باب الصبر من رياض الصالحين 39

باب الصبر من رياض الصالحين 39

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

الصبر على ولاة الأمر الظالمين وأداء الحقوق

يشرح المقطع حديثي ابن مسعود وأسيد بن حضير عن نبوءة النبي ﷺ بوقوع الأثرة والمنكرات، مبيناً أن الأثرة هي استئثار الحاكم بالمال العام. ويأمر الرعية بأداء حق السمع والطاعة وعدم الخروج على الولاة لأن مفسدة الخروج أعظم، مع التوجه بالدعاء لنيل الحقوق.

وجوب الصبر على جور الولاة والنهي عن الخروج

يؤكد النص وجوب الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم مستدلاً بأحاديث نبوية وأثر أنس بن مالك في زمن الحجاج. وينهى عن المظاهرات وحرق الإطارات وقطع الطرق باعتبارها إثارة للفتن، مع جواز النصيحة للحكام بالأسلوب الحسن دون تهييج.

الحكمة في التعامل مع الفتن وصلاح الرعية

يوضح المقطع أن الشريعة تهدف لدرء المفاسد الكبرى بالصغرى، ضارباً المثل بقصة علي بن أبي طالب مع خارجي وقصة أمير أموي. ويبين أن صلاح الولاة منوط بصلاح الرعية، وعلى المسلم الصبر وإصلاح النفس لنيل الولاة الصالحين.

