شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 48

شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 48

الدرس في شرح كتاب ضوابط الجرح والتعديل 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكم تجهل الأئمة للمشهورين ومعنى المجهول

يبيّن المقطع أن تجهل إمام لإمام مشهور لا يضر الأخير إذا عرفه غيره، مستشهداً بتجهل ابن حزم للترمذي والبغوي والصفار مع شهرتهم، ويعزى ذلك لاختلاف الاطلاع الجغرافي أو الوهم أو عدم وصول الكتب، ويوضح السخاوي أن قول أبي حاتم "مجهول" لا يعني الانفراد بالرواية بل قلة الشهرة.

معنى إطلاق أبي حاتم لكلمة مجهول والفرق بين مجهول العين والحال

يشرح المقطع أن إطلاق أبي حاتم "مجهول" على راوٍ لا يعني بالضرورة أنه مجهول العين (لم يروِ عنه إلا واحد)، بل قد يكون مجهول الحال (لم يُعرف حاله من ثقة أو ضعف رغم رواية الجماعة عنه)، ويبين أن سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الراوي لا يعد توثيقاً ولا جرحاً بل يبقى أمره محتملاً يُرجع فيه إلى أقوال أهل العلم.

منهج الجرح والتعديل وحكم الرواة المستورين وجهالة التعيين

يشرح المقطع منهج الأئمة كالبخاري وابن أبي حاتم في توثيق الرواة، مبيناً أن سكوتهم عن جرح راوٍ لا يعني توثيقه بل يعتبر مستوراً ما لم يوثقه غيرهم من الأئمة المعتبرين، مع رد اعتماد توثيق ابن حبان لأصله في العدالة، كما يفصل في مفهوم جهالة التعيين عند قول الراوي "حدثني فلان أو فلان"، مشيراً إلى أن الحجة تقوم إن كانا ثقتين وإلا فلا حجة لاحتمال كون المخبر هو المجهول.

