تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 33

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 33

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 33، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير آية الأمة الواحدة واختلاف المفسرين

يشرح العلامة السعدي أن الناس كانوا أمة واحدة على التوحيد عشر قرون بعد نوح ثم وقع الشرك فبعث الله الرسل. وينقل أقوال المفسرين كابن عباس والشيخ محمد بن عبد الوهاب في معنى الأمة الأولى وأول الرسل.

بعثة الأنبياء ونزول الكتب للحكم بين الناس

يبين المقطع أن الله بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين بعدما نسي الناس التوحيد، وأنزل الكتب لتحكم في أصول الدين وفروعه. ويذكر ثمرات الطاعة من رزق وقوة وجنة، وعواقب المعصية من حرمان وضعف ونار.

الرد إلى الكتاب والسنة مرجعاً للخلاف وأسبابه

يؤكد المقطع وجوب الرد إلى الله والرسول بالكتاب والسنة عند التنازع، محذراً من اتباع الهوى وإعجاب كل ذي رأي برأيه. ويضرب المثل بأهل الكتاب الذين اختلفوا بغيا من بعد ما جاءتهم البينات.

خاتمة الدرس وتأجيل تكملة تفسير الآية

يختتم الشيخ الدرس مؤكداً أن الله هدى المؤمنين للحق الذي اختلف فيه غيرهم بإذنه. ويعلن أن بقية تفسير الآية الكريمة ستُستكمل في الدرس القادم إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. قال رحمه الله: أي كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشر القرون بعد نوح عليه السلام، وهذا على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنه. وبعضهم يقول: إن هذا من باب الرفع. ذكر ابن عباس أن بين آدم ونوح عشرة قرون على التوحيد، ثم بعد ذلك حدث الشرك، وإلا كانوا على التوحيد. كان الناس أمة واحدة أي على التوحيد. الله جل وعلا فبعث الله النبيين المبشرين، أي لما حصل الشرك بالله. قال: فلما اختلفوا في الدين، كفر فريق منهم، وبقي الفريق الآخر على الهدى، وحصل النزاع، فبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيموا الحجة عليهم. ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن نوح هو أول الرسل، أولهم نوح، على أن آدم نبي من أنبياء الله عز وجل لم يرسل إلى أحد، وهذا على التفريق بين النبي والرسول. فآدم أول من أرسله الله عز وجل إلى الناس لما اختلفوا. ولما اختلفوا قالوا: بقي الفريق الآخر على الهدى، وحصل النزاع، فبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيم الحجة عليهم. وقيل: بل كانوا، أي كان الناس مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء، ليس لهم نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم. وهذا القول التفسير الثاني له وجه، على أنه قوله: كان الناس أمة واحدة، أي في الكفر كانوا على الكفر. فبعث الله عز وجل الأنبياء لما نُسي التوحيد، ونسي الناس الله جل وعلا، كما جاء عن ابن عباس: فلما جاء بعدهم آباء نسوا العلم، فصوروا هذه الصور، وكذلك عبدوا هذه الآلهة من دون الله جل وعلا. فقال: فلما نسي العلم عُبدت من دون الله. فقد يكون المراد هذا أو الأول، كلاهما يقتضي هذه الآية: فإما أنهم على أمة واحدة أي على التوحيد، أو أمة واحدة على الشرك. قال رحمه الله: مبشرين، أي من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق والقوة، وهذا ما يؤيد التفسير الأول بقوله: مبشرين ومنذرين. وقد يقول: مبشرين لمن أطاع الله، ولمن وحد الله، وأما من أشرك فهو ينذر بعذاب الله جل وعلا. قال: وقال: من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وعلى ذلك الفوز برضوان الله والجنة. أي هذا وعد الله لمن أطاعه بتيسير له الرزق الحلال والقوة، وقوة البدن والقلب، والحياة الطيبة: ﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾. قالوا: المنذرين، أي من عصى الله بثمرات المعصية من حرمان الرزق، والضعف، والإهانة، والحياة الضنك، وأشد ذلك سخط الله والنار. وأنزل الكتب عليهم بالحق، وهو الأخبار الصادقة والأوامر العادلة. قال: فكل ما اجتمعت عليه الكتب فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع. أي كتب الله جل وعلا التي أنزلها، فجعلها ميزان للعدل والحق. ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾. فكان من الأصول، أي من العقائد، أو من الفروع التي تتفرع عن هذه الأمور. وإن كان هذا ليس مراد أهل السنة تقسيم الدين إلى أصول وفروع، أو أراد رحمه الله الأصول الثابتة. وهذا صح: الأصول الثابتة في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، تتفرع منها مسائل قد تسمى هذه المسائل المتفرعة فروعًا. مثلًا: الصلاة أصل من أصول الإسلام، وركن من أركان الإسلام، ولها فروع في كيفيتها، وكذلك شروطها وأركانها غيرها، فهذه تعرف بذلك. قالوا: هذا الواجب عند الاختلاف والتنازع أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله. ولولا أن في كتابه وسنة رسوله فصل النزاع، لما أمر بالرد إليهما: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾. فإذا أردت أن تحل النزاع، أرجع ذلك إلى الكتاب والسنة، وارجعه إلى من يعرف الكتاب والسنة، فيذهب ذلك الاختلاف والنزاع. لكن إذا اتبع الهوى، وأراد كل واحد هواه، وأنه هو الذي يعرف الكتاب والسنة، وأنه كذا وكذا، فهذا يحصل به النزاع، كما في حديث: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ». أي عليك أن تشغل نفسك بما أنت فيه من الحق. كان معك أحد، فاشغل نفسك معه واهتم به. وكان هناك طلبة علم أو ناس على الحق، فإنهم يوصي بعضهم بعضًا على هذا الحق. وإن لم يوجد الحق، فيبقى على الحق، ويدع أهل الباطل. قالوا: لما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم، أخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض. فقال عز وجل: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾. بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام، وكثرة الاختلاف. وهذا ما جاء بعد ما جاءتهم البينات. هذه البينات هي العلم. العلم أحيانًا يفرق أهل الحق، أو يفرق في أهل الباطل، يعني يجعل الناس منهم أهل حق إذا جاءهم العلم، كما ذكر ربنا جل وعلا عن اليهود: فإنهم لما جاءهم العلم بغى بعضهم على بعض. وكذلك لما جاءهم النبي عليه الصلاة والسلام، فإن بعضهم آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم لم يؤمن، بل استمر على ما هو عليه من الكفر والطغيان. قال: فاختلفوا في الكتاب الذي يكون أولى الناس بالاجتماع عليه، وذلك من بعد ما علموه وتأقنوه بالآيات البينات والأدلة القاطعات، وضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا. وهدى الله الذين آمنوا من هذه الأمة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه. وإن شاء الله تعالى بقية الكلام نذكره في الدرس اللاحق، أو بقية تفسير الآية نذكره في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا. والله تعالى أعلم.