الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 35، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بشرح حديث «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»، مبيناً أن القوة الحقيقية ليست في الغلبة البدنية أو الانفعال، بل في كظم الغيظ والسيطرة على النفس، وأن الغضب جمرة من الشيطان تفقد الإنسان صوابه.
يسرد المقطع عواقب الغضب المدمرة من قطع أرحام وطلاق وقتل يتبعها ندم شديد، ويربط بين امتلاك النفس عند الغضب والصبر الوارد في باب الصبر، مؤكداً أن الشديد الحقيقي هو من يملك نفسه لا من يصرع الناس.
يبرز المقطع فضيلة الصبر عند الاستفزاز وعدم الرد بالمثل، مستشهداً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم المتكررة «لا تغضب»، ومبيناً أن ملك الغضب مفتاح السعادة، بينما الغضب أصل كل شر يؤدي إلى مفاسد عظيمة كفراق الزوجة وقطيعة الرحم والسجن والقتل.
يختتم المقطع بالتأكيد على أن العلم المطلق لله تعالى وحده، ويشير إلى أن ترجمة هذا الدرس هي من إنجاز نانسي قنقر.
حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فيقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين" في باب الصبر، الحديث الحادي والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». متفق عليه. والصرعة بضم الصاد وفتح الراء: الصَّرْعَاء، وأصله عند العرب: من يصرع الناس كثيرًا. قال: الحديث الحادي والعشرون: عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم... إلى آخر الحديث. أولا: نأخذ الحديث الأول: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». هذا الحديث فيه التحذير من الغضب؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، فيفور هذا الإنسان فلا يدري ما يخرج من لسانه ومن رأسه، فتنتفخ أوداجه، ويحمر وجهه، ويتكلم بكلام لا يعقله، ولربما إذا هدأ من الغضب يتعجب من الفعل الذي فعله أثناء الغضب. فالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يحذر من الانسياق للغضب والتمادي مع الغضب، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس الشديد بالصرعة»، أي: ليس القوي في المصارعة الذي يكثر صرع الناس ويطرحهم ويغلبهم، ليس هذا في الحقيقة هو الشديد. فلا يظن الإنسان أنه إذا غضب فأنفذ غضبه فضرب هذا وصرع هذا ولكم هذا، أن هذه هي الشدة. لا، ليست هذه الشدة. «ليس الشديد بالصرعة». نعم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن حقيقة الشديد، فقال: «إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». أي: إن القوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه إذا صارعته، إذا صارعته هذه النفس وغضب ملكها وتحكم فيها. فهذه هي القوة الحقيقية؛ لأن من ملك نفسه لا يندم، وأما من أعطى نفسه ما تشتهيه فأنفذ غضبه فهذا يندم، ولا محالة هذا يندم. لأن من خطورة الغضب أن الغاضب قد يسب فيخسر زميلًا وأخًا وزوجة وقريبًا وجارًا بسبب هذا السب. بل هذا الغاضب لربما ضرب، وربما طلق زوجته، ولربما قتل، فندم ندمًا شديدًا. كم نسمع من قتلى بسبب الغضب! صدم سيارته فغضب، فذهب إلى بيته فأتى بسلاحه فضرب السيارة، فإذا فيها بنت لهذا الصادم، فتموت هذه البنت بسبب إيش؟ بسبب الغضب. بسبب الغضب. وهكذا كم من أناس ندموا بسبب أنهم لا يملكون أنفسهم عند الغضب، لا يملكون أنفسهم عند الغضب. فالقوي حقيقة هو الذي يصرع نفسه، وإذا صارعته وغضب ملكها وتحكم فيها، فهذا هو المنتصر. ليس المنتصر الذي ينفذ غضبه، وإنما المنتصر هو الذي يملك نفسه عند الغضب، يملك نفسه عند الغضب. إذن هذا الحديث فيه الحث على أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن لا يسترسل فيه؛ لأنه يندم بعد ذلك، يندم بعد ذلك. وأيضًا مناسبة ذكر هذا الحديث في باب الصبر: أن امتلاك العبد نفسه عند الغضب هذا يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى إيش؟ يحتاج إلى صبر. تأتيك زوجة فتنكد من حالك وتشاكسك، فأنت تغضب، فتصبر، لا تخرج كلمة، ولا كذلك تخطئ على هذه المرأة، وإنما تصبر نفسك. هكذا: سبك أحد، شتمك أحد، لا ترد السيئة بالسيئة، هو مخطئ لا محالة، فأنت إذا غضبت اصبر، صبر نفسك، لا ترد السيئة بالسيئة. هذا هو وجه الشاهد من ذكر هذا الحديث في باب الصبر. ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يوصي، يوصي بأن لا يغضب الإنسان. وتعلمون ما جاء في الصحيح: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: يا رسول الله أوصني، قال: «لا تغضب». فقال: أوصني. كرر مرة ثانية، قال: «لا تغضب». قال: أوصني، قال: «لا تغضب». ما زاده على هذه الوصية، ما زاده على هذه الوصية. لماذا؟ قالوا: لأن من ملك غضبه فقد ملك سعادته. السعادة تكمن في أن يملك العبد غضبه. فبالغضب تتنكد حياة المسلم، فلربما كما تقدم: فارق زوجته، خاصم قريبًا له، كذلك ضيق على نفسه بأن يسجن لغلط وقع منه، أو أن يقتل لقتل عمد وقع منه، أو نحو ذلك. فالغضب أصل كل شر، الغضب أصل كل شر. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم ما زاد هذا الرجل في الوصية أن يقول له: «لا تغضب، لا تغضب». هذه ما زاد عليها. هذا يدل على أهمية البعد عن الغضب. وفي الأحاديث القادمة سيبين المؤلف أيضًا شيئًا مما يتعلق بأمر الغضب وآداب الغضب، وكيف يتخلص المسلم من الغضب. نكتفي اليوم بهذا، وإلى هنا. والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر