الدرس في شرح عقيدة السلف للصابوني 23، ألقاها
تناول المقطع طرق حديث أبي هريرة في نزول الله إلى السماء الدنيا، وشرح الروايات المختلفة للحديث واختلافاتها، مبينًا اللفظ المحفوظ للحديث والزيادات في بعض الروايات.
ناقش المقطع مسألة الحديث الضعيف ومدى جواز الاستشهاد به، مبينًا آراء العلماء المختلفة حول تقوية الضعيف بكثرة طرقه وردودهم على ذلك.
شرح المقطع حديث نزول الله إلى السماء الدنيا، وأكد صحة الحديث لكثر طرقه وتصحيح العلامة الألباني له، مبينًا دلالته على إثبات صفة النزول لله تعالى.
اختتمت الحلقة بالتأكيد على صحة حديث نزول الله لكثر طرق روايته وتصحيح الألباني له، وتم الدعاء والاستغفار في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى في كتابه «عقيدة السلف أصحاب الحديث»: قال رحمه الله تعالى: وهذه الطرق كلها مخرجة بأسانيدها في كتابنا الكبير المعروف بالانتصار، أي أحاديث أو الطرق المروية لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه في نزول رب جل وعلا إلى السماء الدنيا. قال: وفي رواية يزيد بن هارون عن محمد بن عمر -وهو ابن علقمة- عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وفي رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الصبح». وهذا الحديث بهذه الطريق -كما ترون- من طريق يحيى بن أبي كثير رحمه الله عن أبي سلمة. وهذه الطريق تكلم عليها أو فيها بعض الحفاظ رحمه الله تعالى، كالإمام الدارقطني رحمه الله في كتابه «العلل». وكذلك رواية محمد بن عمر بن علقمة عن أبي سلمة فيها كلام. ومنه يعلم أن لغض الحديث الذي فيه الشك -إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه- الشك نتج بسبب عدم ضبط رواية أبي سلمة من هذين الطريقين. وأن اللفظ المحفوظ هو ما تقدم ذكره: حين يبقى ثلث الليل الآخر، بالجزم حين يبقى ثلث الليل الآخر، وهو الموافق لقوله: «إذا مضى نصف الليل أو ثلثاه». الموافق لقوله: «أو ثلثاه»، لأنه إذا مضى ثلثا الليل كم يبقى؟ يبقى الثلث. فإذا بقي الثلث نزل الرب تبارك وتعالى. قالوا: في رواية سعيد -والحديث كما ترون ساقه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه- ضمن طرق حديث أبي هريرة. وفي رواية سعيد بن مرجانة عن أبي هريرة زيادة في آخره، وهي: «ثم يبسط يديه فيقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم». وهذه زيادة كذلك أخرجها مسلم رحمه الله. قالوا: في رواية أبي حازم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير، فينادي: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا يبقى شيء فيه الروح إلا علم به، إلا الثقلان: الجن والإنس». قال: وذلك حين يصبح، وذلك حين يصيح الديوك وتنهق الحمير وتنبح الكلاب. وهذا الحديث بهذا الإسناد لم أقف عليه، فالله أعلم. وفي رواية موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت زيادات حسنة، وهي التي أخبرنا بها أبو يعلى حمزة بن عبد العزيز المهلبي، قال: أنبأنا عبد الله بن محمد الرازي، قال: أنبأنا أبو عثمان محمد بن عثمان بن أبي سويد، قال: حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن المبارك-، قال: حدثنا فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل -ينزل الله تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا- حتى يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له؟ ألا ظالم لنفسه يدعوني فأغفر له؟ ألا مقتر عليه رزقه فيدعوني فأرزقه؟ ألا مظلوم يذكرني فأنصره؟ ألا عانٍ يدعوني فأفكه؟». قال: فيكون كذلك إلى أن يطلع الصبح. «ويعلو على كرسيه، ويعلو على كرسيه». وهذا الحديث لا يصح، وقد تقدم الكلام عليه. ومن طريق أيوب عن أبي الزبير عن جابر -الذي خرجه الحسن بن سفيان في مسنده- ومن طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عشية عرفة -يعني- لا يصح باعتبار أفراده، لكن أصل الحديث باعتبار ثبوت النزول فإنه ثابت، وهو الشاهد الذي لأجله ساق الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى هذه الروايات وهذه الطرق؛ ليثبت أن أصل الحديث ثابت، وإن كان في بعض أسانيد بعض الروايات ضعف، لكنها بما قبلها تثبت، ويثبت بها أصل الحديث من ثبوت أن رب تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا. من أن رب جل وعلا ينزل إلى سماء الدنيا -كما مر معنا- أن هذا الأصل ثابت في الصحيحين، وقد جاء من طرق كثيرة. وما جاء من تفاصيل في بعض الروايات، فما كان له شاهد قبل فيكون من قبيل الحسن لغيره، إذا كان الطريق لم يشتد فيه الضعف. وأما إذا كان من طريق قد اشتد ضعفه، فعلى الصحيح من أقوال العلماء: أن الضعيف جدًا لا يستشهد به. على الصحيح من أقوال العلماء، وإلا بعض العلماء يقول: بأن الحديث الضعيف الذي اشتد ضعفه إذا كثرت طرقه يدل على أن له أصلًا، فربما رقوه بمجموع تلك الطرق. ولكن الصواب ما سمعتموه: أن المنكر -كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى- المنكر أبدًا منكر، ما يكون اليوم منكرًا وغدًا يكون معروفًا، بل هو منكر أبدًا. وهذا محل هذا المبحث في كتب المصطلح، لكن أردنا التنبيه -يعني- بعضهم قد يسمع: ضعيف، ضعيف، ضعيف، فلماذا ساق هذه الأسانيد وهذه الطرق الإمام أبو عثمان الصابوني رحمه الله تعالى؟ فالجواب: أنه يجاب عنه بجوابين: أنه يجاب عنه بجوابين. الجواب الأول: كما قال من قال من العلماء رحمهم الله تعالى: أن من أسند فقد برئ. ما دام أنه ذكر إسناده، فقد برئ. أنت انظر من هو يستحق أن يكون حديثه صحيحًا فاقبله، ومن لم يكن كذلك فرده. هو قد برئ بإبراز أسانيده إلى تلك الأحاديث، هذا أمر. والأمر الثاني: أن يقال: بأن الإمام الصابوني رحمه الله تعالى لما كان الحديث عنده ثابتًا يقينًا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ساق له هذه الطرق على سبيل التقوية والاستشهاد. على سبيل التقوية والاستشهاد. ثم هذه التقوية والاستشهاد عنده قد تكون من قبيل المقبول، وقد تكون من قبيل المتردد فيه، فيتقوى مع غيره. فيتقوى مع غيره. وقد يكون من العلماء الذين يرون أن الحديث الضعيف جدًا إذا ثبت من طريق أخرى فإنه يتقوى بغيره، أو يرتقي مع غيره، ويحتف بغيره، فيرقيه. فيرقيه ذلك الغير الثابت. هذه إجابات عن الصابوني رحمه الله تعالى؛ لأن بعض الناس -بعض الشراح- لوصف الكتاب على قدر حسن هذا الكتاب، وما تضمنه من عقيدة سليمة صحيحة، قال بعضهم: إلا أنه يعاب عليه أنه ذكر فيه بعض الأحاديث الضعيفة. ذكر فيه بعض الأحاديث الضعيفة. فجوابًا على هذا الاستشكال: لماذا ذكر هذه الأحاديث الضعيفة؟ الجواب عليه ما تقدم بالجوابين السابقين: من أسند فقد برئ. الثاني: أنه ذكره على سبيل إما الاحتجاج عندهم -وهذه مسألة اجتهادية- وإما على سبيل الاستشهاد، واستشهاد لثبوت أصل الحديث عنده عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذه الطريقة يستخدمها العلماء رحمهم الله تعالى في كتب العلم -يعني- إذا نظرنا في كتب العلم في السنن: سنن أبي داود، الترمذي، النسائي، ابن ماجة، البيهقي، دارقطني، إلى غيرها من الكتب، تجدهم يذكرون في الباب أحاديث ربما تكون ضعيفة، ويسكتون عليها، بناء على ماذا؟ على ما تقدم: من أسند فقد برئ. وإما أنها تكون عندهم معتبرة. وإما أنها عندهم تكون في الباب. في الباب. وكل له وجه من النظر معتبر. قال رحمه الله تعالى: ومن طريق هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عشية عرفة ينزل الله فيه إلى السماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، ويقول: انظروا إلى عبادي شعثًا غبرًا ضاحين، جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي، ولم يروا عذابي». فلم يروا يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة. من يوم عرفة. والحديث رواه ابن حبان وغيره. وقد تقدم الكلام على رواية أبي الزبير عن جابر. منهم من يمشيها مطلقًا، ومنهم من يتوقف فيها مطلقًا، ومنهم من يفصل في ذلك -كما تقدم-. قال: وروى هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن رفاعة الجهني، حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -يعني كما تقدم حديث أولًا حديث جابر-: لو قلنا بقول من قال: بأن عنعنتهم تمشي مطلقًا -تمشي مطلقًا- وهذا كما سمعتم لعله أقرب والله أعلم، فإن الحديث يكون حسنًا بذاته. ولو قيل بالقول المشهور عند المتأخرين والمعاصرين: بأن عنعنتهم يتوقف فيها، فإنه يكون من قبيل الحسن لغيره. أي قوله: «ينزل»، إثبات صفة النزول: «ينزل الله إلى السماء الدنيا»، أي هذا اللفظ، وهو الشاهد من ذكر الإمام أبي عثمان الصابوني له، هذا اللفظ يكون ماذا؟ حسنًا بغيره. من أدل الدال على نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا. قال: عن رفاعة الجهني، حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مضى ثلث الليل أو شطر الليل أو ثلثاه» -وهذا الشك، وهذا يبنى على ماذا؟ على الشك- وما دام أن هذه الرواية مشكوكة فيحمل -كما يقال- اللفظ على الألفاظ أو على اللفظ المتيقن فيه الذي لا شك فيه -كما مر معنا- أنه في الثلث الآخر من الليل. قال: «أو شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله إلى السماء الدنيا، فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، لا أسأل عن عبادي غيري». وفي هذا اللفظ رد على الأشاعرة وعلى المعتزلة وعلى الجهمية، الذين يزعمون بأن الله تبارك وتعالى لا ينزل، وأن النازل إما ملك وإما رحمة رب جل وعلا؛ لأن هذا الحديث فيه: «فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، لا أسأل عن عبادي غيري». هل يقول الملك هذا؟ هل يقول الملك هذا؟ أو هل تقول النعمة هذا؟ الجواب: لا. هذا القول لا يقوله إلا رب العالمين جل وعلا. ومن زعم أن قائلًا يقول هذا القول غير الله جل وعلا، فقد وقع في الشرك والعياذ بالله؛ لأنه صريح في أن المتكلم يصف السائلين له بأنهم عبيد له. قال: «فيقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من يستغفرني فأغفر له؟ هل يقول الملك هذا؟ من يستغفرني؟ هل تقول النعمة أو الرحمة هذا؟ من يستغفرني؟» الجواب: لا. هل يدل على أن القائل هو من هو الله رب العالمين جل جلاله؟ «من يستغفرني فأغفر له، من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، حتى ينفجر الصبح». وهذا الحديث صحيح، رواه أحمد رحمه الله تعالى وغيره، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وطرق الحديث كثيرة. والوقت قد انتهى، نكتفي بهذا القدر في هذه الليلة. إلهنا سبحانك الله بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.