التعامل مع الشك في راوي الحديث

يشرح المقطع كيفية التعامل عند الشك في راوٍ للحديث: إذا كان الراويان ثقتين فلا إشكال، أما إذا كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً أو مجهولاً فيتوقف قبول الحديث حتى يأتي ما يؤيده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: قد يقع التجهيل من إمام في حق أئمة مشهورين، فلا يضرهم ذلك شيئا. تقدم أنه إذا جهل رجل من أئمة آخر وعرفه الآخرون، فليس في شيء. فهذا علي بن المديني رحمه الله في أكثر من واحد يقول: لا يعرفه، لكن يعرفه أحمد، يعرفه ابن معين، وكذا. فلذلك، إذا لم يعرفه مثل هؤلاء الأئمة وعرفه غيرهم، فليس في شيء. حتى ابن معين رحمه الله، مع أنه من أوسع العلماء في معرفة الرجال، إلا أنه كما تقدم: إذا لم يعرف الرجل وعرفه غيره، فهذا يكون هذا الشخص ثقة على ما عرفه به العالم الآخر. لأن الإنسان مهما كان اطلاعه، لا بد أن يخفى عليه الناس. إن كان هو مطلع على أهل مثلا بلدته وما جاء ورائهم مثل أهل العراق، وكذا قد يخفى عليه بعض الرجال الذين هم بعيدون عنه كأهل خراسان وغيره. قالوا: من ذلك أن أبا محمد بن حزم قد قال في كل من أبي عيسى الترمذي وإسماعيل بن محمد الصفار: مجهول. وقد علق الحافظ ابن كثير على تجهيل ابن حزم للترمذي بأن جهالته له لا تضع من قدره عند أهل العلم، بل وضعت من منزلة ابن حزم عند الحفاظ. ومسألة تجهيل ابن حزم للترمذي: هذا بعض العلماء أقر بهذا، وبعضهم يقول: لعل ابن حزم ظنه رجلا آخر، لأنه قد ذكره في موضع في المحلى، ذكر سنن الترمذي في موضع في المحلى ظاهر في الجنائز. فإن كان قد ذكره، كيف سيقول أنه مجهول؟ وبعضهم يقول - وهذا قاله الحافظ ابن الصلاح وغيره -: إن سنن الترمذي ما دخلت الأندلس إلا بعد موت ابن حزم. سنن الترمذي ما دخلت الأندلس إلا بعد موت ابن حزم. لكن هذا القول يدل على أنه يجهله. فالترمذي يعتبر من المشهورين، خاصة نقله عن البخاري، أنه استفادوا في نقله عن البخاري وعن الدارمي. وابن حزم مكانته في علم الحديث قوية، عنده علم بالرجال، وعنده علم أيضا بعلم الحديث. فمعناه قد يقال: من غير المعقول أن ابن حزم لا يعرف الترمذي، لا يعرف الترمذي إلا كما قلنا أنه ظنه آخر، أنه ظنه آخر. والترمذي قد جهل كثير من الناس. وهذا إسماعيل بن محمد الصفار وهو حافظ، جهله الترمذي - أقصد: جهله ابن حزم. وكذلك أيضا جهل البغوي صاحب الجعديات، ابن حزم جهل البغوي صاحب الجعديات، عبد العزيز البغوي، مع أنه رجل من أهل الحديث ومعروف، وألف الجعديات عن حديث علي بن الجعد عن مشايخه عن شعبة وغيره. فهذا الرجل معروف من أهل الحديث، وإمام حافظ كبير، فجهله ابن حزم. قال الشيخ: مرة عدد شيخنا رحمه الله، شيخنا مقبل مع الطلبة، من جهله ابن حزم، فذكروا اثني عشر رجلا من المشهورين، من المشهورين الذين اشتهروا بالعلم والحفظ، فجهلهم ابن حزم. قال السادس: قول السخاوي في قول أبي حاتم: إن الرجل مجهول، لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد. بدليل أنه قال في داود بن يزيد: ثقة مجهول، مع أنه قد روى عنه جماعة. وقال: لذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات. يعني: أنه مجهول الحال، ليس معناه أن الإمام... أن الإمام أبا حاتم إذا لم يعرف حال الرجل يقول أنه مجهول، معناه: ما عرف حاله من ثقة أو ضعف، وما خبره، وما سبر حديثه، فيقول أنه مجهول، أي أنه لا يعلم حاله. ولهذا أطلقها على كثير ممن عرفهم العلماء. وقد تقدم معنى بعض الأمثلة التي ذكرها المؤلف. وقال السخاوي: إن إطلاق أبي حاتم «مجهول» لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد، أي أن إطلاقه عنده أوسع من ذلك، ومعناه: يشمل كلا النوعين: مجهول العين ومجهول الحال، وليس محصورا في مجهول العين. قال: ويحصل تحديد المراد بقول أبي حاتم «فلان مجهول» بالنظر في ترجمة ذلك الراوي: هل تفرد به؟ هل تفرد بالرواية عنه راو واحد، فيكون مجهول العين، أو روى عنه اثنان، فيكون مجهول الحال؟ معناه: هذا على المشهور، على المشهور. ولهذا تقدم معنى أن أبا حاتم قال في عباس بن الحسين القنطري: قال فيه مجهول، مع أنه قد وثقه أحمد بن حنبل، وأثنى عليه بخير، وقد روى عنه جماعة، وروى عنه البخاري رحمه الله، وكذلك موسى بن هارون الحمال، وهم من أئمة هذا الشأن. فلهذا فقد يغفل أبو حاتم عن معرفة الرجل فيقول أنه مجهول. قال السابع: من عادة الأئمة لا يطلق كلمة «مجهول» إلا في حق من يغلب على الظن كونه مجهولا لا يعرف مطلقا، والغالب أن هذا الإطلاق لا يصدر إلا من إمام مطلع. وأما إذا أراد الإمام أنه لا يعرف الرجل، فإنه يقول: «مجهول، لا أعرفه» أو «لا أعرف حاله». لكن تبين من كلام... معنى من فعل أبي حاتم أنه يطلق على من لا