الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن العلامة السعدي أن الله زين الدنيا في قلوب الكافرين فأقبلوا عليها وسخروا من المؤمنين لقلة دنياهم، مضرباً المثل بآية يونس لسرعة زوالها. ويقرر أن من أراد حرث الآخرة زيد له، ومن أراد حرث الدنيا أعطي منها ولا نصيب له في الآخرة.
الدنيا دار ابتلاء تصيب المؤمن والكافر بالمصائب، لكن المؤمن يخفف الله عنه بإيمانه وصبره. أما التفضيل الحقيقي والنجاة الدائمة فتكون في الآخرة حيث المتقون في أعلى الدرجات والكفار في أسفل الدركات، والرزق كله بتقدير الله.
الرزق الدنيوي يُعطى للمؤمن والكافر على حد سواء، بينما رزق القلوب من الإيمان والعلم ومحبة الله يختص به من يحبه الله. كما ورد في الحديث الصحيح: الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة سعد رحمه الله تعالى: إن قول الله جل وعلا: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله ولم يقبلوا لشرعه، أنهم زينت لهم الحياة الدنيا فزينت في عينهم وقلوبهم، فرضوا بها واطمأنوا بها، فصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها. الله عز وجل زينها لهم. وضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح. وقال في سورة يونس: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾. فربنا جل وعلا يزين هذه الدنيا في قلوبهم. ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾. فربنا جل وعلا هنا يتحدث عن أهل الدنيا، ومن الكفار الذين زينت لهم هذه الحياة، بل وأنهم يسخرون من الذين آمنوا؛ لأن عندهم الأموال وعندهم كذا، فيسخرون من الذين آمنوا. فصار أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها وأكبوا على تحصيلها، وعظموها وعظموا من شاركهم في صنيعهم، في التنافس بالدنيا عظموه، ومن شغل مثلهم بالدنيا وترك الآخرة تجد أنهم يعظمونه، وكذلك العكس. أولا أهل الدنيا الذين قد ينتسبون للإسلام، تجد أنهم يعظمون هؤلاء الكفار، وأنهم عندهم وعندهم، وكذلك أيضا يحتقرون أهل الإيمان ويستهزئون بهم لأنهم ليست عندهم هذه الدنيا. قال: واحتقروا المؤمنين واستهزئوا بهم، وقالوا: ﴿ أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾، ألَوْ كَانَ هَذَا حَقّاً لَكُنَّا نَحْنُ أَوْلَى بِهِ. أن يظنون هكذا أهل الدنيا وأهل الأموال، يظنون أنهم يعرفون الحق وأنهم كذا، يغتروا بموالاة أهل الدنيا لهم، يرون أن الناس مثلاً يظهرون لهم المحبة، يظهرون كذا لأجل أموالهم، فيتكبرون ويظنون أنهم أولى بالحق من غيرهم. فلذلك قالوا: هؤلاء من الله عليهم من بيننا، أليس الله بأعلم بالشاكرين؟ ربنا سبحانه وتعالى أعلم بالشاكر من الكافر. قالوا: وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء ومحنة، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا وإن كان له مطرور، فإنه يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون بغيره. وهذه نعمة من الله، قد يبتلى المؤمن بالفقر الشديد وبالمرض وبالجوائح، لكن إذا كان مؤمناً بالله حق الإيمان، فإنه لا يغمه ذلك، بل يجد نفسه مطمئناً بالله وقلبه منشرح بكل ما جاءه. فتجد فقيراً معدم إلا أن قلبه مطمئن منشرح، أفضل ممن عنده الدنيا وهو في قلق وفي خوف، وكذلك في ضيق من العيش، أي في ضيق في صدره وأسر. لكن المؤمن وإن لم ينل شيئاً من هذه الدنيا، لكن عنده جنته في صدره، وهي القناعة والاطمئنان. الجنة التي تكون في الصدر هي القناعة دائماً. من أعطي قناعة فقد أعطي كنزاً عظيماً. والنبي عليه الصلاة والسلام قال في حديث عبد الله بن عمرو كما في مسلم: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كِفَافاً وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ». فهذه هي جنة القلب وجنة الصدر: القناعة والاطمئنان. قال رحمه الله: وهذا من ضعف قولهم، من نظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، سيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، كلاهما سيحصل في هذه الدنيا الشقاء من الحزن ومن الفقر ومن غيرها من المصائب، لأن هذه الدنيا دار الآواء والألواء، كما بعضهم يقول: ألواء وآواء، المراد بها الأحزان والآلام وغيرها. هذه دارها، لأن الله عز وجل نجى الآخرة والجنة عن هذه الدنيا. ربنا سبحانه وتعالى قال: ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾، أي في الجنة لا يمسهم النصب والتعب والأحزان، وإنما جعلها ربنا سبحانه وتعالى في هذه الدنيا. وقد يجعل الله عز وجل المصائب والأحزان على أهل الإيمان أكثر من غيرهم، وهذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره. وإنما الشأن كل الشأن والتفضيل الحقيقي في الدار الباقية. لهذا قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فيقول: المتقون في أعلى الدرجات متمتعين من أنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، لأنهم في أسفل السافلين، قيل أنهم في الأرض السفلى. لهذا قال: ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، أي أنهم في أعلى عليهم، والكفار في أسفل السافلين. قال: والكفار تحتهم في أسفل الدركات، محذبين بأنواع العذاب والإهانة والشقاء السرمدي الذي لا منتهى له، لا يخفف عنهم من عذابها. ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين ونعي على الكافرين. ولما كانت الأرزاق الدنيوية والأخروية لا تحصل إلا بتقدير الله، على الرزق ما ألقاه الله عز وجل، ولن تنال إلا بمشيئة الله، قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. فالرزق الدنيوي يحصل للمؤمن والكافر، وأما رزق القلوب من العلم والإيمان ومحبة الله وخشيته ورجائه ونحو ذلك، فلا يعطيها إلا من يحبه، كما جاء في حديث في الصحيحين: أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب، أو قال: الآخرة إلا من يحب. أن ما يرزق الله عز وجل في الدنيا الكافر والمؤمن، لكن في الآخرة لا يرزق إلا المؤمن، أي لا يعطي الخير والرزق الوفير إلا للمؤمن في جنته. سبحانه وتعالى. هذا خلاصة ما يذكر في تفسير هذه الآية. الله تعالى... اشتركوا في القناة