خاتمة المحاضرة وتأكيد دعوة أهل السنة

يؤكد المتحدث أن ما طرحه هو منهج علماء أهل السنة في كل زمان ومكان. ثم يختم حديثه بالاكتفاء بما ذكر شاكراً الله تعالى والحضور على الاستماع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث الخامس والعشرون: وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها». قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». متفق عليه. والأثرة: الانفراد بالشيء عمن له فيه حق. وعن أبي يحيى أسيد بن حضير رضي الله عنه أن رجلاً من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟ فقال: «إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». هذان الحديثان ذكرهما الإمام النووي في باب الصبر على الولاة الظلمة الذين يستأثرون بالحق العام لأنفسهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته عليه الصلاة والسلام - أنها ستكون بعده أثرة. والأثرة كما فسرها الإمام النووي: الانفراد بالشيء عمن له فيه حق، يعني يتولى حاكم أو رئيس أو وزير أو مسؤول من المسؤولين على شيء عام للمسلمين، فينفرد بهذا الشيء، أي هذا المال الذي يخرج من هذه البلد، أو المال الذي يدخل خزينة الدولة، أو نحو ذلك، فينفرد بهذا المال لنفسه ويأخذ أكثر مما يستحقه، فهذه هي الأثرة. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأمور تنكرونها»، يعني من الظلم والمنكر الظاهر الواضح. فمن حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على السلامة، وعلى كذلك إصابة الحق في مثل هذه الفتن، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا إذا وقعنا في هذا الزمن الذي تقع فيه هذه الأثرة وهذه الأمور المنكرة؟ فأخبرنا الحل، ما هو الحل، ما هو المخرج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تؤدون الحق الذي عليكم». ما معنى «تؤدون الحق الذي عليكم»؟ أنت لست والياً، وإنما من الرعية، فما هو الواجب على الرعية تجاه وليها وإن كان ظالماً؟ ما هو واجبها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تؤدون الحق الذي عليكم»، يعني لا يمنعكم استئثارهم بالمال عليكم أن تمنعوا ما يجب عليكم نحوهم. وما هو الذي يجب علينا نحوهم؟ السمع والطاعة، وعدم الإثارة، وعدم التشويش عليهم. قد يقول قائل: إذن نتركهم هكذا يعبثون ويفعلون ما يشاءون؟ فيقال: النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لك: اتركهم هكذا، وإنما حذرك من أن تتخذ أموراً مفاسدها أكثر من مصالحها، لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح وتقليلها - ودرء المفاسد - جاءت الشريعة بتحقيق المصالح وتكثيرها، وب دفع المفاسد وتخفيفها وتخفيفها. فمن المفسدة أن يستأثر هذا الوالي أو هذا الحاكم على المال العام لنفسه ويحرم الرعية، هذا مفسدة، لكن أعظم من هذه المفسدة أن يخرج عليه، وأن يشوش عليه، ويثار عليه، فهذه مفسدته أعظم من مفسدة أن يستأثر بشيء من المال. لماذا؟ والواقع خير شاهد، الواقع خير شاهد. هلموا إلى بلد من البلدان خرجوا على حاكمهم فتحسنت أمورهم وأتاهم حكام صالحون. هلموا إلى بلد من البلدان. وخير شاهد عندنا، لا تبعدوا بعيداً، عندنا هنا في اليمن: ماذا جنت تلك الخروجات والإثارات والمظاهرات والفتن؟ ماذا أنتجت وماذا أثمرت؟ هل تحسنت أحوالنا؟ هل ارتفع الظلم عنا؟ أبداً. فالنبي صلى الله عليه وسلم، رسول الله، يوحى إليه، يعلم عليه الصلاة والسلام أن الخروج على الولاة، وعدم السمع والطاعة لهم في طاعة الله، وأيضاً عدم الإثارة وعدم التشويش عليهم، مصلحته أعظم... أو مفسدته أعظم، يعني: الوقوع في هذه الأشياء مفسدته أعظم من مفسدة الاستئثار بالمال. فإذا هذا يتطلب من المسلم أن يصبر، أن يصبر. لا تقل لي: الصبر إذا تجاوز حدود قتل، هذا كلام الجهال، لا يعارض كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه الأقوال الخاطئة. أنت مأمور بشرع، بدين، بنهج محمدي، فينبغي عليك أن تصبر. وكما جاء في الحديث الآخر: هذا الرجل من الأنصار يريد الإمارة، «ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟» ألا تجعلني مسؤولاً، وزيراً على صندوق من صناديق أموال المسلمين؟ «ألا تستعملني كما استعملت فلاناً؟» فماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «إنكم ستلقون بعدي أثرة»، والأثرة عرفنا معناها، فماذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». لا يستفزكم هذا الأمر فتطيش عقولكم وتخرجوا عن إطار الصبر، اصبروا حتى تلقوني على الحوض. وفعل الصحابة والسلف الصالح يدل على هذا الأمر، وأنهم التزموا الصبر في مثل هذه الفتن. في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي، كان بعض الصحابة موجوداً، كأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وتعرفون ظلم الحجاج وبطش الحجاج، فجاء بعض المسلمين يشتكون ظلم الحجاج عند أنس بن مالك، قال له: يا أنس، يا صاحب رسول الله، هذا قتل ما قتل من العلماء، وأخذ ما أخذ من أموال المسلمين، نبقى هكذا؟ فقال أنس بن مالك: «إنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه». قال: فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأمرهم بالصبر، أمرهم بالصبر. فما يفعله اليوم بعض الناس من حرق الإطارات في الشوارع، وقطع الطرق، وكذلك إثارة الفتن، هذا ينافي ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام. نحن ما نختلف مع كثير من الناس في أن الظلم موجود، وأن التقصير موجود، وأن الأثرة موجودة، لكن ينبغي للمسلم أن يلتزم منهج النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الفتن، ولا يخرج عما أرشد إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولذلك لما... من نوع... أورد هذه الأحاديث في باب الصبر: «اصبر، املك نفسك». وفي هذا الحديث أيضاً أن النفوس شحيحة، وأنها لن تصبر على من يستأثر عليهم بحقوقهم، ولكن عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أمر قد يكون فيه الخير، بل فيه الخير، وهو الصبر. فمثل ما تصبر عند الغضب، مثل ما تصبر عند الشدائد والمحن في جسدك، في مالك، فاصبر على ظلم الولاة. وليس معنى هذا أنه لا ينكر عليهم، ولا يبين كذلك الخطأ الذي يقعون فيه بأسلوب حسن، المراد منه النصيحة، المراد منه عدم الإثارة، المراد منه إصلاح المجتمع. أما خلاف ذلك من التهييج، ومن الإثارة والتشويش، وإغار صدور الرعية على الراعي، فهذا ليس من منهج رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذا الحديث أيضاً فيه استعمال الحكمة في الأمور التي قد تقتضي الإثارة، وكما سمعنا أن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها، فمن الحكمة أن تدرأ المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى. المفسدة الكبرى: تردي الأحوال والأوضاع. كم من أناس قتلوا في هذه الفتن إلى اليوم؟ والليلة نسمع: قتلوا فلان في بلاد كذا، قتلوا فلان في بلاد كذا. الرسول عليه الصلاة والسلام يوحى إليه من ربه، علم عليه الصلاة والسلام مما أوحاه الله إليه أن هذه الفتن لا تزيد الطين إلا بلة، ولا تكون علاجاً لإصلاح الولاة أو إصلاح الأمور، وإنما الإصلاح يكون بتقوى الله، بالطاعة، بالنصح، وكذلك العلم ونحو ذلك مما يكون سبباً في صلاح الراعي والرعية، في إصلاح الراعي والرعية. لذلك فإنه إذا صلحت الرعية، يسر الله لهم بولاة صالحين، والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]، بما كانوا يكسبون. يذكر كما ذكر الشيخ ابن عثيمين في شرحه على هذين الحديثين: يذكر أن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب، وقال له: يا علي، ما بال الناس انتقدوا عليك، ولم ينتقدوا على أبي بكر وعمر؟ الفتن ظهرت بعد عثمان رضي الله عنه، ثم علي، وهكذا تتابعت. فجاء هذا الخارج إلى علي بن أبي طالب، فقال له: الآن خرج عليك من خرج، وصارت الفتن بين المسلمين، فكيف الناس انتقدوا عليك ولم ينتقدوا على أبي بكر وعمر؟ فقال له علي رضي الله عنه: «إن رجال أبي بكر وعمر كنت أنا وأمثالي، أما رجالي فكنت أنت وأمثالك، أنت الذي خرجت، وأنت الفاسد، وأنت فسد في عقيدتك، وجاء من هو على شاكلتك، فكيف تريد أن يولّى عليك مثل ما ولي علي وعلى أمثالي من الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم؟». فكما تكونوا يولّى عليكم. والله، لو أصلح الرعية من أحوالهم، واتقوا ربهم، ولجأوا إلى الله، ودعوا ربهم سبحانه وتعالى، لفرج عنهم هذه المآسي. وكذلك ذكر الشيخ ابن عثيمين أن أحد ملوك بني أمية سمع مقالة الناس فيه، الناس يتكلمون عليه، فجمع أشراف الناس وجهاءهم وكلمهم، قالوا: أظنه عبد الملك بن مروان. وقال لهم: يا أيها الناس، أتريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم. الآن، الآن الناس يريدون خليفة وحاكماً ورئيساً مثل أبي بكر وعمر، عدلاً، ما عنده أي ظلم ولا أثرة. انظروا هذه القضية، قد تكلم عليها السلف. ففي بني أمية، جمع الناس وقال لهم - أظن - قال لهم: أيها الناس، تريدون أن نكون لكم مثل أبي بكر وعمر؟ قالوا: نعم. الآن لو سألت الناس جميعاً: هل تريدون حاكماً مثل أبي بكر وعمر؟ يقولون: نعم. فماذا أجاب هذا الوالي العاقل؟ قال: إذا كنتم تريدون ذلك، فكونوا لنا مثل رجال أبي بكر وعمر، فوالله، سبحانه وتعالى حكيم، يولي على الناس من يكون بحسب أعمالهم، إن أساءوا يساء إليهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم. فإن نريد أن يولى علينا خيارنا، وأن يولى علينا كذلك أتقياؤنا، فلنتق الله، ولنربي أنفسنا على الخير والصلاح، فكما تكونوا يولّى عليكم. فالشاهد من هذا الحديث أن المسلم ينبغي عليه أن يصبر، وأن يمتثل أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يعالج الأمور بالعلم والحكمة، ومراعاة المصالح والمفاسد. وهذا الذي يدعو إليه أهل السنة وعلماء أهل السنة في كل زمان ومكان. نكتفي بهذا، وإلهنا الله تعالى. شكراً، شكراً، شكراً، شكراً.