أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 62

أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 62

الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 62، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منهج السلف الصالح في مسألة الاستواء والفرق بين أهل السنة وأهل البدعة

يؤكد الدرس على وجوب اتباع منهج السلف الصالح في فهم الاستواء وسائر مسائل العقيدة، مستدلاً بالآيات والأحاديث التي تأمر باتباع سبيل المؤمنين وتحذر من الابتداع. ويبين أن الفرق الجوهري بين أهل السنة والمبتدعة هو التزام السلف، مستشهداً بقاعدة الإمام مالك: ما لم يكن ديناً في عهد النبي والصحابة لا يكون ديناً اليوم.

إجماع السلف على قاعدة: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول

يقرر المؤلف إجماع السلف على أن معنى الاستواء معلوم في اللغة وهو العلو والارتفاع، بينما كيفية ذلك مجهولة لأننا لم نر الله ولا نظيره. ويحتج بأن القرآن نزل بلسان عربي مبين ليفهم ويتدبر، فلا يعقل أن تكون ألفاظه مجهولة المعنى، ويضرب المثل بجناحي جبريل لبيان عجز العقل عن تصور كيفية صفات المخلوق فضلاً عن الخالق.

تفويض كيفية صفات الله وتحريم السؤال عنها

يشرح المقطع منهج أهل السنة في صفات الله وهو الإيمان بها وتفويض كيفيتها إلى الله لأن العقول لا تدركها، ويبين أن السؤال عن الكيفية بدعة كما قال الإمام مالك: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". ويؤكد أن الواجب التسليم لما جاء به الرسول دون تحريف أو تعطيل أو تمثيل.

