الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 55، ألقاها
الله خلق الخلق بلا حاجة إليهم وقسمهم إلى فريقين: فريق في النعيم وفريق في الجحيم. ولا يجوز للإنسان أن يسأل عن سبب هذا التقسيم.
المقطع يتناول تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالقدر والخلق والأمر، ويشرح دلالتها على البعث والنشأة الآخرة. ويتطرق إلى مسألة الهداية والضلالة ومشيئة الله.
يشرح الحديث الشريف أطوار خلق الإنسان والتقدير الإلهي لأعماله منذ البداية. ويبين أن هناك تقادير إلهية مختلفة، منها التقدير الأزلي والعُمري والسنوي واليومي.
يتحدث المقطع عن أهمية التوفيق الإلهي في تحديد مصير الإنسان، حيث يمكن أن يتحول الإنسان من طريق الشقاوة إلى السعادة بفضل الله. ويشير إلى أهمية العمل الصالح في ذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام أبو عثمان الصابونى رحمه الله: قال سبحانه: ﴿خلق الخلق بلا حاجة إليهم فجعلهم فريقين فريقًا للنعيم فضلاً وفريقًا للجحيم عدلاً﴾، وجعل منهم غاويًا ورشيدًا وشقيًا وسعيدًا وقريبًا من رحمته وبعيدًا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. قال عز وجل: ﴿كما بدأكم تعودون فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾، وقال: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾، قال ابن عباس: هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة. قوله رحمه الله تعالى: سبحانه خلق الخلق بلا حاجة إليهم فجعلهم فريقين، إن تقدم الكلام على هذا، وأن الله جل وعلا خلق الخلق لا لأنه محتاج إليهم، بل الكل، كل ما سواه محتاج إلى الله جل وعلا، والله جل وعلا هو الغنى، والله جل وعلا هو الغنى الحميد، وكل ما سواه فقير إلى الله جل وعلا فقرًا ذاتيًا. والله جل وعلا جعل العباد على فريقين: فريقًا جعلهم وخلقهم ربنا تبارك وتعالى فجعلهم من أهل النعيم، من أهل الهداية، من أهل الرشاد، من أهل السعادة فى الدنيا والآخرة، ومنهم من جعله أو خلقه الله جل وعلا، وعلم الله جل وعلا بعلمه السابق أنه ليس أهلاً للهداية، فكان من غير المهتدين، وكان من أصحاب الجحيم والعياذ بالله. وهذه المسألة، كما تقدمت الإشارة إليها فيما مضى، أنه يسميها العلماء رحمهم الله تعالى «سر القدر»، ولا يجوز أن يفتش أو أن يبحث عن سر القدر، أى لا يبحث إنسان فيقول: لماذا جعل الله جل وعلا فلانًا غنيًا وفلانًا فقيرًا؟ لماذا جعل الله جل وعلا فلانًا تقيا وفلانًا فاجرا؟ لماذا جعل الله جل وعلا فلانًا مؤمنًا وفلانًا كافرًا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾، فهذا نهي، لا يسأل عما يفعل، لا يجوز لإنسان أن يسأل ربه جل وعلا أو أن يسأل عن فعل الله جل وعلا: لماذا فعل هذا ربنا تبارك وتعالى؟ لا يجوز. قال: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾، له الخلق جل وعلا يخلق ما يشاء ويجعل من يشاء على ما يشاء سبحانه وتعالى، فيجعل من يشاء من السعداء ويجعل من يشاء على غير هذا الوصف، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، له الخلق هو الأمر، الأمر أمره تبارك وتعالى، والخلق خلقه تبارك وتعالى. وقوله جل وعلا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، هذه الآية مما سدل بها الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من أئمة السلف على أن كلام الله جل وعلا غير مخلوق، لأن الله جل وعلا غاير بين الخلق والأمر، فقال: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، والواو تفيد هذا المعنى، لأن الله جل وعلا غاير، لو كان القرآن مخلوقًا لما كان هناك فائدة من العطف فى قوله: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، لأنه سيدخل فى ضمن الخلق، لكن لما قال الله جل وعلا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ دل على أن خلقه غير أمره، وأن أمره غير خلقه تبارك الله رب العالمين. قال الله عز وجل: ﴿كما بدأكم تعودون﴾، وهذه الآية فيها دلالة على البعث وعلى النشأة الآخرة، ﴿كما بدأكم تعودون فريقًا هاديًا وفريقًا حق عليهم الضلالة﴾، أى كتب الله جل وعلا عليهم الضلالة فكانوا كذلك، ولا يخرج أحد عن مشيئة الله جل وعلا وعن إرادة الله جل وعلا الكونية، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾، هذا تعليل لكونهم حقت عليهم