الدرس في تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الدرس يبدأ بتفسير سورة البلد من تفسير الجلالين، حيث يُفسر معنى القسم بمكة المكرمة وبالوالد وما ولد، وخلق الإنسان في كبد وتعب.
تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الإنسان المتغطرس والكافر، حيث يُبين أن الله يعلم بأفعال العباد ويحصيها لهم، ويُظهر عاقبة هؤلاء.
أوضح الله الأعمال التي تعين على اقتحام العقبة، مثل فك الرقاب وإطعام المساكين، وخصلتي الصبر والرحمة التي يجب أن يتصف بهما المؤمنون.
تفسير الآيات الخاصة بالكفار وأصحاب المشأمة، موضحًا أنهم أصحاب النار والشمال، ويُدخلون النار وتغلق عليهم الأبواب.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درسنا الأخير من دروس التفسير انتهينا من قراءة سورة البلد من تفسير الجلالين، وناسب كما اعتدنا في هذا المقام أن نبدي ونعيد ونجدد الاختصار فيما ذكر من تفسير هذه السورة الكريمة. فقوله سبحانه وتعالى ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ قلنا هذا أسلوب قرآني، والمعنى أي أقسم بهذا البلد، فيكون «لا» زائدة، ويؤتى بها للتوكيد أقسم بهذا البلد. وما هي البلد التي أقسم بها الرب؟ هي مكة بالاتفاق. وأقسم بها ربنا عز وجل لشرفها. ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ وأنت الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، وأنت ماذا؟ وأنت حل يا محمد بمكة حل بهذا البلد، على قولين اثنين، أكثر العلماء على معنى حل أي مستحل، مستحل أي لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحل لهذا البلد، والمقصود بالاستحلال هاهنا أي بما سيكون من فتح مكة على يديك، إذ أن الله عز وجل أباح مكة لنبينا عليه الصلاة والسلام ساعة من نهار، وهذه الآية تعتبر من المبشرات التي بشر بها ربنا نبينا صلى الله عليه وسلم بفتح مكة، إذ أن هذه السورة مكية، لكنها تخبر من الآن بأن مكة ستكون بلدًا من بلاد أهل الإسلام. والقول الثاني «وأنت حل» أي أنت مقيم، وأنت حل بهذا البلد أي وأنت مقيم بهذا البلد، بمعنى أن هذه البلد تزداد شرفًا بوجودك فيها. ﴿وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد﴾ أقسم ربنا عز وجل بالوالد وما ولد على قولين، قيل أن والد وما ولد هو آدم عليه السلام، وأيضًا ذريته، أقسم الله بآدم وبالذرية، وهذه إشارة إلى عظيم البشرية، إذ أن الله عز وجل أقسم بهم. والقول الثاني «ووالد وما ولد» عموم، عموم من يكون له الولادة يدخل في ذلك البشر، ويدخل في ذلك الحيوانات، ويدخل في ذلك الحشرات، ويدخل في ذلك الطيور، أي بمعنى الكائنات بشكل عام أقسم بها الرب سبحانه وتعالى. ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ هذا المقسم عليه، ما مضى المقسم به، على ماذا أقسم؟ على هذه الحقيقة «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، في كبد أيضًا على قولين شهيرين، القول الأشهر والذي عليه المؤلف والأكثر «لقد خلقنا الإنسان في مكابدة»، كبد مكابدة وتعب ونصب، ويضضح ذلك جليًا في خلقة البشر من أول مخرجهم من الدنيا من بطون أمهاتهم حتى تأتيهم المنية، والإنسان يعيش في أتعاب وفي نصب، ذاك بفقر ومسكنة، ذاك بمرض وعلة، ذاك بفزع، ذاك بحرب، ذاك بقتال، ذاك بخوف وفزع وهم وغم، وهكذا الإنسان في هذه الدنيا يتخطى هذه البحار الجسام من الأهوال، هذا هو في كبد، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان لا يطمع أن يستقر في هذه الدار دار الدنيا، هي دار الكبد والتعب، وإنما إن كان من استقرار فاجعلها في الآخرة، فهذه الدار هي دار ما مر. والقول الثاني في كبد «لقد خلقنا الإنسان في كبد» في أحسن هيئة، في كبد أي في انتصاب انتصاب، فالإنسان هو الكائن الذي ليس وجهه متأطئ على الأرض كباقي الحيوانات والدواب، وإنما يمشي على رجليه منتصبًا، وفي ذلك بيان لعظيم خلقة الله للإنسان «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»، هذا معنى كبد على هذين المعنيين. