تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 34

تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 34

الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

هداية المؤمنين للحق في اختلافات أهل الكتاب واختصاص الأمة بيوم الجمعة والقرآن

يفسر المقطع آية ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ مبيناً أن الله هدى الأمة للحق في مسائل اختلف فيها أهل الكتاب، كاختصاص المسلمين بيوم الجمعة وجعل القرآن ناسخاً للكتب السابقة. وتزداد بصيرة العبد بالحق كلما قوي إيمانه.

هداية الله للمؤمنين للحق بالإيمان والتقوى

يوضح المقطع أن الله يوفق أهل الإيمان والتقوى لمعرفة الحق الذي اختلف فيه الناس، مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال المفسرين كابن جرير الطبري. والاختلاف وقع بين أهل الكتاب في حقائق الدين فهدى الله هذه الأمة للصواب بتيسيره ورحمته.

موقف الإسلام من عيسى وإبراهيم وتقسيم الناس إلى مهتدين وضالين ومغضوب عليهم

يبين المقطع أن الإسلام جاء بالحق في عيسى وإبراهيم، فاليهود افتروا على عيسى والنصارى غلو فيه بينما هو عبد الله ورسوله، وإبراهيم حنيف مسلم لا يهودي ولا نصراني. كما يقسم الله الناس إلى مهتدين للصراط المستقيم، ومغضوب عليهم (اليهود) لعلمهم بالحق وجحودهم، وضالين (النصارى) لعبادتهم بغير علم.

