الدرس في شرح كتاب الصلاة من عمدة الأحكام 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع أحاديث فضل صلاة الجماعة كحديث ابن عمر وأبي هريرة، ويبين ثقلها على المنافقين وتهديد النبي صلى الله عليه وسلم بحرق بيوت المتخلفين عنها. يخلص المقطع إلى أن الصواب وجوب صلاة الجماعة فرض عين مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث صحيحة وآثار الصحابة.
يناقش المقطع وجوب صلاة الجماعة على المسافر حيث ذهب الجمهور إلى عدم الوجوب للمشقة، بينما يرى ابن باز وجوبها حضراً وسفراً مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. كما يبين تفصيل النوافل التي تشرع جماعة وتلك التي لا تشرع، ويذكر أن أقل عدد للجماعة اثنان مع تعداد الأعذار المبيحة للتخلف.
يستعرض المقطع الأعذار الشرعية التي تبيح للمسلم التخلف عن صلاة الجماعة كمدافعة الأخبثين وحضرة الطعام والخوف وسوء الأحوال الجوية. ويؤكد أن هذه الرخص مشروطة بعدم تعمد التخلف وأن الأعمال بالنيات.
يختتم الشيخ الدرس الحالي ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول تتمة باب صلاة النوافل ومسألة خروج النساء لصلاة الجماعة. مختتماً بالدعاء والتسليم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع باب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة من عمدة الأحكام للإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى. وكان آخر ما تكلمنا عنه هو الأحاديث التي تبين فضل صلاة الجماعة، وقد مر معنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». وهكذا مر معنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ولا يزال في صلاة ما دامت الصلاة». وهكذا تكلمنا حول حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتيوهما ولو حبواً». أي: إذا لم يستطيعوا أن يمشوا ولم يستطيعوا الوصول والمجيء إلا بالحبو لأتيوهما ولو حبواً. قال: «ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق مع رجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار». وقوله عليه الصلاة والسلام: «أثقل الصلاة على المنافقين»، المقصود بها صلاة الجماعة، صلاة الجماعة كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كما في شرحه على الحديث من صحيح البخاري: دل هذا على أن الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين، والعشاء والفجر أثقل. قال: أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما، لأن العشاء وقت السكون والراحة، والصبح وقت لذة النوم. ومر معنا يا إخوان مسألة حكم صلاة الجماعة واختلاف العلماء في ذلك، وأن الصواب هو أن صلاة الجماعة تعتبر فرض عين، تعتبر فرض عين. والأدلة على وجوب صلاة الجماعة كثيرة، منها حديث أبي هريرة في هم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرق بيوت من لا يشهدون الصلاة معه. وهكذا أيضاً قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102]، وهذا عند الخوف، فما بالك عند الأمن. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]. وهكذا ما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره أن رجلاً أعمى استأذن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس له قائد يقوده إلى المسجد، فطلب من النبي صلى الله عليه وسلم رخصة، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أَتَسْمَعُ النِّدَاءَ؟» أي الأذان، قال: نعم، قال: «فَأَجِبْ»، قال: «فَأَجِبْ». وهكذا أيضاً حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْ أَوْ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»، وهذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في الإرواء وغيره. وأثر ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند مسلم، وفيه يقول ابن مسعود: «ولقد رأيتنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عنها -أي عن صلاة الجماعة- إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين، يعني