إن مع العسر يسرا

الخطبة بعنوان إن مع العسر يسرا، والتي كانت بمسجد السنة بدار الحديث بمنطقة طيبة بتاريخ 10 جمادى الأولى 1445هـ الموافق 24 نوفمبر 2023م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التأكيد على أهمية اللجوء إلى الله

يؤكد الخطيب على أهمية اللجوء إلى الله تعالى في الشدائد والكروب، مستشهدا بالآيات القرآنية والأمثلة النبوية. يشير إلى أن الله ييسر الأمور الصعبة لمن يلجأ إليه ويفرج كربهم.

أهمية اللجوء إلى الله في مواجهة الشدائد

يتحدث عن أهمية اللجوء إلى الله في الشدائد والكروب، ويضرب أمثلة بأنبياء الله الذين تعرضوا للشدائد وفرج الله عنهم. يشير إلى أن النصر غالبا ما يأتي بعد شدة الكربة.

دعاء الله والتضرع إليه في الكرب

ذكر بعض الأدعية النبوية التي تقال في الكرب والشدة، مثل "لا إله إلا الله رب العرش العظيم" و"يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". يشير إلى أن الله ينفرج الكرب عن المسلمين إذا رجعوا إليه ودعوه واتقوه.

فضل التوكل على الله وتفريج الكرب

المسلم الذي يلجأ إلى ربه ويتوكل عليه ويظن به خيرا، فإن الله يفرج كربته وييسر عسره. ربنا هو ملاذ أهل الإسلام ومن دعاه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق توقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون عباد الله، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾. ربنا جل وعلا في هذه الآية يبين أنه هو الذي يستجيب للمضطرين في الشدائد الداعين له سبحانه وتعالى المكروبين، فهو الذي يفرج شدائدهم وكربهم جل وعلا. وأيضا كذلك يكشف ما بهم من ضر وغيره، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض، أي يجعلكم في هذه الأرض ويخلفكم من بعد أقوام، يجعلكم ويمكنكم في هذه الأرض، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين. عباد الله، فإن ربنا جل وعلا كريم سبحانه وتعالى ورحيم بعباده، متى ملتجأوا إليه جل وعلا فإنه ناصرهم ومفرجا عنهم، وكذلك ميسر عسرهم جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾. عرف العسر لأنه واحد، وأما اليسر نكره لأنه أكثر من واحد. فإذا كان العسر في مكان ضيق فإن اليسر يأتيه، كما قال عبد الله بن مسعود: لو دخل العسر في جحر لجاءه اليسر وأخرجه. فلهذا عباد الله، فإن العبد يلجأ إلى ربه جل وعلا، ومتى لجأ إلى الله خرج الله عز وجل عنه. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب﴾، أي إذا تفرغت فاسلك عبادة ربك أو فانصب لله جل وعلا، وإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب، أي إلى ربك فاخلص دعاءك وصلاتك وعبادتك، فإن الله عز وجل ناجيك. عباد الله، فإن من تأمل كتاب الله جل وعلا وجده مليئا بقصص الأنبياء وبقصص الصالحين الذين فرج الله عز وجل عنهم، قربهم ويسر لهم ما عسر عليهم. وكذلك أيضا في سيرة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وفي سيرة الصحابة والصالحين من ذلك كثير كثير. عباد الله، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام نقل من ضيق إلى ضيق، ومن محنة إلى محنة، ومن كرب إلى كرب، ومن عسر إلى عسر، فكان في الجب ثم كان في السجن، ثم كان في فتنة المرأة، حتى نجاه الله عز وجل من تلك الأمور، وصار عزيز مصر، وصار كذلك ملكا لمصر. فلو أنه أراد هذا بقوة لم استطاع، لكن ربنا جل وعلا جعل ذلك بطرق يسيرة حتى يسره الله عز وجل له. فهذه رؤيا للملك سرت في الليل، حتى جعل الله عز وجل فيها فرجا ليوسف عليه السلام. وهذا يعقوب عليه الصلاة والسلام فرق الله عز وجل بين ولده، وحصلت له كروب وبث وحزن، حتى قال: ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾. ففرج الله عز وجل عنه، وجمع الله عز وجل بين أولاده في غير ميعاد، حتى جمعهم في مصر كما أخبر ربنا جل وعلا. وهكذا نبي الله يونس قد كان في بطن الحوت، وفي ظلمات البحر، وفي ظلمات الليل، فنجاه الله عز وجل بذلك الدعاء العظيم: ﴿سبحانك لا إله إلا أنت إني كنت من الظالمين﴾. فاستجبنا له ونجيناه من الغم، وكذلك ننجي المؤمنين. فربنا جل وعلا رحيم بعباده، فإذا لجأوا إليه عباده فإنه سبحانه وتعالى ينجيهم. فكم جاءت كروب لنبينا عليه الصلاة والسلام، وعسر على نبينا عليه الصلاة والسلام، فنجاه الله عز وجل. في يوم بدر دعا ربه جل وعلا حتى سقط رداءه، وفي يوم الأحزاب اشتدت الأمور وبلغت القلوب الحناجر. وكذلك يقول ربنا جل وعلا: ﴿وتظنون بالله الظنون هناك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾. ثم جاء نصر الله جل وعلا، جاء نصر الله بعد شدة الكربة. فإن النصر إذا جاء جاء غالبا بعد شدة الكربة، حتى إذا بلغت القلوب الحناجر، حتى وزلزلوا، حتى قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾. فنجى الله عز وجل أهل الإسلام، حتى قال نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدها: «الآن نغزوهم ولا يغزونا». فلهذا عباد الله، فإن ربنا جل وعلا يأتي بالفرج بعد الشدة، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب﴾. نصر الله جل وعلا يأتي بعد الشدائد، يأتي بعد الكرب العظيم، فيأتي بعد ذلك الفرج من ربنا سبحانه وتعالى. وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، ولو أن ربنا جل وعلا جعل النصر سهلا لدعاه كل مدع، ولا أيضا دخل فيه كل من أراد أن يدخل. لكن جعل فيه شدائد وجعل فيه صعاب وجعل فيه كروب، حتى يأتي بعد ذلك الفرج منه سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا أن يفرج علينا وأن يفرج على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويفرج على أمة الإسلام. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا العبد ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، فإن العبد في هذه الدنيا تصيبه الآلام وتصيبه المصائب وتصيبه الكروب وتصيبه الشدائد، فليس هناك مفرج لهذه الأمور إلا الله عز وجل. فالتجأ يا عبد الله إلى ربك سبحانه وتعالى في كل شدة نزلت به، وفي كل كرب نزل بك، وفي كل عسر نزل بك، فإن الله عز وجل مكشفه وإن الله عز وجل مفرجه. فربنا جل وعلا قد وعد جل وعلا كما قد سمعنا، ولهذا نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يعلم أمته بعض الأدعية التي يدعو بها العبد إذا كان في شدة وكرب. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا في الكرب أن نقول: لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم». فهذا كان الدعاء يعلمه النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمة، أي من وقع في كرب وشدة فإنه يأتي بهذا الدعاء. وجاء كذلك عند الترمذي بإسناد فيه ضعف، لكنه في الشواهد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام علم أسماء بنت عميس أن تقول في الكرب: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين». وكذلك جاء من حديث أنس أنه علم فاطمة ابنته أن تقوله في الصباح والمساء، كما جاء في ابن ماجة بإسناد صحيح. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام علم بعض أصحابه أنه يقول إذا أصابه كربا: «الله الله ربي لا أشرك به شيئا». فهذا أيضا من الأدعية التي جاءت في الكروب. فلهذا عباد الله، فإن هذه الشدائد التي تصيب المسلمين وهذه المحن التي تصيب المسلمين فإنها بإذن الله جل وعلا تنفرج، ما دام أن أهل الإسلام يرجعون إلى الله جل وعلا ويدعونه سبحانه وتعالى ويلتجئون إليه ويطيعونه جل وعلا. فلا شك ولا ريب أن الله عز وجل مفرج عنهم هذه الكرب، وأن الله عز وجل ناصرهم. وإنما يبتلي الله عز وجل عباده حتى يرى صبرهم جل وعلا. ﴿أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾. وقال ربنا جل وعلا: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾. فلابد من المصائب ولابد من الكروب، لكن العبد إذا رجع إلى الله وإذا لجأ إلى ربه سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل ناجيه من العسر. فربنا جل وعلا قد نجى بعض الكفار مما وقعوا فيه لما لجأوا إليه جل وعلا. فهذه قصة أخرجها الإمام البخاري عن تلك المرأة الصابرة المحتسبة، التي قد أصيبت بكربة عظيمة وبهم عظيم، ففرج الله عز وجل عنها، وأنزل قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. فحكت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها قصة امرأة كانت تأتيها دائما إلى بيتها. وكانت إذا أرادت أن تقوم كانت تقول: «ويوم الوشاح من تعاجب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنقذني». قالت: فسألتها عن ذلك يوما، فقالت: كنت عند قوم قبل الإسلام، وكانت لهم بنتا، وكان لها وشاح، فجاءت حتى فأخذته، فاتهموني وفتشوني في جسمي كله حتى في قبلي. قالت: فدعوت الله عز وجل أنه ينجيني من هذه الأرض، قال: وهم كانوا يفتشوني أو كانوا يتهموني بذلك. فجاءت الحدأة وألقت بهذا الوشاح، قال: فعتقوني، ثم جاءت فأسلمت، جاءت إلى المدينة فأسلمت. فكانت تأتي بذلك البيت: «ويوم الوشاح يؤمن تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنقذني». فهذه امرأة كانت كافرة، أنقذها الله عز وجل لأنها لجأت إلى الله جل وعلا. فكيف بالمسلم إذا لجأ إلى ربه جل وعلا، وكذلك جعل قلبه مرتبطا بالله ومتوكلا على الله، وظن بالله ظن الحسن، فإن الله لا شك أنه يفرج عنه كربته، وكذلك يسر عنه عسره. فإن ربنا ملاذ أهل الإسلام وملاذ من دعاه جل وعلا. والحمد لله رب العالمين.