يعرفه، يطلق الجهالة على من لا يعرفه. قال الثامن: جميع من ضعف من النساء، إنما ضعفنا للجهالة. قال الحافظ الذهبي: ما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوهن، أن أكثر النساء التي لا يقبل حديثهن بسبب الجهالة. وقد يستنكر بعض الشيء في أحاديثهن، مثل ما قال البخاري في جسرة بنت دجاجة: «عندها غرائب وهي مجهولة». لكن عندها غرائب في أحاديثها. قال: لا يعتبر سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن توثيق الراوي وتضعيفه، توثيقا له ولا جرحا فيه. وهذه القاعدة منهج، وقد عمل بها بعض الأئمة كابن حبان وغيره، يقول: سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم. وبعضهم جعله جرحا، لكن الصحيح كما سيذكر المؤلف: أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، لأن أبا حاتم وكذلك البخاري لم يشترطوا أن يتكلموا في كل رجل، ومن لم يتكلموا فيه فمعناه أنه مجهول، لم يكن هذا عندهم. ولهذا ذكر أن البزاز العراقي أنه ذكر عن البخاري في التاريخ أنه قال: «كل من لم أبين فيه جرحا فهو على الاحتمال، كل من لم أبين فيه جرحا فهو على الاحتمال». وقال: «وإذا قلت فيه نظر فلا يحتمل». فدل هذا على أنه لا يؤخذ جرح ولا تعديل في هذا، ولا يؤخذ بالجهالة، بل هو محتمل، ينظر إلى كلام أهل العلم فيه. وقال: ويوضح ذلك ما يليه، قول الحافظ ابن حجر في كلامه عن يزيد بن عبد الله بن مغفل: قد ذكره البخاري في تاريخه، فسماه يزيد، ولم يذكر فيه هو وابن أبي حاتم جرحا، فهو مستور، فهو العالم مجهول، لكن ليس ما يعتبر جرحا، لكن يعتبر جهالة... أنا ما يعتبر جرحا. معناه: الآن الحافظ اعتبره جهالة، لكن ينظر إلى كلام أهل العلم فيه، ينظر إلى كلام أهل العلم فيه. قد يكون هذا مستورا عندهم، عند البخاري وعند أبي حاتم، لكن كما قال البخاري: هذا محتمل، هذا محتمل أنه معروف، ومحتمل أنه غير معروف. فلهذا فلا يؤخذ على سكوت البخاري وابن أبي حاتم عن الرجل أنه ليس بثقة، ولا أيضا يقال أنه مجهول، خاصة إن عرف أن هناك من وثقه. أما إذا لم يعرف أنه وثق، فهذا على جهالة، ليس فيه جرح ولا تعديل. قال: قول ابن أبي حاتم في بيان منهجه في كتاب الجرح والتعديل: «على أنا قد ذكرنا أسماء كثيرة مهملة من الجرح والتعديل، كتبناها ليستمل الكتاب على كل من روي عنه العلم، رجاء وجود الجرح والتعديل فيهم، فنحن ملحقونهم بهم من بعد إن شاء الله تعالى». ولهذا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم اجتهد في هذا الكتاب اجتهادا عظيما، وكان يقرأ على أبيه، حتى إذا دخل الحمام يقرأ عليه الأسماء، يقرأ عليه في الحديث. فلهذا اجتهد في هذا الباب اجتهادا عظيما، وجاء وأراد أن يكمل ما سلكه البخاري رحمه الله، أن البخاري هو أول من بدأ في هذا المعنى: الكلام على الرواة، الكلام على الرواة في التاريخ الكبير. فلما رآه أبو حاتم، والبزاز، قال لعبد الرحمن: «هؤلاء الذين ذكرهم البخاري، وكذلك رواة العلم، نتكلم فيهم بحسب ما نرى». ففعل عبد الرحمن، وأخرج هذا الكتاب العظيم، كتاب الجرح والتعديل. قال: قول ابن أبي حاتم... طيب. قال: ولذلك قال الحافظ ابن كثير في ذكرى لموسى بن جبير الأنصاري السلمي مولىهم، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئا من هذا ولا هذا، فهو مستور الحال. فقلنا: إنه يكون مستورا إذا لم يعرف من تكلم عنه غيرهما، وإلا الأصل: إذا لم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، فيعتبر مستورا عند البخاري وابن أبي حاتم. فإذا رأينا هناك توثيقا لغيرهما، يعتمد هذا التوثيق، يعتمد هذا التوثيق إذا كان من إمام معتبر. وأما ما ذكره ابن حبان، فابن حبان عنده قاعدة: أن الأصل في الناس العدالة، فلهذا كلام ابن حبان لا يعتبر به، لأنه خالف الأئمة في هذا الباب. قال: جهالة التعيين: أن يقول الراوي: «حدثني فلان أو فلان»، ويسميهما. فإن كان ثقتين، فالحجة قائمة بذلك. وإن جهلت حال أحدهما مع التصريح باسمه، أو أبهما، فلا حجة بذلك، لاحتمال أن يكون المخبر هو المجهول. من جهة التعيين، يعني: يقول: «حدثني فلان أو فلان»، ما يدري من الذي حدثه، هل هذا أو هذا، وقد سماهما. فإن كان ثقتين، فالحجة قائمة بذلك، إذا كان هذا ثقة وهذا ثقة، لا إشكال. لكن إن كان أحدهما ثقة والآخر مجهول لا يعرف، هنا لا حجة بذلك. قال: قال: الاحتمال أن يكون المخبر هو المجهول، هو المجهول، يعني: الذي أخبره بهذا. ولهذا الحديث هذه غالبا يحتاط لها، لأنها دين. فإذا شك الإنسان من الذي أخبره، هل فلان أو فلان، فينظر: فإن كان من ثقتين، فلا إشكال. وإن كان أحدهما ثقة والآخر ضعيف أو لا يعرف، وهنا يتوقف في هذا الحديث حتى يأتي ما يؤيده. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.