يحمله رجلان من الجانبين، حتى يقام في الصف، حتى يقام في الصف». وهكذا كما سبق حديث أبي هريرة في همه عليه الصلاة والسلام أن يحرق بيوت من لا يشهدون الصلاة معه. وكان إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى يقول: «كفى بالمرء على النفاق أن يكون الرجل جار المسجد فلا يرى فيه». وعلى مقوية على النفاق. وهكذا يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «من منعته أمه عن العشاء جماعة شفقة به لم يطعها». لو أن أمه تقول له: يا بني إني أخاف عليك، لا تخرج إلى صلاة العشاء، هل يطيعها أو يخرج إلى المسجد؟ الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول: ليس له أن يطيعها في ذلك، فإنما الطاعة في المعروف، وصلاة الجماعة كما سبق هي تعتبر من فروض الأعيان، ومن الواجبات التي يجب القيام بها. وهكذا أيضاً يعني من المسائل المتعلقة بذلك: هل تجب صلاة الجماعة على المسافر؟ على المسافر ذهب أكثر العلماء إلى أنه ليس على المسافر صلاة جماعة، أي لا يجب عليه، وعللوا ذلك بوجود المشقة. بل حكى النووي رحمه الله تعالى عدم الخلاف على عدم وجوب صلاة الجماعة على المسافر، إلا أنه تعقب، فقد تعقبه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قائلاً: وفي ذلك نظر، فإنه خلاف نص الشافعي وغيره. قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى راداً على النووي: «وليس ما قاله النووي بجيد، ليس بجيد، قال: والصواب وجوب الجماعة حضراً وسفراً، سفراً، كما يعلم ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم ومواظبته على الجماعة، وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ [النساء: 102]، منهم معك. قال: وأدلة محكمة لا يجوز مخالفتها لشيء محتمل». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وبهذا يعلم يا إخوان أن صلاة الجماعة ينبغي أن يحافظ عليها سفراً وحضراً، إلا إذا كان هناك مشقة، فالمشقة كما سبق أنها تجلب التيسير. وهل تجوز النافلة في جماعة؟ يعني صلاة النافلة، ألي يجوز أن تصلى في جماعة؟ فيها تفصيل: هناك بعض النوافل جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلاها في جماعة، كصلاة الاستسقاء، وهكذا صلاة الليل أو التراويح في رمضان، في رمضان. وهكذا على قول من يقول أن صلاة العيد سنة، على قول من يقول أن صلاة العيد سنة، فصلاها النبي صلى الله عليه وسلم في جماعة. أما النوافل التي ليس فيها دليل على صلاتها في جماعة، مثل الرواتب، مثل الرواتب التابعة للصلوات المفروضة، كصلاة الليل في غير رمضان، ركعتين قبل الفجر، وهكذا صلاة الضحى، وهكذا ما قبل الظهر وما بعده، وغيرها من النوافل، فهذه الأصل أن الجماعة لا تشرع فيها، أن الجماعة لا تشرع فيها. لكن لا بأس أن يصلها جماعة أحياناً، ليس على الدوام والاستمرار، وإنما في بعض الأحيان. ما دليل ذلك؟ دليله أنه عليه الصلاة والسلام صلى أحياناً جماعة، كما صلى بأنس بن مالك وخلفهما أمه أو جدته مليكة. وهكذا صلى ذات ليلة صلاة الليل، فقام حذيفة عن يمينه، في بعضها ابن مسعود صلى معه صلاة الليل، قال ابن مسعود: «فقام قياماً طويلاً حتى هممت بأمر سوء»، قال: «وبما هممت يا أبا عبد الرحمن؟» قال: «أن أجلس وأدعه، أن أجلس وأدعه». والجماعة يا إخوان تنعقد باثنين فصاعداً، وهذا مما نقل فيه عدم الخلاف بين أهل العلم، بين أهل العلم. وقد جاء في الصحيح أن ابن عباس قام وصلى عن يمين أو عن شمال النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فأداره عن يمينه. إذن اثنان: ابن مسعود كما سبق صلى صلاة الليل خلف النبي صلى الله عليه وسلم. فأقل عدد تنعقد به الجماعة هما اثنان: إمام ومأموم، إمام ومأموم، ويكون المأموم عن يمين الإمام. فإذا دخل معهما آخر رجعا صفاً خلف الإمام، خلف الإمام. وهناك مجموعة من الأعذار التي تبيح للمسلم أن يتخلف عن صلاة الجماعة، فمن ذلكم المريض الذي يشق عليه حضور الجماعة، فربنا عز وجل يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهكذا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وهكذا تخلفه عليه الصلاة والسلام عن صلاة الجماعة حين مرض. وهكذا أيضاً من هذه الأعذار ما سبق معنا في مدافعة الأخبثين: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان». حضرة الصلاة وهو متضايق يريد أن يقضي حاجته من البول أو الغائط، وأقيمت الصلاة، ماذا يفعل؟ نقول: أولاً ينبغي أن يتهيأ قبل ذلك، يتهيأ للصلاة قبل ذلك، بحيث يأتي وقت صلاة الجماعة وهو في تهيؤ، وهو كذلك أيضاً على استعداد. لكن أحياناً يفاجأ الإنسان بالحدث، ماذا يفعل؟ يصلي وهو يدافعه الأخبثان، أو يذهب لقضاء الحاجة؟ نقول: يذهب لقضاء الحاجة، وبعد أن يقضي حاجته ويتوضأ يأتي ويدرك ما تبقى من صلاة الجماعة، من صلاة الجماعة. وهكذا أيضاً إذا حضر الطعام، إذا قرب العشاء وحضر العشاء، بماذا يبدأ؟ يا أبا طاهر، إذا قرب العشاء الطعام وأقيمت للعشاء الصلاة، فبماذا يبدأ؟ لا يبدأ بالصلاة، أيها أقيم للصلاة والعشاء قد قرب، بالعشاء يعني الصلاة، العشاء يعني بالفتح. أحسن، مر معنا: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان». وهكذا ما مر معنا أنه إذا حضر العشاء وأقيمت للصلاة فابدؤوا بالعشاء، كما سبق معنا بتفاصيل وذكر بعض المسائل، وبينا أنه إذا كان نفسه تتوق إلى الطعام. أما إذا كانت لا تتوق إلى الطعام، كان يكون... كان يكون يا أبا عبد الرحمن: «لا صلاة بحضرة طعام»، يعني أي إنسان قدامه أكل وطعام، يعني يجوز له أن يتخلف عن صلاة الجماعة يأكل؟ وإذا لم تتق نفسه، مثل من... نعم، شبعان، قد أخذ كفايته من الطعام، تعشى في بيته، وفي طريقه إلى المسجد سمع أصوات جماعة فأتى وجلس معهم، فوضع الطعام وأقيمت للصلاة، قيل: يا فلان، قال: والله أنا شبعان قد تعشيت. طيب، يجلس أو يذهب لكي يصلي؟ يذهب لكي يصلي. مثله أيضاً: نعم، الصائم، إنسان صائم وقرب الغذاء مثلاً وأقيمت للظهر أو العصر، فهو صائم، فهو صائم، ما سيأكل شيئاً، فلا يتخلف عن صلاة الجماعة. ومثله المريض، وغيرها من الأحوال التي مرت معنا. كذلكم الخائف: إنسان خائف على نفسه أن يقتل، أو خائف على ماله أن يسرق، فهذا ذكر العلماء أن هذا من الأمور التي تبيح له التخلف عن صلاة الجماعة، عن صلاة الجماعة. وهكذا أيضاً من يخاف على نفسه فوات الرفقة: جماعة مسافرون، وإذا بقي وانتظر الجماعة صلاة الجماعة سيذهب عليه الباص أو السيارة، فيجوز أن يتخلف عن صلاة الجماعة، عن صلاة الجماعة. وهكذا أيضاً إذا كان هناك ريح شديد أو مطر أو وحل، يخاف على نفسه من الأذى، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر المؤذن أن يؤذن فيقول في آذانه: «الصلاة في الرحال»، أو «صلوا في رحالكم». إذن هي رخصة بترك الجماعة، بترك الجماعة. أيضاً من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، أكله ليس بقصد التخلف، فإنما الأعمال بالنيات. لكن قرب الغذاء وقرب معه البصل فاشتاقت نفسه إلى ذلك فأكل شيئاً، فماذا؟ أتى وقت الصلاة ولا تزال رائحة البصل تنبعث من فمه، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يقرب المصلى، لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، مما يتأذى منه ابن آدم. وأسوأ قبحاً ورائحة كريهة من يؤذي غيره برائحة الدخان أو برائحة القات. بعض الناس يدخن عند باب المسجد، يرمي بحبة الدخان، بعض الناس مخزن، يخرج من السيارة أو من البيت ويخرج القات بجانب باب المسجد، وبعضهم في حمامات المسجد، يدخل المسجد أحياناً والرائحة الكريهة تنبعث من فمه، فتتأذى الملائكة ويتأذى المصلون من ذلك، يتأذى المصلون من ذلك. إلى غيرها من هذه الأعذار التي تبيح لي الشخص التخلف عن صلاة الجماعة، التخلف عن صلاة الجماعة. يأتي معنا في الدرس القادم إن شاء الله عز وجل بعض أو تتمة هذا الباب فيما يتعلق بصلاة النوافل، وهكذا أيضاً خروج النساء إلى صلاة الجماعة في المسجد، وغيرها من المسائل والمباحث، يأتي معنا الكلام عنها إن شاء الله عز وجل في الدرس القادم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.