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا﴾ العلماء في هذه الآية على قولين اثنين، إما أن الآية تتعلق بشخص بعينه، وهذا الذي مال إليه المؤلف رحمه الله تعالى، إلى رجل يسمى بأبي الأشدين، بأبي الأشدين وهو اسمه أسيد بن كلدة الجمحي، وكان كافرًا متغطرسًا، وكان معرضًا عن الدين والإسلام، فكان يقول يرى بما آتاه الله من قوة أن أحدًا لن يقدر عليه، لن يقدر عليه، وكان يقول أهلكت مالا لبدًا، مالا كثيرًا في ماذا؟ في عداوة محمد عليه الصلاة والسلام، هذا هو قول لبعض المفسرين. والقول الثاني أن هذه الآية تتحدث عن إنسان الكافر بشكل عام، وهو من اغتر على ربه سبحانه وتعالى، أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدًا، أي أن هذا الإنسان الكافر المتغطرس كما قال ربنا «ما غرك بربك الكريم»، يرى أن ما أعطاه الله من قوة ومن بدنه ومن قدره أنه يعترض على أمر ربه عز وجل، وأصبح هذا المال الذي بيده ينفقه على شهواته، ولهذا قال أهلكت أي كان هذا هو سبب هلاكي فيما أنفقته من المال على الحرام. قال «أيحسب أن لم يره أحد» هل ظل هذا الكافر سواء كان أبو الأشدين أو كان الكافر بشكل عام هل كان يرى أو يظن أو يعتقد بأن الله غافل عما يفعله بماله وما فعله في حياته؟ لا، الله عز وجل ليس بغافل عن العباد، ﴿إن ربك لبالمرصاد﴾ سبحانه، وإنما يحسب ربنا عز وجل هذه الأعمال والأقوال والأحوال ويعد لها الحساب يوم القيامة «إنما هي أعمالكم أحصيها لكم»، فالله يعلم، وبهذا تسلي لنا يا أهل الإسلام حين تجد أن الكافر المتغطرص يفعل ما يشاء من أذية أهل الإيمان، قد يأتي للواحد منا بعض الأفكار والأوهام ويقول أين الله؟ أين الله؟ ألا يضع حدًا لهذه التجاوزات من الكفار؟ الله موجود والله يعلم والله أعلم بما يوعون بما يجمعون. ﴿أيحسب أن لم يراه أحد﴾ الله مطلع على كل ما يكون في كونه وما يجري بين خلقه، لكن الله عز وجل قد أعد لكل شيء قدرًا سبحانه وتعالى. قال ﴿ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين﴾ هذا الإنسان الذي اغتر على ربه وأن الله غير قادر عليه، أما يطلع على حاله؟ أما ينظر إلى نفسه؟ هل هو مستغن عن ربه أم أنه محتاج إلى ربه في كل شؤونه؟ بل انظر يا أيها المتعجرف ما الذي أنت تعيش به؟ لهذه الأعضاء والحواس من أين جئت بها؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي حباك بها، جعلك لسانًا وشفتين وعينين تبصر بهما، وهذه دلالة على ضعف الإنسان، وأنا مهما تفوه من هذه الكلمات في صد دين الله جل وعلا، لكن الواقع يفضحه، فهو بحاجة إلى ربه سبحانه وتعالى في كل شأنه. قال ﴿وهديناه النجدين﴾ ليس فقط أن الله يمن على الإنسان بهذه النعم الدنيوية من نعمة الصحة والأعضاء والحواس، بل كذلك من الله على الناس بهذه النعم الدينية، إذ أن الله عز وجل جعل لكل إنسان البصيرة والتبصر بين طريق الخير والشر لمن أراد، ﴿إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾ حتى الكافر الكافر مع كفره لو أنه أنصف نفسه لعلم أن الإسلام هو دين الله هو دين الله لا دين آخر معه، بدليل أنظر لمن يدخل في الإسلام، لأقول في السنة ولأقول في الشهر بل لأقول في اليوم الواحد، في اليوم الواحد لا يدخل في الإسلام في العالم كله الشخص والشخصين لا والله، بل يدخل المئات المئات الكثير من الناس يدخلون إلى دين الله أفواجًا، ما الذي أدخلهم؟ مع كثرة التشويه والتشميت في المسلمين والدعايات المضللة لهذا الدين، لكن الحق المبين الحق واضح، فالله عز وجل قد أبان الحجة وأوضح المحجة «إن هديناه السبيل إما شاكر وإما كفور»، ما هناك بعد الكفر إلا الإسلام، ولهذا المسلم إذا أنصف نفسه يعلم أن الله قد أوضح المعلم في اتباع دينه، وهذا من أعظم النعم، أعظم النعم، لم يجعل الله عز وجل الحق ملتبسًا على الخلق. قال سبحانه ﴿فلقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة﴾ أخبر ربنا عز وجل أن الإنسان لا بد أن يتخطى هذه العقبة الكؤود، والعقبة هي الطريق الوعر المرتفع، واختلفت أنظار العلماء في هذه العقبة، قيل أنه الصراط المستقيم، وقيل أنه جبل في جهنم، وقيل أنه هو الإنسان هو الإنسان الذي جبل عليه من الشهوات، هذا لا بد أن يقتحمه حتى يكون على خير حال. ثم أشار ربنا عز وجل إلى الأعمال التي تعين على اقتحام العقبة وتجاوز هذه العقبة، فقال سبحانه ﴿فكوا رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾، فكوا إطعام، وعلى قراءة المؤلف «فك رقبة أو أطعم يومًا ذي مسغبة» على قراءتين، فهذين العملين أشار إليهم ربنا عز وجل، وهم من أفضل الأعمال التي بها ينجو الإنسان من غضب الله، ألا وهو ما يكون من اعتاق الرقاب، ويدخل في ذلك الأسرة كما مضى معنا، والأمر الثاني الإطعام، إطعام المساكين، وخاصة في يوم ذي مسغبة، أي يوم ذي مجاعة والناس بحاجة، فعند الحاجة يعظم الأجر والمثابة. ومن يذهب إليه هذا الإطعام أشار ربنا عز وجل إلى صنفين من الناس هم كذلك من أحوج الناس إلى الإطعام والموفق من وفقه الله إلى المصول إليهم «يتيما ذا مقربة» يتيم من ذوي قرابتك من ذوي أرحامك، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان يتلمس أهله، والأمر الثاني «أو مسكينا ذا متربة» مسكين بلغ به الحال إلى أنه ما يملك إلا التراب، إشارة إلى أنه ما يملك شيئًا أصلا، فهؤلاء بأمس الحاجة إلى من يطعمهم ومن يأويهم ومن يعينهم. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ ثم بمعنى الواو، أي كان هذا الإنسان الذي أطعم المسكين واليتيم والذي أنفق الرقاب وفك الأسير، وهو مع ذلك من الذين آمنوا، أي وهو مؤمن، أي أتى بالإيمان، وهذا من أعظم صفات أهل الإيمان الخلص، «وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة» أي هذه من صفات أهل الإيمان أنهم أيضًا انتصبوا بهذه الصفات، وأشار ربنا في هذه الآية إلى صفتين عظيمتين، أولاها الصبر، والثاني الرحمة، الصبر وهي من أعظم الصفات، وهي من الصفات التعبدية فيما بين العبد وبين الرب، والرحمة هي من أعظم الصفات التعاملية بين العبد وبين الخلق. فهنيئًا من اتصف بهما كان من الصابرين، يصبر على الطاعات لا يتوانى لا يتقاعز لا يتكاسل لا يترك، وإنما يعبد الله عز وجل حتى يأتيه اليقين، الصبر وأيضًا كذلك هذا مع ربه، وما مع خلق الله، فهو متواصي بالرحمة، العطف واللين والإعانة والمساعدة، وغض الطرف، عدم الانتقام، لا شحناء لا بغضاء لا عداوة أبدًا، سليم الصدر، هذا من أعظم أهل الإيمان تعاملا مع الأنام. ثم كان من الذي قال «وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة أولئك أصحاب الميمنة» أي هؤلاء هم أصحاب الجنة، أي من ظفر بهذه الأمور فهذا بشرى لهذا الموفق أن الله عز وجل هيئ له الجنة، وسموا بأصحاب الميمنة، إما أنهم يؤخذون بذات اليمين تمهيدًا لإدخالهم الجنة، أو لأنهم يأخذون صحائفهم باليمنة، إشارة إلى فوزهم ونجاحهم. ثم قال «والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة» هم أصحاب الشمال، بمعنى هم أصحاب النار، هم الكفار، وسموا بالمشأمة، قيل كما قلنا بالشمال لأنهم يؤخذون إلى ذات الشمال إلى اليسار تمهيدًا لجرهم وسلسلتهم إلى النيران، أو أنهم ممن يأخذون كتابهم بشمالهم، إشارة إلى تعاستهم وإلى خسارتهم، وقيل أن معنى «هم أصحاب المشأمة» هؤلاء أصحاب الشؤم، شؤمهم على أنفسهم بما كان من كفرهم بربهم. قال «عليهم نار مؤصدة» أي هذه النهاية الحتمية أنهم يدخلون النار، ثم تغلق عليهم الأبواب، خالدين مخلدين. أسأل الله السلامة والعافية، هذا خلاصة ما يذكر إخواني في الله في تفسير سورة البلد، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.