الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 8، ألقاها
يؤكد الإمام الصابوني على إثبات صفات الله تعالى كما وردت في القرآن والأحاديث الصحيحة بدون تشبيه أو تحريف. يُثبت السلف الصفات على الوجه اللائق بعظمة الله وجلاله.
يناقش تقسيم صفات الله تعالى إلى ذاتية وفعلية، مع التشديد على عدم تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين. يُوضح عدم التماثل بين صفات الله والمخلوقين في الكمال والنقص.
أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تبديل أو تشبيه أو تكييف، ويتفوضون علم كيفية الصفات لله تعالى. يؤمنون بأن الله تعالى لا يشبهه شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان إسماعيل الصابوني رحمه الله في كتابه «عقيدة السلف»: وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت به الأخبار الصحاح، من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين. بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرف العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر يستنكر، ويجرون على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولون في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قوله رحمه الله تعالى: «وكذلك يقولون في جميع الصفات»، أي: يثبتونها على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، إثباتًا من غير تمثيل، وتنزيهًا من غير تعطيل، بل تثبت الصفة على الوجه اللائق بالله تبارك وتعالى، اللائق بعظمته، اللائق بجلاله، اللائق بكبريائه، اللائق بأزليته، اللائق بكونه دائمًا سبحانه وتعالى، بأنه دائم، وأنه أزلي، وأنه الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء سبحانه وتعالى. قال: «التي نزل بذكرها القرآن ووردت به الأخبار الصحاح»، لأن باب الأسماء والصفات توقيفي، ومعنى كونه توقيفيًا: أنه لا يتعدى الكتاب والسنة، فلا نثبت لله تبارك وتعالى اسمًا إلا إذا أثبته ربنا تبارك وتعالى لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، فإن لم يكن كذلك، فنتوقف، لا نثبت الصفة ولا ننفيها، لماذا؟ لأن باب الصفات توقيف إثباتًا ونفيًا، فلا نثبت إلا ما أثبت الله، ولا ننفي إلا ما نفى الله، وما جاء به الكتاب والسنة أثبتناه، وما نفاه الكتاب والسنة نفيناه، وما سوى ذلك توقفنا في إثباته لله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «لأن العبرة بكون الخبر صحيحًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم»، وسواء كان ذلك الخبر صحيحًا بطريق آحاد أو بطريق متواتر، ما دام أنه ثابت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب الإيمان به، ويجب اعتقاده، ويجب أن يحمل ذلك النص الثابت على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحسن الوجوه، ويتقبل بالتسليم والانقياد والإيمان لذلك الخبر الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك وغيرها»، مثل قوله تعالى في السمع والبصر: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، والعين كما في قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، والوجه كما في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، والعلم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، والقوة كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، والقدرة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والعزة كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، والعظمة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، والإرادة كقوله تعالى: ﴿يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، والمشيئة كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، والقول كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، والكلام كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، والرضا كقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والسخط كقوله تعالى: ﴿بَلْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، والحب كقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾، والبغض كما جاء في الحديث القدسي في حديث أبي هريرة: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحبه»، وفيه: «وإذا أبغض الله عبدًا نادى جبريل: إن الله يبغض فلانًا فأبغضه»، والفرح كما جاء في الحديث القدسي في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا في قصة الرجل آخر من يدخل الجنة، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «فيضحك الرب تبارك وتعالى»، قال: «فيُدخله الجنة»، والضحك كما جاء في صحيح البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ضحك»، وفي رواية: «عجب من صنيعكما البارحة»، في قصة الرجل الذي أضاف ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: «وغيرها»، أي: وغيرها من الصفات التي ثبتت في كتاب الله تبارك وتعالى أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسواء كانت هذه الصفات من الصفات الذاتية أو كانت من الصفات الفعلية، من الصفات الذاتية: أي التي لا تنفك عن الله تبارك وتعالى، كالعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة إلى غير ذلك، أو من الصفات الفعلية التي يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، كالضحك والرضى والغضب والسخط وما شابه ذلك. لأن صفات الله تبارك وتعالى تنقسم باعتبار تعلقها بالذات إلى قسمين: إلى صفات ذاتية، وهي الصفات التي لا تنفك عن الله تبارك وتعالى بحال، كالعلم، كالوجه، كاليدين، كالقدرة، كالقوة، العظمة، وما شابه ذلك، وهذه من صفات الذات لا تنفك عن الله تبارك وتعالى بحال، ومن صفات الله تبارك وتعالى ما هي من الصفات الفعلية، ومعنى الصفات الفعلية: هي التي يفعلها الله تبارك وتعالى متى شاء كيف شاء سبحانه وتعالى، كالضحك، كالسخط، كالرضى، كالغضب، يفعلها ربنا تبارك وتعالى متى شاء. وأيضًا الصفات الذاتية باعتبار أُصولها وثبوتها تنقسم إلى قسمين: الصفات الذاتية باعتبار أُصولها وثبوتها انقسمت إلى قسمين: إلى ذاتية ومعنوية، وإلى ذاتية خبرية، الذاتية المعنوية: هي التي تُدرَك بالخبر وتُعقل، أي: يدركها كذلك العقل، مثل صفة العلم لله تبارك وتعالى، ثابت أن من صفات الله تبارك وتعالى العلم، والعقل كذلك يثبت هذه الصفة؛ لأنه لا يتصور أن يكون الرب تبارك وتعالى بإتقانه لخلقه وإيجادهم بهذا الوجه المتقن أن يكون من غير علم، فهذا يدلنا على أن ذلك صدر عن علم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. ومن صفات الله تبارك وتعالى الذاتية ما لا تدرك إلا بالخبر، ما لا تدرك إلا بالخبر: بمعنى أنه لولا الخبر لتوقفنا في إثباتها ولما علمناها، مثل الوجه، مثل اليدين، وما شابه ذلك، ويعبر عنه العلماء: ما كان بالنسبة للمخلوق أجزاء وأبعاض، هل تسمى صفات ذاتية خبرية؟ لماذا؟ لأنها لا تدرك إلا بالخبر، لا تدرك إلا بالخبر. وكذلك الصفات الفعلية باعتبار ثبوتها أيضًا تنقسم إلى قسمين: الصفات الفعلية باعتبار ثبوتها أيضًا تنقسم إلى قسمين: إلى فعلية معنوية، وإلى فعلية خبرية، الفعلية المعنوية: كذلك تثبت من طريقين: من طريق الخبر، ومن طريق المعنى، أي: تدرك بالعقل، مثال ذلك: الإحياء، الإماتة، الخلق، يخلق الله، يحيي ويميت، هذه صفات فعلية، وهي كذلك تدرك بالعقل؛ لأن معانيها معقولة تدرك بها، وصفات فعلية لا تدرك إلا بالخبر: أي لولا الخبر لما أثبتناها، مثل الاستواء على العرش، مثل النزول إلى سماء الدنيا، مثل الضحك، العجب، وما شابه ذلك، لولا أنها ثبتت في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لما أثبتناها، بل توقفنا فيها. فإذا صفات الله تبارك وتعالى باعتبار تعلقها بالذات تنقسم إلى قسمين: ذاتية وفعلية، وباعتبار ورودها وثبوتها تنقسم كذلك إلى قسمين: خبرية محضة، وخبرية ومعنوية، وهذا التقسيم يدخل على الصفات الذاتية وعلى الصفات الفعلية. قال رحمه الله: «أو قبل ذلك»، والشيخ رحمه الله تعالى الإمام الصابوني رحمه الله تعالى كما ترون أشار إشارات لطيفة إلى هذا التقسيم، فذكر الصفات الذاتية الخبرية كالعلم، والصفات الذاتية المعنوية كالعلم، والصفات الذاتية الخبرية كالعين والوجه، فجمع بين الصفات الذاتية باعتبار قسميها، وكذلك ذكر الصفات الفعلية، الصفات الفعلية باعتبار كذلك قسميها، فالإرادة والمشيئة من الصفات الذياتية المعنوية، أي: تدرك بالعقل، وكذلك القول والكلام، وأما الرضا والسخط والحب والبغض والفرح، فإنها تثبت بالخبر، فما مثل به الإمام الصابوني رحمه الله تعالى تضمن التقسيم المذكور الذي أشرنا إليه، وهو تقسيم ذكره أهل العلم رحمهم الله تعالى، وضبطوا فيه هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: «من غير تشبيه»، أن يثبتون ما أثبته من صفات الله تبارك وتعالى الثابتة في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، فلا يشبهون صفات الخالق جل جلاله بصفات المخلوق، لماذا؟ لأن المخلوق ناقص، المخلوق ناقص، المخلوق سبق بعدم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾، الإنسان يسبقه فناء، يلحقه فناء، كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، إذن وجود الإنسان ناقص، إذا نظرنا كذلك إلى علم الإنسان، علم الإنسان، وهو من أشرف ما يمتاز به الإنسان ويظهر به العلم، ومع ذلك علمه ناقص، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، خلق الإنسان لا يعلم شيئًا، ثم علمه الله تبارك وتعالى من علمه، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فعلم الإنسان قليل، ناقص، مسبوق بعدم، ويلحقه نسيان، يلحقه نسيان، كما جاء في الحديث: «نسي آدم فنسيت ذريته»، هذا حال علم الإنسان، أما علم الرب، علم الله تبارك وتعالى، فلم يسبق بعدم أبدًا، ولا يلحقه نسيان أبدًا، علم كامل، وجود الرب تبارك وتعالى لم يسبق بعدم، ولا يلحقه نسيان، هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء، فعلمه، صفاتهم، صفاتهم، ذاتهم كاملة تبارك وتعالى من جميع الوجوه، أما ذات المخلوق، وجود المخلوق، صفات المخلوق ناقصة كذلك، فكيف بعد هذا يتصور مؤمن بالله واليوم الآخر معظما لله تبارك وتعالى فيتلفظ بلسانه أو يخطر على قلبه أن صفات الرب تبارك وتعالى بعظمته وجلاله مماثلة لصفات المخلوق؟ هذا لا يكون، ولا يتصوره قلب مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر، كيف؟ والله تبارك وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ليس كمثل شيء أبدًا، ليس كمثل الله تبارك وتعالى لا في ذاته ولا في صفاته. قال رحمه الله تعالى: «بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله»، بمعنى أنهم يقفون حيث وقف الكتاب والسنة، وينطقون بما نطق به الكتاب والسنة، نطق الكتاب والسنة بإثبات الصفات، هم ينطقون بذلك بإثبات الصفات، توقف نطق الكتاب والسنة عن ذكر كيفية الصفات، وما هي الصفات؟ فتوقف أهل السنة والجماعة حيث وقف الكتاب والسنة؛ لأنهم متبعون وليسوا بمبتدعين. قال رحمه الله: «قال: بل ينتهون فيها إذا ما قاله الله تعالى وقاله رسوله صلى الله عليه وسلم»، غير زيادة عليه، ولا إضافة إليه، لا يزيدون على الصفة صفة، ولا يضيفون إلى الصفة وصفًا لم يأت به دليل، لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا زيادة ولا نقصان، بل يقفون حيث وقف الكتاب والسنة، ويسيرون حيث سار الكتاب والسنة، فيثبتون ما أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينزهون الله تبارك وتعالى عن كل نقص وعيب، وعن كل ما نهى الله تبارك وتعالى عن نفسه المقدسة. قال: «ولا تكييف له ولا تشبيه»، تقدم الكلام على التكييف والتشبيه، بمعنى أنهم لا يكيفون، لا يجعلون لله تبارك وتعالى ولا لصفات كيفية معينة، ولا كذلك يشبهون صفات الخالق تبارك وتعالى بصفات خلقه. قال: «ولا تحريف ولا تبديل»، كذلك لا يحرفون الكلمة عن مواضعها، ولا تبديل: أي ولا يبدلون القول مكان القول، ولا المعنى مكان المعنى، كما فعله أهل التعطيل. قال: «ولا تغيير»، أي: لما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى وفي سنة رسوله. قال: «ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه»، بمعنى أنهم يثبتون لله تبارك وتعالى ما أثبته لنفسه على ظاهر لغة العرب، على ظاهر لغة العرب، كل عربي يفهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، ويبقى وجه ربك: من ما يفهم معنى الوجه، الله تبارك وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، من ما يفهم هذا المعنى: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، من ما يفهم هذه المعاني، فنثبت هذه الألفاظ على ظاهرها الموافق للغة العرب، الموافق للغة العرب، من غير شطط ولا جور، بل يمرون على النصوص، ويوقفون حيث وقفت. قال رحمه الله تعالى: «ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرف العرب وتضعه عليه بتأويل منكر يستنكر»، كما فعل الجهمية ومن سار سيرهم، الجهمية قالوا في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، العربي يفهم هذا المعنى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، ما معنى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾؟ كلام واضح، أي: أن الله كلم موسى عليه السلام كلامًا حقيقيًا يليق بالرب تبارك وتعالى، الجهمية ما قبلت عقولهم هذا المعنى، ماذا صنعوا؟ أولوا، عطلوا، حرفوا، ردوا هذه النصوص، فقالوا: لم يُكَلِّم الله تبارك وتعالى موسى تكليمًا، وإنما المعنى: كلمهم، أي: وبَّخهم بمخالفتهم، المقام مقام تشريف ومقام ذم، مقام تشريف، وجعلوه مقام ذم، فهذا تأويل منكر مستنكر، وأعظم من ذلك: تأويل الباطنية، الباطنية خرجوا عن كل المعايير العقلية والشرعية، فيأتون إلى النصوص الشرعية، في قول مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، ما معنى هذا النص يا جماعة؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، هذا خبر من موسى لبني إسرائيل، بقرة معلومة، فماذا قال أولئك الباطنية؟ قالوا: معناه: إن الله يأمركم أن تذبحوا عائشة، تعالى الله عن قول الأفاكين علوًا كبيرًا، وطهر الله تبارك وتعالى أم المؤمنين عن أدناس وأرجاس هؤلاء. فالحاصل: أن هذا من التأويل المنكر والمستنكر. قال رحمه الله: «ويجرون على الظاهر»، أي: يمرون النص على ظاهره، «ويكلون علمه إلى الله»، أي: علم الباطن، علم الكيفية، علم ما هي الصفة؟ إلى الله تبارك وتعالى، «ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله»، تأويله: بمعنى: آل يأول أولًا، أي: رجع، يرجع رجوعًا، بمعنى: حقيقة الشيء وماهية الشيء وكيفية الشيء، لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، فكيفية الصفات لا يعلمها إلا الله جل جلاله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولون في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، أي: تفويض لعلم كيفية الصفات، فلا يعلم كيفية صفاته إلا هو جل جلاله، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.