باب الصبر من رياض الصالحين 38

باب الصبر من رياض الصالحين 38

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 38، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

دخول عيينة بن حصن على عمر وإساءته له

دخل عيينة بن حصن على عمر بن الخطاب وسبه واتهمه بالبخل والظلم، فغضب عمر وأراد معاقبته، فتدخل الحر بن قيس مذكراً إياه بآية العفو عن الجاهلين.

امتثال عمر لآية العفو ووقوفه عند حدود الله

امتثل عمر بن الخطاب فوراً لآية ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فعفا عن عيينة، مبيناً الفرق بين الجهل بالعلم والسفه، ومؤكداً أن المؤمن يقف عند حدود الله.

آداب القرآن في العفو والأمر بالمعروف وفضل أهل القرآن

استعرض المقطع آداباً قرآنية في العفو والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، وضرب عمر قدوة في استشارة أهل القرآن، مؤكداً أن الله يرفع بأهل القرآن.

خاتمة المجلس وتفويض العلم لله

اختتم المتحدث المجلس بعبارة الاكتفاء بما ذُكر، مفوضاً العلم لله تعالى بقوله: والله أعلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث الرابع والعشرون: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر رضي الله عنه. ومعنى ذلك أن الحر بن قيس من المقربين من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وهذا الرجل عيينة بن حصن نزل ضيفًا عند ابن أخيه الحر. وقال: وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا، والحر بن قيس من القراء، فلذلك كان من المقربين إلى عمر؛ لأن عمر كان يقرب في مجلسه أهل القرآن، أهل القرآن سواء أكانوا كبارًا أو شبابًا. قال: فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. يعني: ما أستطيع أن أدخل عليه، وأنت لك جاه ومنزلة عنده، فاستأذن لي، كن شفيعًا ووسيلة تدخلني عليه. قال: فاستأذن، فأذن له عمر. استأذن الحر بن قيس عمر أن يدخل عليه ابن أخيه عيينة بن حصن، فأذن عمر. فلما دخل عيينة بن حصن قال: "هيه يا ابن الخطاب". وهي كلمة تقال عند تهويل الشيء أو نحو ذلك. فقال: "هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل". انظر إلى هذا الكلام، يقول لعمر: أنت أيها الأمير ما تعطينا الجزل، والجزل هو العطاء الكثير. الجزل هو العطاء الكثير، فيقول لعمر: أنت ما تعطينا شيئًا، ما تعطينا عطاء، ولا كذلك تحكم فينا بالعدل. أنت ما عندك عدل، أنت بمعنى ذلك أنك ظالم. انظروا إلى هذه الكلمات الشديدة والعنيفة. فغضب عمر رضي الله عنه حتى هم أن يوقع به، وهو أمير المؤمنين، هم أن يؤدب هذا الرجل، وأن ينفذ فيه غضبه، وأن ينفذ فيه غضبه. فقال له الحر - وهو من أهل القرآن -: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين. يعني: الآية فيها العفو عن الجاهلين، وهذا من الجاهلين. وإلا فمن يأتي بهذا الكلام إلى عمر رضي الله تعالى عنه، المعروف عنه العدل، وكذلك الرحمة بالرعية ونحو ذلك؟ فكلام هذا الرجل في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لا شك أنه غير صحيح. فهذا الحر بن قيس ذكر عمر بهذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: وهذا من الجاهلين. قال: وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقافًا عند كتاب الله تعالى. رواه البخاري. أي: أن عمر أخذ بهذه الآية وعمل بها، ووقف عندها، ولم يتجاوزها، فعفى عن هذا الجاهل، ولم يؤذه بشيء، ولم يوصل إليه شيء من العقوبة، بل عفى عنه مع هذا الكلام الشديد. لكن لما تليت عليه هذه الآية عفى عنه. وهذا