الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 82، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش مسألة الانتساب إلى المذاهب الفقهية الأربعة ويوضح أن الانتساب ليس مذموما بينما التعصب له مذموم. يُشدد على أهمية اتباع السنة النبوية.
يؤكد على أهمية اتباع سنة رسول الله وعدم مخالفتها لأحد، ويفرق بين الاختلاف في الفروع وبين التعصب والتقليد الأعمى.
يُنبه على خطورة اتباع الرخص دون النظر إلى قوة الدليل ويحذر من الوقوع في الشبهات، ويشير إلى أن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم حجة.
يمثل ختام الرسالة حيث يشكر المؤلف الله ويصلي على النبي وآله وصحبه ويطلب التوفيق من الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: وأما بالنسبة إلى إمام في فروع الدين، كالانتساب إلى الطوائف الأربع، فليس بمذموم. فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاق حجة قاطعة. وهذا بعدما تكلم رحمه الله على الفرق المخالفة لأهل السنة والفرق المبتدعة، وقد عرفنا في بعضها يسيرا. وإن شاء الله تعالى لعل لنا درسا نفرد فيه الكلام عن هذه الطوائف كل على حدة، معنى أن نعرف عن هذه الطوائف وعن مبادئها وعن مناهجها أيضا. ثم ذكر رحمه الله الفرق التي حصلت أو التفرق الذي حصل بسبب المذاهب الفقهية، وسماه اختلافا في فروع الدين. لأن هذا التقسيم، وإن كان تقسيما فيه نظر، لكن درج عليه العلماء، على أن الاختلاف في العقائد يسمى اختلافا في الأصول، والاختلاف في الفقه يسمى اختلافا في الفروع. فقال: وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين، معنى الانتساب إليه كالانتساب إلى الطوائف الأربع، فليس بمذموم. الانتساب إلى أحد من هؤلاء الأئمة، بالنسبة للانتساب فقط، أنه ينتسب إلى الإمام أحمد، أو ينتسب إلى الشافعي، أو ينتسب إلى غيرهم من الأئمة، هذا ليس فيه شيء، وليس بمذموم عند أكثر العلماء. لكن إنما المذموم هو التعصب، التعصب والتقليد الأعمى لهذه المذاهب، فهذا هو المذموم، والذي ذمه أكثر الأئمة، حتى نفس الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومالك وغيرهم، ذموا هذا التقليد، وذموا هذا التعصب للأشخاص. والله عز وجل يقول: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾. فالواجب هو اتباع النبي عليه الصلاة والسلام، اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، فهذا هو الواجب. ولهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إذا رأيتم كلامي يخالف حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فارموا قولي عرض الحائط. أرموا قولي عرض الحائط، أي لا تأخذوا به. أرموه، فليس أنا الذي أعرض عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. بل جاء عنه أنه قال: إذا رأيتموني خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاعلموا أني قد ذهب عقلي، أو قال: مجنون. وكذلك أيضا كان يقول رحمه الله: لما خرج مرة من المسجد، فجاء له رجل بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال له: يا عبد الله، أتأخذ به؟ فغضب، وقال: أتراني خرجت من كنيسة؟ أتراني علي زنارتين؟ أنا خرجت من كنيسة؟ أنا نصراني أو يهودي أصحاب الزنارات، حتى لا أقبل حديث رسول الله، ولا آخذ به؟ فلهذا غضب من ذلك. وأيضا قد قال رحمه الله: أيما أحد استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يدعها لقول أحد من الناس، كائنا من كان. من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يدعها لقول أحد، كائنا من كان، معنا، حتى ولو كان من أصحاب رسول الله. ولهذا قال ابن عباس لما اختلف معه عروة في متعة الحج: ما أرى الله إلا سيعذبكم. أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر، قال عمر. وهؤلاء مع إمامتهم في الدين، وكذلك فضيلتهم، لكن قولهم لا يعارض قول رسول الله، أو لا يعارض به قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فالاختلاف أو النسبة قد جازها كثير من أهل العلم، أن تنتسب إلى مذهب معين. وأما كما قلنا التقليد والتعصب، فهذا لا يجوز. قال: فإن الاختلاف في الفروع، وهذا معنى صحيح، ليس من باب أن الإنسان يأخذ الرخص ويترخص، لكن يكون فيه سعة للناس. أحيانا تأتي مثلا بعض المذاهب تضيق على الناس، فيأتي إمام آخر ويرى أن هذا جائز، ويأتي بالأدلة التي تدل على جواز هذا الأمر، فيتسع الأمر. وليس معنى ذلك أن الاختلاف في أصله رحمة، لا، الاختلاف في أصله شر، كما قال ابن مسعود: الخلاف شر. لكن ثمرة هذا الخلاف هي رحمة للأمة، رحمة للأمة، يتسع عندهم الأقوال، ويتسع أيضا الأخذ بالقول. وليس كما قلنا معنى أن الإنسان يأخذ بالرخص، يرى من الذي رخص، يأخذ. فإنه كما قال سليمان التيمي: من أخذ برخصة كل عالم اجتمع الشر فيه كله. ومن أخذ برخص العلماء فقد تزندق -كما قال أبو يوسف- يعني يبحث عن الرخص، من الذي رخص في هذا؟ وليس يبحث عن قوة القول، وقوة المذهب الذي ذهب إليه ذلك العالم، وإنما يبحث عن من رخص في هذه المسألة. وهذا يحصل لكثير من الناس، خاصة إذا احتاج إلى المسألة، وهذا يدخل فيه الهوى. أحيانا الإنسان إذا احتاج إلى مسألة معينة، يذهب إلى من الذي أجازها، ما يذهب مثلا إلى من الذي عنده قوة الدليل، وإنما يذهب إلى من أجاز هذا الشيء. وهذا ليس من المنهج الصحيح، بل هذا يجمع الشر في نفسه. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإثم ما حاك في نفسك، وكرهته أن يطلع عليه الناس». الإثم ما حاك في نفسك، مهما مثلا أجازك فلان وفلان، لكن تجد في نفسك أنك ترتكب إثما. فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإثم ما حاك في نفسك، وكرهته أن يطلع عليه الناس». وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وبينهما أمور المشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». قال: والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم، مثابون في اجتهادهم. معنى المراد به الأئمة، الأئمة الذين يأتون بمثل هذه الأقوال، هم مجتهدون. وقد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». فهم بين الأجر والأجرين، إن أخطأوا فخطأهم أيضا مأجورون عليه، وإن أصابوا فهم لهم أجران. فلهذا فهم بين الأجر والأجرين، كما يقول العلماء. فلهذا قال المؤلف رحمه الله: فمثابون في اجتهادهم واختلافهم. وهذا إذا كان الاختلاف هذا عن اجتهاد وعن دين. وأما الهوى، إنسان يخالف لأجل الهوى أو لأجل الشهوة أو غيره، فهذا فهذا يعلم الله عز وجل نيته. قال: واختلافهم رحمة واسعة، واتفاق حجة قاطعة. أي اتفاق العلماء، اتفاق العلماء حجة قاطعة، إذا اتفقوا وأجمعوا على شيء، ولم يخالف من يعتبر به في هذا. قال: نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحبب إلينا الإسلام، أو يحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله. آمين. قال رحمه الله: وهذا آخر المعتقد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما. وهذا آخر ما نقرأه في هذه الرسالة الطيبة، وهذا السفر الطيب، وهو لمعة الاعتقاد. وبهذا إن شاء الله تعالى نختم. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والرعاية، والحمد لله رب العالمين.