باب الصبر من رياض الصالحين 37

باب الصبر من رياض الصالحين 37

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حديث معاذ بن أنس في فضل كظم الغيظ عند القدرة

يستهل الدرس بحديث معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه الذي يبيّن أن من كظم غيظه وهو قادر على إنفاذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة وخيّره من الحور العين ما شاء، مع توضيح معنى الغيظ والكظم.

علاقة كظم الغيظ بالصبر والأمثلة العملية

يوضح المقطع أن كظم الغيظ يحتاج إلى صبر شديد لمخالفة هوا النفس، ويستعرض أمثلة عملية كالمدير القادر على معاقبة العامل والقوي القادر على إيذاء الضعيف، مع الإشارة إلى مدح الله للكاظمين الغيظ في القرآن.

عظيم الأجر وتعريف النبي ﷺ للقوة الحقيقية

يبين أن الله يدعو الكاظمين غيظهم على رؤوس الخلائق ويمنحهم الحور العين، وأن تذكر هذا الجزاء يعين على الصبر، مستدلاً بحديث النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

سياق الإمام النووي وخاتمة فوائد الحديث

يذكر أن الإمام النووي أورد هذا الحديث في سياق بيان الأجر الكبير المترتب على كظم الغيظ، ويختتم بالتأكيد على أن هذا الأجر العظيم من أبرز فوائد الحديث ودواعي العمل به.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله في كتابه "رياض الصالحين"، وفي باب الصبر، الحديث الثالث والعشرون: وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادر أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء». رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن. والحديث يحسنه العلامة الألباني في "صحيح الجامع". ومعنى هذا الحديث: من كظم غيظًا، والغيظ هو الغضب الشديد. ومعنى كظم غيظه بمعنى ما جاء بعد هذا، وهو قادر أن ينفذه، بمعنى أنه يستطيع أن ينتقم ممن أغضبه، عنده قدرة وعنده استطاعة، لكنه عفى وصبر. وهذا هو وجه الشاهد من إيراد هذا الحديث في باب الصبر؛ فإن كظم الغيظ يحتاج من العبد إلى صبر شديد، لأن النفس تحب الانتقام، فإذا كبحها وإذا منعها فهذا يحتاج إلى صبر شديد. وقد أثنى الله عز وجل على الكاظمين الغيظ، وجعل هذه الصفة من صفات المسارعين إلى الخيرات الذين ينالون جنات النعيم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فجعل من صفات أهل الجنة المسارعين إليها كظم الغيظ، وهو شدة الغضب. وقوله: «وهو قادر على أن ينفذه»، كما تقدم، عنده قدرة. مثال ذلك: أنت مدير، أغضبك عامل، موقعك هذا تستطيع من خلاله أن تعاقب هذا العامل، وأن تنفذ غضبك فيه، ولكن كظمت غيظك فعفوت عنه، فهذا فيه هذا الأجر العظيم، وهو من الصبر. وهكذا أغضبك إنسان ضعيف، فتستطيع أن تنفذ غضبك فيه وأن تعاقبه على خطأه، ولكن صبرت وكظمت غيظك، فهذا هو معنى هذا الحديث. وانظر إلى فضل وأجر كظم الغيظ، قال: «دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق»، يعني ليس هذا العطاء خاصًا بين العبد وبين ربه، بل يشهد الخلائق جميعًا على هذا العطاء وعلى هذا الجزاء من الله سبحانه وتعالى لمن كظم غيظه. يدعوه الله عز وجل على رؤوس الخلائق. تصور هذا المشهد: يقال يا فلان ابن فلان تعال، والناس كلهم ينظرون، فيقال له: هذه الحور العين، خذ لك ما تشاء منها، خذ لك ما تشاء من هذه الحور العين، وما أدراك ما الحور العين؟ فضل عظيم وأجر كبير. ينبغي للمسلم أن يتذكر مثل هذه الأجور، فهذا يعينه على كظم غيظه. أغضبك ابنك، أغضبتك زوجتك، أغضبك أحد زملائك، اصبر واكظم الغيظ، ولا تتمادَ في غيظك. وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». الذي يملك نفسه عند الغضب هو الذي يكظم غيظه ويكظم غضبه. فهذا الحديث فيه فضل كظم الغيظ، وفيه كذلك أجر الصبر على ذلك؛ فإن هذا الأمر يحتاج إلى صبر، ولذلك أورده الإمام النووي في هذا الموضع. ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: هذا الأجر العظيم لمن كظم غيظه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.