أي نوع هذا الشيء. قال رحمه الله تعالى: "قال: فهو شفاء للقلوب، أي: القرآن شفاء للقلوب من دائي الجهل والشك والريب: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال: فلم ينزل الله سبحانه من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع، في بعضها: ولا أنجح، في إزالة أدواء من القرآن، في إزالة أدواء من القرآن. وكون القرآن شفاء يعم الأمراض الحسية، وهكذا الأمراض المعنوية: أمراض القلوب والأرواح. فمن كان عنده حمى ممكن يرقي نفسه فيشفى بإذن الله، عنده صداع، عنده ألم في الكلى، عنده إلى غير ذلك. وهكذا أيضًا الأمراض المعنوية، الأمراض المعنوية، فكذلك أيضًا ماذا؟ يعالجها القرآن". قال رحمه الله تعالى: "قال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد، وهو الخدري، ما اسمه يا أبا تميم؟ أبو سعيد الخدري، ما اسمه؟ الله أعلم. أحسنت، أين أبو سعيد؟ سافر. طيب، صلاة، يرده. ما اسمه؟ أبي سعيد الخدري، صالح، سعد بن... ابن... ابن سنان، يعني: ابن مالك بن سنان، سعد بن مالك بن سنان". قال رحمه الله تعالى: "قال: وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد، من حديث أبي سعيد، قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، على حي من أحياء العرب. قال: فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، يعني: طلب الصحابة من أهل الحي حق الضيافة، فأبى أهل ذلكم الحي أن يضيفوا هؤلاء الرجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلدغ سيد ذلك الحي، لدغ، ما معنى لدغ؟ ما معنى لدغ؟ أحسنت: لسعته حية. فماذا؟ فدخل سمها إلى جسمه. قال: فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، استخدموا علاجات كثيرة، ما نفعه منها شيء. قال: فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عند بعضهم شيء. قال: فأتوهم، فقالوا: أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، أي: لدغته حية ثعبان، وسعينا له بكل شيء، لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء علاج، معكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم، والله إني لأرقي، ولكن والله استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلًا، أي: حتى تجعلوا لنا أجرة على هذا الأمر. فماذا قال؟ فصالحوهم على قطيع من الغنم، على قطيع من الغنم. قال: فانطلق يدفل عليه، يدفل: أي يلقي من ريقه على موضع الألم. قال: ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، يعني: سورة الفاتحة، أعظم سورة في القرآن، كما في حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه. قال: فكأنما نشط من عقال، أي: قام كأنه لم يصب بشيء. قال: فانطلق يمشي وما به قلبة، وما به قلبة، أي: ليست به علة وليس به مرض. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، أي: أعطوهم القطيع من الغنم. قال: فقال بعضهم، أي: بعض الصحابة: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا نفعل حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر بماذا يأمرنا. قال: فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال: أي: للراقي، وما يدريك أنها رقية؟ أنها رقية. وهذا فيه إقرار من النبي صلى الله عليه وسلم له. ثم قال: قد أصبتم، أي: في فعلكم، اقتسموا، واضربوا لي معكم سهمًا. وضحك النبي صلى الله عليه وسلم. ولماذا طلب منهم أن يضربوا له سهمًا؟ هل طمعًا في الغنم؟ الجواب: لا. إذن ما هو السبب يا أبا عبد الرحمن؟ أحسنت: تطيبًا لخواطرهم. وقد مر معنا في قصة أكله عليه الصلاة والسلام من الحمار الوحشي الذي صاده أبو قتادة، فهل بقي معكم منه شيء؟ قالوا: نعم، أخرج له رجل، فماذا؟ فأكل منها، تطيبًا لخواطرهم، ولكي يطمئنوا ويتيقنوا أن هذا جائز مباح وليس فيه شيء. قال رحمه الله تعالى: "فقد أثر هذا الدواء في هذا الداء وأزاله حتى كأن لم يكن. قال: وهو أسهل دواء وأيسره، ولو أحسن العبد التداوي بالفاتحة لرأى لها تأثيرًا عجيبًا في الشفاء". وهذا تنبيه مهم يا إخوان: أن شخص إذا أحس بوجع وألم، أحس بضيق، أنه يقرأ على نفسه سورة الفاتحة، سورة الفاتحة، ويستشعر عظيم النفع الذي يجعله الله عز وجل فيها، يقين، انظر إلى النتيجة التي تقع. قال: "وقد مكثوا"، ابن القيم يقول: "وقد مكثوا بمكة مدة تعتريني أدواء، أي: أمراض، ولا أجد طبيبًا ولا دواء. قال: فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا. قال: فكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا، فكنت أصف ذلك، أي: العلاج، وهو قراءة سورة الفاتحة، لمن يشتكي ألمًا. قال: فكان كثير منهم يبرأ سريعًا، أي: يشفى سريعًا من هذا المرض بمجرد ماذا؟ بمجرد قراءة سورة الفاتحة على الوجع". ومما ينبه عليه يا إخوان: أن المريض ينبغي أن ماذا؟ أن ينصح بأن يقرأ على نفسه، وأن يدعو لنفسه. يأتي واحد يقول: انظروا لي شخص يقرأ عليه. يقول: لماذا لا تقرأ أنت على نفسك؟ فقد يكون بسبب ما عندك من ألم ووجع يكون أثر القراءة أبلغ وأنفع، فينصح بذلك، فينصح بذلك. وهكذا كما سيأتي معنا في باب الدعاء: بعض المرضى إذا زاره بعض الناس يقول: ادعُ لي. لا، أنت ادعُ لنفسك، لأنك مضطر، وفي قلبك من الألم والوجع ما يجعل دعاءك لله عز وجل دعاء المضطر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. فتقول له: أنت أحوج أن تدعو لنفسك. ثم أنت إذا ذهبت لا بأس، تدعو لأخيك بظهر الغيب، تدعو لأخيك بظهر الغيب. فهذا مما ينفع بإذن الله عز وجل. يأتي معنا في الدرس القادم تتمة الكلام حول ما يتعلق بهذا الفصل وما بعده. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.