الدرس في كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع الفروق الجوهرية بين القتل العمد وشبه العمد، مبينًا أن العمد يقصد به إزهاق الروح بآلة قاتلة عادة، ويوجب القصاص أو الدية في مال القاتل، بينما شبه العمد يقصد به الضرب بآلة لا تقتل غالبًا ولا يوجب إلا الدية على العاقلة دون قصاص.
يستعرض المقطع خمسة فروق رئيسية بين القتل العمد وشبه العمد، أبرزها: وجوب الدية حالاً في العمد وتأجيلها في شبه العمد، وسقوط الكفارة في العمد لشناعتها ووجوبها في شبه العمد، والوعيد الأخروي الشديد الخاص بقاتل العمد دون شبهه. ثم ينتقل المؤلف لتعريف القتل خطأ بأنه الجناية بغير قصد سواء بالمباشرة أو السبب، مع ذكر أمثلة توضيحية كحوادث السيارات والصيد.
يبيّن المقطع أن قتل الخطأ لا قصاص فيه، بل تجب فيه كفارة (عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين) تبقى في ذمة القاتل حتى مع عفو الأولياء، وتجب ديَة على عاقلته (عصبته من النسب) يتحملها القريب والبعيد بقدر استطاعتهم، وتؤجل ثلاث سنوات بتقسيط ثلث كل سنة، وتفويض تقدير التأخير إلى ولي الأمر.
يتناول هذا المقطع التعريف بالكاتبة والمترجمة نانسي قنقر، مستعرضاً أبرز محطاتها العلمية والعملية. يسلط الضوء على إسهاماتها في مجال الترجمة والأدب، ومؤلفاتها البارزة التي أثرت المكتبة العربية.
الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "الثالث". طيب، قبل ما نأخذ الثالث، نأخذ الفرق بين القتل العمد وبين شبه العمد. فقد ذكر الفقهاء ما يقارب سبعة فروق بينهما، فإذا ضبطت هذه الفروق علم الفرق بينهما؛ لأن هذين القتلين تشتبه كثيرًا على بعض الناس، فلذلك ضبط العلماء لمعرفة التفريق بينهما بهذه الفروق. الفرق الأول: أن القصد في القتل العمد هو إزهاق روح المجني عليه؛ لما من يقتل عمدًا عند الاعتداء يقصد ماذا؟ يقصد إزهاق نفس هذا المعتدى عليه. أما شبه العمد، فما يقصد القتل، وإنما يقصد الضرب دون القتل، دون القتل. فالجاني في شبه العمد يقصد ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالبًا. فهذا من أبرز الفروق. يعني: تصارع اثنان، ما يريد أحدهما قتل الآخر، إنما يريد يعني التغلب عليه بدحره أو بإسقاطه. فبينما هما يتصارعان، فأسقط أحدهما الآخر، فوقع رأسه على حجرة فمات، وما قصد قتله، قصد دفعه. فهذا هو قتل شبه عمد. لكن إنسان قصد قتل فلان، جاء بالسكين وطعنه، هذا ما يقال شبه عمد، هذا ما يقال شبه عمد، هذا عمد. فإذن الفرق الأول: أن القصد في قتل العمد هو إزهاق روح المجني عليه، وأما في شبه العمد فالقصد هو ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالبًا. هذا فرق. الفرق الثاني: الآلة المستخدمة في القتل العمد يغلب على الظن موت المجني عليه بها، كأن يكون معه سيف، ما يقول: "أنا أتضارب مع فلان"، ثم أتى بسيف، قال: "ما أريد قتله، أريد فقط دفعه". لا، هذا السيف الغالب أنه يقتل، أو سكين، أو خنجر، أو معه آلة مسدس، أو آلة يضرب به. فالآلة المستخدمة هنا في القتل العمد يغلب على الظن موت المجني عليه. أما شبه العمد، فإن الآلة فيه لا تقتل غالبًا، لا تقتل غالبًا، كأن يضربه بخشبة صغيرة، أو بحصاة صغيرة، أو يضربه بيده. فالغالب: ضرب اليد، أو العصا، أو الحجر الصغير، أنه لا يقتل. واضح. فهذا فرق ثانٍ. الفرق الثالث: أن موجب هذا في الحكم... موجب القتل العمد هو القود أو الدية. المراد بالقود هو القتل قصاصًا، قتل القاتل. طيب، قتل القاتل. فالقتل العمد فيه إما القصاص، وهو ما يسمى بالقود، وإما الدية، كما مر معنا، على حسب تنازل أو عدم تنازل أولياء الدم. وأما موجب شبه العمد: الدية فقط، ليس فيه قصاص، ليس فيه قصاص. هذا أيضًا من الفروق. من الفروق أيضًا: أن الدية في القتل العمد تجب في مال القاتل، تجب في مال القاتل. يعني: لو قتل إنسان عمدًا، ثم عفا أولياء الدم عن القصاص ورضوا بالدية، فالدية هنا الأصل أنها تكون في مال القاتل، تخرج من ماله، تخرج من ماله. وهذا بالإجماع، نعم. وأما دية شبه العمد، فتكون على العاقلة، تكون على العاقلة. والمراد بالعاقلة: أي العصبة، عصبة القاتل بالنفس: كأبيه، وأخيه، وعمه، وأبناء عمه. هؤلاء يسمون العاقلة، يسمون العاقلة. فإذا يفرق هنا في دفع الدية: دفع الدية بالنسبة لقتل العمد تكون على القاتل نفسه، تكون على القاتل نفسه. وأما دفع الدية في شبه العمد، فتكون على العاقلة، تكون على العاقلة. وهذا سيأتي معنا إن شاء الله. والفرق الخامس: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الدية في القتل العمد تجب حالًا، غير مؤجلة ولا مقسطة، إلا برضى أولياء الدم. يعني: مثلًا لو قتل قاتل، يحكم الحاكم بالقصاص، عفا أولياء الدم، حكم بالدية. إذن الدية هنا الأصل فيها المباشر... الحمد لله، يعني يدفع الدية دون مهلة. هذا هو الأصل، إلا إذا رضي الأولياء. إذا تخاصموا، هو يقول: "يمهلون"، يقولون: "لا، ما سنمهله". فإذن الحكم هنا يكون على القاتل أن يدفع الدية... مؤجلة غير معجلة، قصد: معجلة غير مؤجلة، معجلة غير مؤجلة. بخلاف شبه العمد، فإنه لا يجب فيها... لا يجب فيها التعجيل، يصح فيها التأجيل، يصح فيها التأجيل. هذا أيضًا من الفروق التي ذكرها أهل العلم. كذلك من الفروق: أنه لا يجب في القتل العمد كفارة، لأن قتل العمد أعظم من أن تمحوها الكفارة. وأما القتل شبه العمد، فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الكفارة على القاتل. أيش المراد بالكفارة؟ ما ذكر في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] إلى آخر الآية. أيش الآية؟ نعم. فإذا كما هو معلوم: من قتل خطأ، وكذلك مثله شبه الخطأ، شبه العمد، عليه حقان: حق لله عز وجل، وحق لأهل الميت. فحق الله عز وجل: الفدية، اللي هي الكفارة، إما بعتق رقبة، أو بصيام شهرين متتابعين. فهذا في قتل العمد لا يوجد كفارة، ما في... إما القتل، وإما أيش؟ وإما الدية. لكن في شبه العمد وفي الخطأ: تكون الدية والكفارة، دون القصاص. ما في قصاص فيها: الدية أو الكفارة... قصد: الكفارة مع الدية، حق لله وحق لأولياء الدم. واضح هذا الآن؟ نعم. كذلك أخيرًا: من الفروق العقاب الأخروي. فإن الله عز وجل توعد قاتل العمد بعقوبات عظيمة وكبيرة يوم القيامة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. هذه العقوبة خاصة بمن قتل ماذا؟ عمدًا. أما شبه العمد، فإنه لا يدخل في هذا الوعيد، فإنه لا يدخل في هذا الوعيد. إذن هذه سبع فروق بين قتل العمد وبين قتل شبه العمد. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "الثالث". انتهينا الآن من العمد وشبه العمد، وعرفنا بعض الأحكام التي تعلق بذلك، والفروق بينهما. الآن النوع الثالث من أنواع القتل: الخطأ. قتل الخطأ: وهو أن تقع الجناية منه بغير قصد، بمباشرة أو سبب. طيب، إيش معنى أن تقع الجناية منه بغير قصد؟ يعني: ما هناك تجنٍّ، ولا اعتداء، ولا قصد ذلك، وإنما يسوق السيارة فانقلبت السيارة، فمات شخص أو شخصان. فهو ما تعمد، وما قصد موت من معه في السيارة. فهذا يسمى قتل أيش؟ خطأ. أو يصطاد في البر، فأراد أن يضرب الفريسة، فضربها، فانطلقت الرصاصة، وكان رجل ما يعرف أنه موجود خلف هذه... خلف هذه الفريسة، فوقعت فيه الرصاصة، فمات. فهذا يقال له قتل أيش؟ قتل خطأ. وكما ذكر: بمباشرة أو سبب. المباشرة: كأن يرمي صيدًا فيصيب آدميًا. إذن هنا باشر قتله، قتله مباشرة. طيب، ومنه الحوادث... الحوادث هذه السيارات التي يكون فيها الموت، فهذا من قتل الخطأ مباشرة؛ لأنه الذي باشر أيش؟ باشر القتل. وأما قوله: "أو سبب"، المراد بالسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها إنسان فيموت. فهو الآن تسبب في قتل هذا الإنسان، ما هو الذي قتله مباشرة، وإنما تسبب في أيش؟ في قتله. فهذا معنى قوله: "بمباشرة أو سبب". قال: "ففي الأخير لا قود". بل يريد بالأخير يعني: الخطأ. موت أيش؟ أو قتل الخطأ. فقال هنا: "لا قودة". إيش معنى "لا قودة"؟ يعني: لا قصاص، لا يكون هناك قصاص في قتل الخطأ، مثل قتل ماذا؟ شبه الخطأ، كما مر معنا. قال: "بل الكفارة في مال القاتل: عتق رقبة مؤمنة". قال الشارع: "عتق رقبة مؤمنة"، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. إما أن يعتق رقبة، فإذا لم يجد صام شهرين ماذا؟ متتابعين. هذه كفارة، وهذا يسمون حق الله عز وجل. حتى ولو عفا أهل الدم عن الدية، فتبقى هذه الكفارة على القاتل. قتل الخطأ: مثال ذلك: إنسان يريد أن يضرب الصيد، فضرب إنسانًا بالخطأ، فمات. فقال أولياء الدم: "الحمد لله، هذه أقدار الله، نحن ما نريد شيء". فيقال له: "يلزمك أن تكفر، إما بعتق رقبة، وإن لم تجد... وهذا غير موجود الآن، فعليك أن تصوم ماذا؟ شهرين متتابعين". هذا الأمر الأول. قال: "الثاني: ودية على عاقلته". وعرفنا ما معنى العاقلة. قال: "وهم عصابته كلهم، قريبهم وبعيدهم". والمراد بـ "كلهم": يعني لا يتحملها القريب دون البعيد، لأنهم كلهم أهل نصرة. والمراد بالعصبة هنا: العصبة بالنفس، أو العصبة بالنفس. فيشمل الآباء وإن علوا، والأبناء كذلك وإن نزلوا: يعني الابن، وابن الابن، وابن ابن الابن. وكذلك في الآباء: الأب، وأبو الأب، وأبو أبو الأب، وإن علا. هذا كلهم من العصبة. وكذلك الإخوة، سواء أكانوا لأب، أو الأشقاء، فهم أهل العصبة. أما لأم: ليس صاحب عصبة. واضح. كذلك العم: الأعمام أهل عصبة بالنفس، أبناء الأعمام كذلك. فالقريب: مثل الأبناء، مثل الآباء. البعيد: مثل العم، مثل أبناء العم. هؤلاء بعيدون، لكن مع هذا كلهم يشملهم التعاون ونصرة هذا القاتل في دفع ديته، في دفع ديته. فهذا معنى قوله: "ودية على عاقلته، وهم عصابته كلهم، قريبهم وبعيدهم". توزع عليهم بقدر حالهم. هذا هو الصحيح: بقدر حالهم. يعني: الذي معه وأموره طيبة، تأخذ منه بقدر حاله. إنسان منهم مثلًا غني تاجر، يأخذ منه أكثر من ذاك الفقير أو المتوسط الحال. فكل يدفع بقدر ما يستطيع، بقدر ما يستطيع، حتى يجمعوا هذه الدية لهذا القاتل. قال: "وتؤجل عليهم ثلاث سنين، كل سنة يحملون ثلثها". هذا اجتهاد من بعض أهل العلم. وقلنا كما تقدم: أن الفرق بين قتل العمد وشبه العمد، ومن باب أولى الخطأ: أن دية العمد لا تؤخر، دية العمد لا تؤخر. أما دية شبه العمد والخطأ، فتؤخر. والتأخير يكون بحسب ما يراه الإمام، وبحسب حال عصبة أو عاقلة القاتل. فهذا ينظر فيه إلى ولي الأمر، ينظر فيه إلى ولي الأمر، ويمهل العاقلة حتى يستطيعوا جمع هذه الدية، حتى يستطيعوا جمع هذه الدية. فهذا خلاصة ما يذكر في أقسام القتل الثلاثة. ثم يأتي الكلام على القصاص، وشروط القصاص، وما يتعلق به من أحكام. فإن شاء الله نؤجل ذلك إلى الدرس القادم، بإذن الله. ترجمة نانسي قنقر