الضلالة، لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله فكان ذلك سببًا لكونهم من أصحاب الجحيم والعياذ بالله. وقال: ﴿أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾، أى مما كتبه الله جل وعلا عليهم أزلاً، لابد أن يكون ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، من كتب الله جل وعلا عليه الضلالة فإنه كائن وصائر إلى ما كتب الله جل وعلا عليه ولا محالة، ومن كتب الله جل وعلا له الهداية والتوفيق فإنه صائر إلى ما أراد الله جل وعلا وكتب الله جل وعلا وشاء الله جل وعلا ولا محالة. قال ابن عباس: هو ما سبق لهم من السعادة والشقاوة، الأثر من حيث المعنى صحيح، ومن حيث السند هو من طريق جابر الجعفي، وكذلك من طريق شريك بن عبد الله، وشريك بن عبد الله فيه ضعف، وجابر الجعفي كذلك فيه ضعف، وأما المعنى فهو صحيح. أخبرنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو العباس السراج قال: حدثنا يوسف بن موسى قال: أنبأنا جرير عن الأعمش عن زيد بن واهب عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد، فوالذى نفسه بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له فى الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له فى الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». والحديث كما هو معلوم متفق عليه، قوله صلى الله عليه وسلم: «إن خلق أحدكم يجمع فى بطن أمه أربعين يومًا»، هذا فيه كما قال علماء رحمه الله تعالى أطوار الإنسان فى بطن أمه. ثم قال: «ثم يبعث الله إليه الملك بأربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد»، وهذا التقدير يسميه العلماء أو سماه العلماء رحمهم الله تعالى «بالتقدير العمرى»، وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هناك تقادير جعلها الله جل وعلا، منها التقدير الأول الأزلى الذى كتب الله جل وعلا وأمر القلم بأن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. ثم هناك تقادير أخرى، تقادير أخرى قدرها الله جل وعلا، منها التقدير السنوى كما جاء ذلك فى آيات من كتاب الله جل وعلا تدل على هذا المعنى، قال الله جل وعلا: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هى حتى مطلع الفجر﴾. وجاء كذلك فى قول الله عز وجل: ﴿شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾، فالحاصل أن هذا فيه تقدير كما يقول علماء رحمهم الله تعالى «التقدير السنوى» أى الذى قدره الله جل وعلا بما هو كائن خلال العام. وذكر «تقدير العمر» وهو ما يكون للإنسان منذ خلقته منذ كونه فى رحم أمه، كما جاء فى هذا الحديث: يؤمر بأربع كلمات أن يقدر له رزقه، ما هو رزقه؟ وهو فى بطن أمه، يكتب له رزقه فى بطن أمه، وكذلك عمله، وكذلك أجله متى سيموت، وكذلك شقى أو سعيد، هذه كلها تكون مكتوبة عليه وهو فى بطن أمه، تقدير عمر. وكذلك هناك تقدير يومى يقدره الله جل وعلا على عباده، فقوله: «بأربع كلمات: رزقه وعمله وأجله وشقى أو سعيد»، هذا يدلنا على ماذا؟ على أن الله جل وعلا من عباده من خلقهم وجعله من السعداء وهو فى بطن أمه، ومنهم من كتب الله جل وعلا أنه من أهل الشقاوة والعياذ بالله وهو فى بطن أمه. قال: «فوالذى نفسه بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة - يأتى فى بعض الروايات - فيما يبدو للناس - حتى ما يكون بينهم وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له فى الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، ثم يدركه ما سبق له فى الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها». وهذا الحديث فى الحقيقة فيه موعظة وفيه زجر وفيه تهديد ووعيد وتحذير من الله رب العالمين جل وعلا لجميع خلقه لجميع العباد بأن يعاملوا الله جل وعلا، لا يعاملون أحدًا من خلقه، لأن الإنسان إذا تظاهر بعمل أمام الناس وبينه وبين الله جل وعلا على خلاف ذلك سيفضحه الله جل وعلا ولا محالة. قال: «فالإنسان ما يدريه ما يختم الله جل وعلا له؟ كم من إنسان فيما يبدو للناس أنه من أهل الصلاح ثم لا يوفق فى آخر حياته إلى ذلك الطريق؟ وكم من إنسان كان على طريق أهل الشقاوة لكن علم الله جل وعلا منه ما جعله مؤهلاً لأن يكون من أهل السعادة فيوفقه الله جل وعلا لعمل أهل السعادة؟». سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.