حال صاحب الهوى واعتراضه على الحق

يوضح المقطع أن صاحب الهوى يعترض على الحق، ويحرّف المعاني ويعطل العمل بها، ليسلك مسلك الاعتراض المستمر. ثم يختم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر والاستعانة بالله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مزيداً إلى يوم الدين. أما بعد، قال المؤلف الشيخ حافظ حكمي رحمه الله تعالى في كتابه "أعلام السنة المنشورة": السؤال السابع والستون: ماذا قال أئمة الدين من السلف الصالح في مسألة الاستواء؟ وأورد المؤلف هذا السؤال استكمالاً لما ذكر عن المؤلف، أو لما ذكر المؤلف عن مسألة العلو والاستواء. مفاد هذا السؤال: ما هو المنهج الذي اتبعه الأئمة في هذه المسألة، مسألة العلو والاستواء؟ وهذا السؤال مهم جداً، ليس في هذه المسألة فحسب، بل في كل مسألة من أمور الدين، سواء كان في الاعتقاد أو في العبادات، أو كذلك في الأسماء والصفات، أو نحو ذلك. فالفيصل والفارق بين أهل السنة ومن خالفهم من أهل البدع والأهواء هو عمل السلف الصالح وما كان عليه الأئمة الأعلام. هذا الذي يقض مضجعهم، يقض مضجع أهل البدع، وهذا الذي يقصم ظهورهم عندما يطالبون بعمل السلف: هل عمل هذا السلف؟ هل اعتقد هذا السلف؟ وهذا المنهج قد دعا إليه ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾. فانتبه إلى قوله تعالى: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ومن هم المؤمنون الذين نزلت عليهم هذه الآية؟ هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. وفي الآية الأخرى قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ﴾. فمن آمن بمثل ما آمن به الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهو على الصراط المستقيم، وعلى الاعتقاد الصحيح والنهج القويم. وهكذا في السنة، حث رسولنا عليه الصلاة والسلام على اتباع من سلف، والتحذير من ابتداع من خلف. فقال عليه الصلاة والسلام في حديث العرباض بن سارية المشهور: «فَعَلَيْكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِن بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ». الآن مثلاً الصوفية يتضايقون ويلجمون عندما يقال لهم مثلاً في هذه الأيام، في هذا الشهر شهر ربيع الأول، يحتفلون بمولد النبي عليه الصلاة والسلام، فيقال لهم: أفعل ذلك أصحاب رسول الله؟ هل أنتم في شقهم؟ هل أنتم على منهجهم وطريقتهم؟ ما يستطيعون أن يثبتوا أن هذه البدعة فعلها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهم من أحرص الناس، وهم من يحب النبي صلى الله عليه وسلم محبة شديدة ومحبة عظيمة، ومع هذا ما فعلوا ذلك، فكيف تفعلونه؟ فيخصمون. وكذلك يلجمون عندما يؤتى لهم بهذا الأصل العظيم، وهكذا قس في غيرها من المسائل، سواء كان في المعتقد أو في العبادة أو في السلوك والمنهاج. قل لهم: هل تعبد من كان قبلنا بما تعبدتم به؟ ولذلك جاء عن الإمام مالك أنه قال: «مَن ظَنَّ أَنَّ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً حَسَنَةً فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ، خَانَ الرِّسَالَةَ، لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾». ثم قال رحمه الله تعالى: «فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا فَلَا يَكُونَ الْيَوْمَ دِينًا، اعْتِقَادٌ أَوْ عِبَادَةٌ أَوْ خُلُقٌ، لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَتَعَبَّدْ خَيْرُ النَّاسِ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ أَوْ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْ بِهَذَا الطَّرِيقِ، فَلَا يَكُونَ عِبَادَةً، لَا يَكُونَ عِبَادَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَمِلُوا بِالدِّينِ كُلِّهِ الَّذِي أَتَمَّهُ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، فَكَيْفَ يَكُونُ دِينًا وَلَمْ يَتَعَبَّدْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ؟». هذه قاعدة جليلة عظيمة، وفق الله أهل السنة السلفيين إليها، وهو الفارق بين أهل السنة السلفيين وبين غيرهم من أهل البدع والأهواء، ومن الفرق الضالة، ومن أصحاب المناهج المنحرفة. ومن ذلك ما ذكره المؤلف هاهنا في مسألة الاستواء: ماذا قال أئمة الدين في هذه المسألة؟ هل عطلوا؟ هل كيفوا؟ هل كذلك حرفوا؟ أم أثبتوا الاستواء على ما يليق بجلال الله عز وجل؟ أجاب المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: «قَوْلُهُم بِجَمْعِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِجَمْعِهِمْ». يعني لم يخالف أحد من السلف في هذه المسألة، بل كلهم قولهم قول واحد، قول واضح بيِّن في هذه المسألة. ولذلك قال: «قَوْلُهُم بِجَمْعِهِمْ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِجَمْعِهِمُ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ». «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ»: ومعنى الاستواء غير مجهول، يعني في المعنى، أي معناه في اللغة. فمعنى الاستواء في اللغة كما مر معناه: هو العلو والارتفاع. ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾، الرحمن على العرش استوى، أي علا وارتفع. هذا معنى الاستواء في اللغة، لم يأتِ معنى غير ذلك. والقرآن أنزله الله عز وجل علينا لنعقله ولنتدبره، فكيف يذكر الله عز وجل كلمات في القرآن ونحن لا نعرف معناها، كما يزعم ذلك أهل التعطيل من المفوضة وغيرهم؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. فكل آيات الصفات معناها معلوم، هذا معنى قول السلف. فالاستواء غير مجهول، كلمة الاستواء ليست من جملة الطلاسم أو الكلمات الأعجمية أو الحروف المجمعة التي لا معنى لها، فإن هذا يصان عنه كلام الله سبحانه وتعالى القائل: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾، فسره ليتذكر الناس، فكيف يتذكرون شيئاً لا يفهمونه ولا يعقلونه؟ أيعقل هذا؟ فلا يمكن أن يكون في القرآن كلمة لا يمكن لأحد أن يصل لمعناها. نعم، يمكن أن بعض الكلمات لجهلي أجهلها، أنت بعض الكلمات لجهلك تجهلها، لكن أن القرآن الناس كلهم لا يفهمون معناه ولا يتدبرون ويعقلون معناه، فهذا تنقص في حق كلام الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ﴾. فإذن القرآن أنزله الله بلسان عربي مبين، بلسان عربي مبين، أي واضح بين. فكيف بعد ذلك يدعي هؤلاء أن معنى الاستواء كذا وكذا من المعاني التي لم يدل عليها، أو لم تدل عليها اللغة، لا من قريب ولا من بعيد؟ أو كيف يزعم المفوضة أن معاني آيات الصفات لا نعلمها، نفوض أمرها إلى الله؟ هذا تناقض ومخالف، الحمد لله، نجيكم الله، صحب الله. وهذا أيضاً مخالف لما جاء في القرآن من أنه أنزل لنعقله ولنتدبره ولنتذكر به، فلا شك أن التدبر والتعقل والتفهم يقتضي أن نفهم معاني القرآن. نعم، وأما قولهم: «وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ»، الكيف غير معقول، أي لا نعلمه. كيفية الصفات لا نعلمها، نعلم معناها: معنى الاستواء العلو، معنى كذلك مثلاً النزول معروف، يكون من أعلى إلى أسفل في اللغة، معنى كذلك غيرها من الصفات أمرها معلوم في اللغة. لكن كيفية هذه الصفات لا نعلمها، لماذا لا نعلمها؟ لأننا لم نرى الله، لأننا لم نرى الله ولم نرى له مثيلاً حتى نقيس النظير بنظيره، ونظير فعال الله أن يكون له مثيل أو نظير، سبحانه وتعالى. فإذا كنا نجهل كيف اتصف بعض المخلوقات بصفاتها، بعض المخلوقات نعلم أن لها كذا وكذا من الصفات لكن ما نعلم كيفية هذا المخلوق. وقيل أن أحد هؤلاء من أهل التحريف ومن أهل كذلك الضلال في هذا الباب جاء عند عالم من العلماء ويأتي له بشيء من هذه الأمور في أمر الاستواء، فقال له هذا العالم: إذا كنا نجهل كيف اتصف بعض المخلوقات بصفاتها، فجهلنا بكيفية اتصاف الله عز وجل بالصفات من باب أولى. ثم مثل له بمثال، فقال له: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبريل له ستمائة جناح، كل جناح يسد الأفق. ثم قال له: أنت الآن عقلت الجناحين لأنك تراها في الطيور وفي كذلك ما شاكلها، ما يكون لها أكثر من جناحين، صح؟ هل هناك مخلوق رأيناه فيه أكثر من جناحين يطير بهما؟ لا، لها جناحان. فقال له هذا العالم: أنت عقلت الجناحين، فركب لي ثالثاً، يعني تصور لي ثالثاً، أين سيأتي هذا الثالث؟ عند الذيل، والله عند الجناح الثاني، أو عند الجناح الثالث، أو أمام؟ هيا كيف لي هذا في المخلوق وهو جبريل عليه السلام، وهو جبريل عليه السلام؟ فألجم هذا المشاغب وهذا كذلك المورد لمثل هذه الشبه، وقيل أنه رجع إلى جادة الحق والصواب. فإذا كان هذا في المخلوق، إذا ذكر لك صفته ولم ترها، ما تستطيع أن تكيفها. لو قال لك إنسان مثلاً: هناك دولة اسمها أمريكا، طيب، هل أنت الآن في المعنى؟ الدولة هي البلد التي يشمل على عدة مباني، ويوجد في هذه المباني مصالح من مستشفيات، من ملاعب، من يعني حدائق، ومن بشر يسكنون فيها. لكن هل تعرف كيفية هذه البلد إذا لم ترها، وإذا لم توصف لك ممن رآها؟ لا، ما ستتوقع ذلك، ما ستكيف ذلك. فهذا في حق المخلوق، فكيف في حق الخالق سبحانه وتعالى؟ فأهل السنة نعم يفوضون الكيفية، يقولون: كيفية الصفات أمرها إلى الله، لأنه لم يخبرنا بها، ولم نره، وليس له نظير سبحانه وتعالى، فما لنا أن نعرف كيفية صفاته سبحانه وتعالى. ولذلك يقول السلف: «وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ»، يعني لا نعلمه، «وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ»، لأن هذا من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فمن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله الإخبار أو التصديق بما أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من أركان الإيمان الإيمان بالغيب، من الملائكة، من اليوم الآخر، وغير ذلك. ومن أمور الغيب كيفية صفات الله سبحانه وتعالى، من أمور الغيب كيفية صفات الله سبحانه وتعالى، فالإيمان به واجب. أي: بمعنى الاستواء، وكذلك رد الكيفية إلى الله عز وجل، أي غير معقول، «وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ». لماذا السؤال عنه بدعة؟ لأن السؤال عنه لا فائدة منه لعدم استطاعة السائل على الجواب، على الجواب. إذا سألت أي مخلوق مهما بلغ من العلم: كيف استواء الله؟ هل يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك. إذن سؤال لا يستطيع السائل أن يجيبك عليه لأنه من علم الغيب، فما الفائدة منه؟ إذن السؤال عنه بدعة، أنه لا يسأل عن هذا، وما سأل الصحابة هذا السؤال، وما سأل التابعون هذا السؤال. فإذن السؤال عن كيفية الصفات بدعة. «وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ»، من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وهذا هو محض وزبدة الإيمان. إنما يكون الإيمان بما بلغنا عن أنبياء الله ورسله. ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾. فمن أين تأخذ دينك؟ من أين تأخذ اعتقادك؟ من أين تأخذ عباداتك؟ من الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن ينبغي بل يجب أن تستسلم لما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وماذا علينا نحن؟ علينا التصديق والتسليم، أن نصدق وأن نسلم، ولا نحرف ولا نعترض. فمن حرف وعطل صفات الله فقد اعترض على الرسول الذي بلغ هذا عن ربه، بلغ هذا عن ربه. وهذه العبارات عبارة عن أثر جاء عن الإمام مالك، وهذا قد مر معنا كثيراً. فما سأله أحد هؤلاء: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ﴾، كيف استوى؟ فعظم الإمام مالك هذا السؤال، وأخذته رعدة، وكذلك زجر هذا السائل، فقال له كما في سؤال جواب المؤلف: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ». ثم أمر، أو أمر بهذا السائل، فأخرج من مجلسه، لأن هذا السؤال إنما هو سؤال أهل البدع. قال: «وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي جَمِيعِ آيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا: كَيْفَ نَزَلَ؟ لَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْهُمْ، كَيْفَ يَضْحَكُ؟ لَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ، وَقِسْ عَلَى هَذَا». فهذا الأثر عن مالك القاعدة، بل قاعدة عظيمة من قواعد الأسماء والصفات، فلا يجوز السؤال عن الكيفية، ومن سأل عن ذلك يجاب عنه بهذا الجواب: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ». قال: «آمَنَ بِهِ كُلُّ مَنْ عِندَ رَبِّ». هذا هو حال المؤمن، يصدق بما أخبر به الرسول، وبما دل عليه معنى هذه الصفة، من غير تعطيل ولا تحريف، ومن غير تكييف ولا تمثيل. قال: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾. هذا هو حال المؤمن. أما حال صاحب الهوى فإنه يعترض، وإنه يحرف ويعطل، ويسلك مسلك الاعتراض، ولا حول ولا قوة إلا بالله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.