جزاء البخل والتكذيب بالحسنى ويسر العسرى

توضح الآية أن من بخل واستغنى وكذب بالحسنى سيسهل الله عليه طريق العسرى، بينما من سلك سبيل الحق وفقه الله. ومن أعرض عن الحق فإنما يضر نفسه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم أمر الله بالصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ذكرنا في الدرس الماضي تفسير قول الله عز وجل: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. ففي قوله جل وعلا: ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾، فهدى الله الذين آمنوا أي: لقوة إيمانهم هداهم الله، فقال: ﴿ وَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾. وكل ما اختلف فيه أهل الكتاب، أو كل ما اختلف فيه أهل الكتاب وأخطأوا فيه الحق والصواب، هداهم الله للحق فيه هذه الأمة بإذنه تعالى وتيسيره له ورحمته. ومن ذلك ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن الله عز وجل جعل يوم الجمعة هو يوم عيد المسلمين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فَهَدَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، فَهُمْ تَبَعٌ لَنَا، نَحْنُ الْيَوْمَ، وَالْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ». عن أهل الإسلام، مع أنهم آخر الأمم لكن سبقوا الأمم السابقة، فكان عيد المسلمين الجمعة. هداهم الله عز وجل لهذا اليوم العظيم، واليهود السبت، والأحد النصارى. وذكر زيد بن أسلم رحمه الله من التابعين: ذكر أن الله عز وجل هدى الله هذه الأمة لأمور كثيرة، ومن ذلك أنه هداهم للحق، هداهم للحق الذي تركه اليهود والنصارى، وهو إنزال الكتب. أن الحق الذي أعطاهم الله عز وجل إياه هو القرآن، وقد نسخ القرآن تلك الكتب السابقة، فكان الحق مع أهل الإسلام، هداهم الله عز وجل له. وأيضًا في هذه الآية يبين الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى يبصر بالحق أهل الإيمان، كلما قوي إيمان العبد كلما بصره الله عز وجل بالحق، وكلما ابتعد عن الإيمان كلما كان الحق بعيدا عنه. فلهذا يوفق الله عز وجل أهل الإيمان ويهديهم السبل والطرق، كما قال جل وعلا: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾. وأيضًا كذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾. فبالإيمان والتقوى فإن العبد يوفق إلى الحق، فإذا اختلف الناس وفق الله عز وجل أهل الإيمان وأهل التقوى، وفقهم إلى هذا الحق الذي اختلف فيه الناس. فلهذا تجد سقوط كثير في الفتن، وكذلك ابتعادهم عن الحق بسبب ذنوبهم، بسبب ضعف إيمانهم. قال: «فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب أخطأوا فيه الحق والصواب، هذا هداهم الله من الحق في هذه الأمة بإذنه تعالى وتيسيره لهم ورحمته». ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. وقوله هنا: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾، هنا قال: بتيسيره لهم ورحمته. ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾: يسر الله عز وجل لهم الحق. ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾: فهم اختلفوا فيه، أي: أرادوه. كما ليس أنهم اختلفوا في الحق نفسه أنه مثلا حق فاختلفوا فيه، لا، وإنما أرادوا الحق فأخطأوه، فأصاب هذا الحق أهل الإيمان. هكذا فسرها الإمام الطبري وغيره. وبعضهم قال: إنما اختلفوا في الإسلام، أرادوا اختلفوا في الحق الذي هم ظنوه، فظنوا أن ما معهم وما عندهم حق لأنه أنزله الله، لكن ربنا جل وعلا نسخ، وجاء أيضا تفسير آخر: أن الحق هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اختلفوا فيه، وكذلك عيسى عليه السلام اختلفوا فيه، أيضًا إبراهيم اختلفوا فيه. أي: اختلفوا فيه من اليهود والنصارى وأمة الإسلام. فنبينا عليه الصلاة والسلام أنكره اليهود والنصارى ولم يؤمنوا به إلا من آمن به فهو مؤمن، اعتبر مؤمن. وأما عيسى فاليهود افترت عليه وأرادوا قتله واتهموا أمه، والنصارى غلوا فيه حتى قالوا أنه إله وابن الله، لكن أهل الإسلام هداهم الله عز وجل للحق، فهم يعلمون أن عيسى روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، فهو عبد من عباد الله، فهو عبد من عباد الله. كذلك إبراهيم أيضًا اختلفوا فيه، فقالت اليهود: إن إبراهيم من اليهود، وقالت النصارى: إبراهيم نصراني، وقال الله عز وجل: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. فهذه كلها الأشياء التي هدى الله عز وجل بها أهل الإيمان، وهداهم كذلك إلى الصراط المستقيم كما جاء في الفاتحة. فهذه الآية تشبه آية الفاتحة، أن الله عز وجل قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: هداة إلى الحق وإلى الصراط المستقيم، وضالون، ومغضوب عليهم. فالمغضوب عليهم اليهود، والضالون هم النصارى. لماذا غضب الله عز وجل عليهم؟ لأنهم عندهم علم بهذا الحق لكن أبوا أن يسلكوه حسدًا من عند أنفسهم، فغضب الله عز وجل عليهم. وكذلك النصارى لأنهم عبدوا الله بغير علم فضلوا وأضلوا. وبعض العلماء يكون كما ذكر الشيخ: أن النصارى أيضًا يدخلون في المغضوب عليهم، لأنهم أيضًا قساوستهم أو قساستهم ورهبانهم يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وكتبوها، وهم داخلون في المغضوب عليهم كذلك. قال: «كل ما اختلف فيه أهل الكتاب، أو قال هنا: فالله يهدي من يشاء إلى صراط المستقيم». فعمّ الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدل منه تعالى وإقامة حجة على الخلق، لأن يقول: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾، وهذا بفضله ورحمته وعادته ولطفه. من شاء من عباده الذين سلكوا طريق الحق وأرادوه، قال: فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته تبارك وتعالى. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ بفضله وإحسانه، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى. ومن سلك طريق الحق وسبل الحق، طريق وطرقه، وفقه الله عز وجل. ومن أعرض فهو يعرض لنفسه. طيب، هذا ما ذكره من... وما يذكر في هذه الآية نكتفي به، والله تعالى أعلم. ومن أعطى، ومن أعطى، ومن أعطى، ومن أعطى.