الحديث، وجه الشاهد منه هو بمعنى الحديث المتقدم، هو بمعنى الحديث المتقدم: من كظم غيظًا وهو قادر أن ينفذه. فعمر هنا قادر أن ينفذ غيظه، أن ينفذ غيظه، ولكنه عفى وصفح عن هذا الرجل. ففيه الصبر، فيه الصبر على جهل الجاهلين، فيه الصبر على جهل الجاهلين. والجهل يطلق على أمرين اثنين: الجهل يطلق على أمرين اثنين. الأمر الأول: عدم العلم بالشيء، يقول لك: فلان جاهل، يعني ما عنده علم بهذا الشيء. والأمر الثاني: السفه والتطاول، وإن كان ربما يكون عنده علم، لكن عنده سفاهة، وعنده تطاول. كم من من يدعي العلم ولسانه سليط على أقرانه، أو على إخوانه، أو على طلابه، أو نحو ذلك؟ فهذا يقال له جاهل؛ لأنه سفيه ومتطاول. وهذا كثير في بعض الناس، كثير في بعض الناس. فهذا هو معنى الجهل يأتي بهذين المعنيين. ومن فوائد هذا الحديث: الوقوف عند آيات الله عندما يذكر بها الإنسان، فإن المؤمن يقف عند حدود الله، ويتذكر إذا ذكر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وأما عدم الوقوف عند آيات الله وعند حدود الله، فهذا من صفات المنافقين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. ما يقف عند حدود الله إذا ذكرت بالصبر: اصبر، إذا ذكرت بالحلم: احلم، إذا ذكرت بالعفو: اعفُ، وهكذا. كن وقافًا عند كتاب الله عز وجل. فانظر إلى عمر لما ذكر بهذه الآية تذكر. وهذه الآية فيها عدة آداب: منها العفو: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، أي خذ ما عفا الناس، وما تيسر، ولا تطلب حقك كله؛ لأنه لا يحصل لك ذلك، فعامل الناس بالعفو. وفيه الأمر بالعرف، والعرف: كل ما عرفه الشرع وعرفه الناس مما لا يخالف الشرع، مما لا يخالف الشرع. فلا تأمر بمنكر، ولا بغير العرف، ولا بغير العرف. وهذه الآية أيضًا فيها أدب آخر، وهو الإعراض عن الجاهلين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾. فالجاهل السفيه لا يجارى، ولا كذلك يرد عليه؛ لأنه سفيه، والسفيه حقه أن يترك، فإنه يموت غيظًا، يموت غيظًا بسبب سكوتك. فهذا فيه كذلك هذا الأدب، فيه هذا الأدب. وكذلك من فوائد هذا الحديث، كما مر معنا: الصبر عند الغيظ وشدة الغضب، وهذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث في هذا الباب، من هذا الحديث في هذا الباب. وفي هذا الحديث أيضًا فائدة أخرى، وهي: أنه ينبغي لمن ولاه أمر المسلمين أن يقرب إليه أهل الخير والصلاح، أهل القرآن، أهل التقوى، أهل العلم، حتى يدلوه على الخير، وحتى يكون له بطانة صالحة. فانظر إلى عمر رضي الله تعالى عنه، من كان أهل مشورته وأهل مجلسه؟ إنهم القراء. أصحاب مجلس عمر ومشاورته القراء، كما جاء في هذا الحديث. وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء، وكان القراء أصحاب مجلس عمر رضي الله عنه. وهذا فيه فضيلة أصحاب القرآن، فضيلة أهل القرآن؛ فإنهم يقدمون في كل شيء: في الصلاة، في المشورة، في كذلك الاستشارة، في كذلك المجالس، ونحو ذلك؛ لأن القرآن هو أصل العلم، لأن القرآن هو أصل العلم. وكذلك يرفع الله عز وجل أهل العلم، كما جاء في حديث عمر لما ولي ابن أبي أبزى على أهل مكة، فقال: من ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا. قال: وليت عليهم مولى من موالينا؟ قال: إنه عالم بالقرآن، أو حافظ للقرآن، عالم بالفرائض. فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين". فينبغي علينا معاشر المسلمين أن نعتني بهذا القرآن، إن أردنا الرفعة في الدنيا والآخرة. نكتفي بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم.