الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 139، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يصف الحديث النبوي الصراط بأنه جسر منصوب على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، وعليه خطاطيف وكلاليب تخطف من تشاء. يمر المؤمنون عليه بسرعات متفاوتة وفق أعمالهم فمنهم من ينجو سالماً ومنهم من يخدش ومنهم من يكدس في النار.
يفصل المقطع معاني الخطاطيف والكلاليب والحسكة المفلطحة والشوكة العقيفة والسعدان كأوصاف لآلات الأخذ على الصراط. ثم يستعرض صفات مرور الناس عليه كمرور البرق والريح وطرف العين والطير وصولاً إلى الحبو والزحف.
يفسر المقطع معنى الناجي المخدوش الذي ينجو بعد أن تخدشه الخطاطيف، والمكدوس وهو المنافقون وعصاة المؤمنين الذين يدفعون إلى النار دفعاً. ويذكر أن آخر المارين يُسحب سحباً حتى يكتب له النجاة.
يؤكد المتحدث ثبوت حديث الشفاعة بروايته من طرق متعددة وألفاظ متنوعة عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم. ويختتم الكلام على مسائل الصراط والشفاعة مكتفياً بما تم بيانه.
الحمد لله، نحمدُه تعالى، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة حافظ حكم رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": "ما دليل ذلك من السنة؟". قال: والجواب فيه أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة: «يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلجة، مفلحة أو مفلطحة، لها شوكة عقيفاء، تكون بنجد يقال لها السعدان. المؤمن عليها كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب. فناجٍ مسلم، وناجٍ مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا». قال: الحديث في الصحيح، أي في صحيح البخاري ومسلم، من حديث أبي سعيد. وقال أبو سعيد رضي الله عنه: «بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف». فذكر هذين الحديثين من السنة في وصف الصراط، وعبر عنه في هذا الحديث بالجسر. والجسر هو ذلك الشيء الذي يوضع على الأنهار أو الأودية فيعبر عليه، يجعلُه القنطرة بين حافتين: نهر، أو بحر، أو وادي، أو نحو ذلك، فيسمى هذا الجسر. والصراط يسمى بالجسر لأنه يضرب على جهنم، يعني فوق جهنم، فيكون طرفه في أرض الموقف، والطرف الآخر فيما يلي الجنة، يعني بين أرضي الموقف وبين قرب الجنة. النار ما يستطيع أحد يعبر إلى الجنة إلا عن طريق هذا الجسر، وهو الصراط. وقوله في هذا الحديث: «فيجعل بين يدي ظهري جهنم»، يعني يجعل فوق جهنم، يجعل هذا الجسر فوق جهنم. وقوله: «مدحضة مزلة». يقال: مزلة، ويقال: مزلة، ويقال: مزلة. مزلة، مزلة، مزلة، بكسر الميم. ومعنى المزلة: يعني لا تثبت الأقدام عليه إلا من ثبته الله عز وجل من أهل الإيمان. وقوله: «عليه خطاطيف وكلاليب»، أي بمعنى على حفتيه. عليه، يعني على حفتيه، والحفتين يعني على جنبيه. الصراط على هذا الجنب وعلى هذا الجنب تكون هذه الخطاطيف والكلاليب. والكلاليب جاءت في رواية مسلم: «وعلى حفتي الصراط» بهذا اللفظ: «وعلى حفتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة بأخذ من أخذ، أو من أمرت به من أمرت به». والخطاطيف: جمع خُطّاف، والكلاليب: جمع كُلّوب أو كِلاب، وهما بمعنى واحد، وهما بمعنى واحد، وهما بمعنى واحد. ومعنى ذلك: أي ما هو معنى الخطاف أو كذلك الكلوب؟ هي الحديدة المعكوفة، الحديدة ثم تكون معكوفة كالتي يؤخذ بها الشيء أو يعلق بها الشيء، كتعليق اللحم مثلاً، أو عند الطبخ تعلق في التنور بهذا الكلوب أو نحو ذلك، أو ما يصطاد به مما يسمى به السنار أو السنارة، أو عندنا يسمونه القطف. يكون حديدة ثم فيها عطفة من الأسفل حتى يخطف به الحوت أو السمك في البحر. فهذا هو معنى الخطاطيف والكلاليب. وقوله هنا: «وحسكة مفلطحة». ومعنى الحسكة: أي الشوكة الصلبة، الشوكة الصلبة. ومفلطحة: أي عريضة وواسعة، عريضة وواسعة. هذا أيضًا مما يكون بين جنبتي الصراط، بين جنبتي الصراط. وقوله: «لها شوكة عقيفة». شوكة عقيفة: بمعنى معقوفة، بمعنى أيضًا معقوفة، يعني ملتوية كالسنارة مثلاً. وقوله: «تكون بنجد» أو «بِنجَد» يقال لها السعدان. وقالوا: لها السعدان، يعني أن هذه الشوكة معروفة لدى العرب، وهو نبات مشهور معروف، قريب من التكوير، يكون مكورًا وفيه شوك، وفيه شوك. وهذا ترعاه الإبل، وهو من أحسن مراعي الإبل، يسمى السعدان. فشبّه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الشجرة، بهذه الشجرة، بمعنى أن غير الإبل يتأذى منها لوجود الشوك فيها، أما الإبل لقوته فإن هذا الشوك لا يضره، فإن هذا الشوك لا يضره. وقوله: «المؤمن عليها كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخير والركاب». أذى فيه صفة المرور كما مر معنا مرور من يمر على الصراط. فذكر في هذا الحديث أربع صفات، وثبت في غير هذا الحديث أوصاف أخرى: كطرف العين، وهذا أسرع من البرق. يعني منهم من يمر كطرف العين، وجاء كالطير، وجاء كشد الرجال، يعني جريهم، جري الرجال. وجاء أيضًا منهم من يحبو حبوًا، منهم من يحبو حبوًا. وجاء أيضًا منهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يمشي مشيًا. وجاء كذلك منهم من يزحف زحفًا. كل هذا ورد في مرور الناس على الصراط، مرور الناس على الصراط. وقوله: «فناجٍ مسلم». كما تقدم معنا أحوال الناس عند المرور على الصراط على ثلاثة أحوال: الحال الأولى: الناجون من الوقوع في النار ومن خدش الكلاليب، هذا النوع الأول. والصنف الثاني: ناجٍ مخدوش. ومعنى ناجٍ مخدوش: كما تقدم معنا، أي ناجٍ من الوقوع في النار، ناجٍ من الوقوع في ماذا؟ في النار. لكن لا يسلم من خدش الخطاطيف والكلاليب، لا يسلم من ذلك، فهو مخدوش. ومكدوس في نار جهنم: هذا الصنف الثالث، قلناهم المنافقون وعصاة المؤمنين الذين شاء الله عز وجل أن يعذبهم في النار. وقوله: «هو مكدوس». المكدوس هو المدفوع، يعني من دُفع من خلفه يقال له مكدوس، بمعنى أن هؤلاء يدفعون إلى النار دفعًا، يدفعون إلى النار دفعًا. وقوله في آخر الحديث: «حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا». يعني ممن هو ناجٍ لكنه مخدوش. وهذا قال الشراح: هو يعني أسلم من يمر على الصراط، يعني أخف المارين على الصراط، أو أشدّ، أشد المارين على الصراط. من يسحب سحبًا: يقف في الصراط فيسحب، حتى قيل أن الملائكة تسحبه، أن الملائكة تسحبه، فيسحب سحبًا، يعني يعان من غيره حتى لا يسقط في نار جهنم. ولا شك أن الخطاطيف والكلاليب تخدشه وتجرحه وهو يسحب، يسحب، يسحب إلى أن ينجو من الوقوع في النار. نعم. وأما الحديث الآخر فهو في مسلم: حديث أبي سعيد الخدري: «بلغني أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف». هذا الحديث جاء عن أبي سعيد بلاغًا، ومعنى «بلغني»: يعني أُبلغت بهذا، لكن من المبلغ له؟ اختلف أهل العلم في ذلك: هل هو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو غيره من الصحابة، أو نحو ذلك؟ فالمهم أن أبا سعيد صحابي، وهو كما معلوم الصحابة كلهم ثقات. فأهل العلم أخذوا قول أبي سعيد الخدري في وصف الصراط، وأنه دقيق، الصراط دقيق، أي بمعنى صغير مثل الشعرة في دقته، وكذلك حاد مثل السيف، مثل السيف في حدته، وليس بواسع وعريض، وليس بواسع وعريض، بل هو بدقيق وحاد كما جاء في هذا الحديث. وجاء في حديث ابن مسعود أيضًا: «إنه كحد السيف»، «إنه كحد السيف». فهذا ذكر بعض الأحاديث المتعلقة بوصف الصراط، وما يكون من أحوال على هذا الصراط من السنة. وقلنا: هذا الحديث، حديث الشفاعة، جاء بألفاظ عدة وبروايات مختلفة، وعن مجموعة من الصحابة، ليس عن صحابي واحد، وإنما عن مجموعة من الصحابة، فهي أحاديث ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وغيرها من الأحاديث التي مرت معنا فيما يقع على هذا الصراط من أمور، ومن أحوال، ومن كذلك أشياء مرت معنا في الكلام على مسائل الصراط. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.