كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 3

كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 3

الدرس في كتاب الجنايات من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

شروط وجوب القصاص: التكليف وحكم جناية الصبي والمجنون والسكران

يستعرض المقطع أول شروط وجوب القصاص وهو كون القاتل مكلفاً عاقلاً بالغاً، مستدلاً بحديث رفع القلم عن الصبي والمجنون، ويبين أن عمد الصبي والمجنون يعد خطأً لا قصاص فيه. ثم يناقش حكم جناية السكران موضحاً قول الجمهور بإقامة القصاص عليه قياساً على حد القذف وسداً للذريعة مستندين إلى فتوى الصحابة كعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب.

الخلاف الفقهي في قصاص شارب الخمر القاتل وشرط عصمة المقتول

يعرض المقطع قولين في وجوب القصاص على السكران إذا قتل عمداً: قول الجمهور بإقامة الحد سداً للذريعة وقياساً على فتاوى الصحابة، وقول الحنابلة بعدم القصاص قياساً على المجنون واستدلالاً بقصة حمزة. ويرد الجمهور بأن القصة كانت قبل تحريم الخمر وأن السكران اختار ذهاب عقله بخلاف المجنون، فيرجح قول الجمهور ويُعمل به اليوم، ثم ينتقل لبيان الشرط الثاني وهو أن يكون المقتول معصوم الدم.

التكافؤ في الدين والحرية وعدم قتل الوالد بالولد

يبيّن المقطع الشرط الثالث للقصاص وهو التكافؤ بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد مستدلاً بأحاديث وآيات. كما يوضح الشرط الرابع وهو عدم إقامة القصاص على الوالد إذا قتل ولده لعلة أن الأب سبب وجود الولد، ويحرم الوالد من الميراث إن كان القتل لأجله.

ختام الدرس وتأجيل شرح شروط القصاص

أعلن المحاضر ختام الجلسة الحالية وتأجيل تفصيل شروط القصاص التي ذكرها المؤلف إلى الدرس القادم لضيق الوقت. واختتم بدعوة الحضور للاشتراك في القناة ومتابعة الدروس القادمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «ويشترط في وجوب القصاص في...» هنا صار تقديم قوله: «والديات للنفس». هذا الباب يتعلق بباب الديات، يأتي بعد باب القصاص. طيب، ولذلك هنا الشارح ذكر الشروط، وقد ذكرها المؤلف، وإنما لخصها الشارح. فنحن الآن نأخذ أولًا ما يتعلق بالقصاص، فإذا انتهينا منه انتقلنا إلى الديات. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه «منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين»: «ويشترط في وجوب القصاص كون القاتل مكلفًا». شرع المؤلف في الشروط التي إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص، سقط حد القصاص للقاتل. فأول شرط ذكره المؤلف هنا: كون القاتل مكلفًا، والمكلف هو العاقل البالغ. العاقل البالغ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، وذكر منهم: «المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم». واختلف العلماء في مسألة، وقبل هذه مسألة: أمر قتل الصبي أو المجنون. يذكر العلماء قاعدة في هذا: أن عمد الصبي أو المجنون خطأ. قتل العمد الصادر من الصبي أو المجنون حكمه حكم قتل الخطأ، حكمه حكم قتل الخطأ، فلا قصاص فيه، لا قصاص فيه. وهنا مسألة أخرى كذلك ذكرها أهل العلم عند اشتراط هذا الشرط، وهو: حكم جناية السكران. هل يقام عليه القصاص أو لا يقام عليه القصاص؟ إنسان قتل شخصًا آخر، لماذا قتلته؟ لأنه سكران، شرب الخمر أو ما في معنى الخمر كالمخدرات اليوم بشتى أصنافها وأنواعها. هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أنه يقتص منه، ولو كان سكرانًا قد فقد عقله بسبب هذا السكر. وهذا قول جمهور أهل العلم. ودليلهم على ذلك ما جاء عن الصحابة، لأن الصحابة أقاموا السكران، أو أقاموا سكره مقام قذفه. مقام قذفه يعني: إذا شرب السكران الخمر ثم قذف آخر بزنا أو نحوه، فيقام عليه الحد. وهذا جاء في موطأ الإمام مالك: أن عمر بن الخطاب استشار الناس في شأن شارب الخمر، ومنهم علي بن أبي طالب، فأشار إليه علي بن أبي طالب: «إن الشارب إذا سكر هذى». ومعنى هذى: يعني كثر كلامه، الهذى هو البذال، هو كثرة الكلام. فقال: «إن شارب الخمر إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى»، يعني قذف وكذب ونحو ذلك. «قال: وحد المفتري ثمانون جلدة»، يعني أنه يحد. فقال علي: «أرى أن تجلده ثمانين جلدة». فأعجب ذلك عمر، وجعل عقوبته ثمانين جلدة. قال الجمهور: فإذا وجب حد القذف على الشارب، فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى. فهذا أولى. فقالوا: إذن هذا فيه فتوى الصحابة أن شارب الخمر يعامل معاملة غير الشارب. وقالوا: لأن في ذلك سدًا للذريعة. القول بالقصاص فيه سد للذريعة، إذ لو لم يجب القصاص والحد لأفضى ذلك إلى أن من أراد أن يقتل شرب الخمر حتى إذا سكر قتل، وقال: «أنا سكران»، فيرفع عنه حد القصاص. فحتى لا يعني يفضي ذلك إلى كثرة القتل والتساهل في ذلك، ذهب الجمهور إلى أن شارب الخمر يحد ويقتص منه. هذا القول الأول. القول الثاني: أنه لا يقتص منه. وهذا وجه في مذهب الحنابلة. ودليلهم: القياس على المجنون، فإن كل منهما زائل العقل. فقالوا: في عدم القصاص في حق المجنون هو ذهاب العقل، وهكذا السكران ذهب عقله. واستدلوا بحديث جاء في البخاري: أن حمزة قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ثمل. ومعنى ثمل: يعني قد تمكن منه الخمر حتى يقول ما لا يدري. فقال حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: «وهل أنتم إلا عبيد أبي؟ وهل أنتم إلا عبيد أبي؟» قالوا: هذه الكلمة فيها تنقص للنبي صلى الله عليه وسلم، ولربما لو قالها إنسان يعني غير سكران لحكم عليه بالردة، لأن فيها تنقص في حق النبوة. لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم عليه الحد، لم يقم عليه حد الردة ولا أي تعزير آخر. فدل ذلك على أن السكران لا يعني يؤاخذ بما يقول أو بما يفعل. هذا حجة الحنابلة ووجه في مذهبهم. ولكن الجمهور ردوا على استدلال الحنابلة: أما الحديث قصة حمزة، فقالوا: هذا كان قبل تحريم الخمر. فإذن كيف يحده على شيء حلال؟ واضح. فقالوا: هذا ما فيه استدلال، لا يصح الاستدلال به لأن هذا الحديث كان قبل ماذا؟ قبل تحريم الخمر. وهو قول وليس فعل، والقتل فعل، والفعل أشد. الفعل ماذا؟ أشد، ليس مثل القول. فردوا الاستدلال بهذا الحديث. وأما القياس، فقالوا: هذا القياس مع الفارق. هذا القياس مع الفارق، ما هو الفارق؟ قالوا: السكران فقد عقله باختياره، هو الذي استسبب في ذهاب عقله. وأما المجنون فلا حيلة له في ذهاب عقله، لأنه أمر يعني لا ليس باختياره، ليس باختياره. فالأقرب والله أعلم هو قول الجمهور، وهذا هو المعمول به اليوم. أصحاب المخدرات، أصحاب الخمور، إذا قتلوا يقيمون عليهم الحد. وهذا أيضًا مع ما فيه من القصاص، كذلك فيه التعزير من فعل هذه الموبقات، من فعل هذه الموبقات، خصوصًا المخدرات، خصوصًا المخدرات. في الصواب والله أعلم: أن شارب الخمر إذا قتل وهو سكران عمدًا يقام عليه القصاص، لفتوى الصحابة، لفتوى الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. هذا الشرط الأول من الشروط: إقامة الحد، حد القصاص. قال: «الثاني: والمقتول معصومًا». هذا الشرط الثاني: أن يكون المقتول معصومًا. ومعنى معصومًا: يعني محرم الدم، محرم الدم. فهذا هو معنى معصومًا. فإن كان حربيًا أو مرتدًا فلا ضمان فيه، فلا ضمان فيه. والعلة من اشتراط هذا الشرط: لأن القصاص لماذا شرع؟ لماذا شرع القصاص؟ لحفظ الدم المعصوم دون الدم المهدر، دون الدم المهدر. نعم. ودليل ذلك كثير: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». وأيضًا الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إلى آخر ما ذكر. قال: «ومكافئًا للجاني في الإسلام والرق والحرية، فلا يقتل المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد». هذا الشرط الثالث. الشرط الثالث: أن يكون المقتول... المقتول مكافئًا للجاني. يعني الجاني هو القاتل. في الإسلام: يعني يكون القاتل مسلمًا، فيكون المقتول مسلمًا، يكون المقتول مسلمًا. وأيضًا يكون حرًا، فلا يكون عبدًا. نعم. ودليل ذلك ما جاء في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل مسلم بكافر». لا يقتل مسلم بكافر. وجاء في حديث علي: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر». رواه أبو داود. ولأن المسلم أعلى وأكرم عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. فلا يقتل المؤمن بالكافر، لا يقتل المؤمن بالكافر كما جاء في هذا الحديث. فإذا قتل مسلم كافرًا فلا يقتل به، وإنما يكون فيه دية، يكون فيه دية. نعم. وكذلك الرق والحرية. كذلك الرق والحرية. وهذا مختلف... يعني لو قتل حرًا عبدًا، هل يقام عليه الحد؟ هذا مذهب الجمهور: العلماء أن العبد... أو المسلم لا يقتل الحر، لا يقتل بالعبد. الحر لا يقتل بالعبد. قالوا: لأن العبد لا يكافئ الحر، فإن العبد منقوص بالرق، ناقص بالرق، فلذلك لا يساوي الحر، لا يساوي الحر. ومنهم من ذهب إلى عموم الآيات، لعدم ورود نص صحيح صريح بهذه المسألة، وإنما هو اجتهاد من أهل العلم. طيب، قال: هذا قلنا الشرط... الآن الثالث. قال: «وأن لا يكون والدًا للمقتول، وأن لا يكون والدًا للمقتول». فلا يقتل الأبوان بالولد. هذا الشرط الرابع. الأبوان يراد بهما الأب والأم، الأب والأم. فلو أن أبًا قتل ابنه هكذا عدوانًا وعمدًا، هذا قد يحصل، خصوصًا إذا تعجل الميراث، لكنه يحرم من الميراث. الأب إذا قتل ابنه لا يقتص به، لكنه يحرم من الميراث إذا كان قتله بسبب الميراث. فهنا لا يقتل الأب الولد، لا يقام على الوالد القصاص. لقول النبي صلى الله عليه وسلم، حديث ابن عمر: «لا يقاد الوالد بالولد». لا يقاد الوالد بالولد، يعني لا يقتل الوالد بالولد. رواه الترمذي. قالوا: ولأن الأب سبب لوجود الولد، فلا يكون الولد سببًا لإعدامه. الآن سيكون الولد سببًا لإعدامه. نعم. فذكروا هذه العلل التي ذكرناها. إذن هذه أربع شروط من شروط وجوب القصاص. ولخصها هنا الشارح بقوله: «أن يكون القاتل مكلفًا، أن يكون المقتول معصوم الدم، التكافؤ بين القاتل والمقتول فيسوّى في الحرية والدين، وعدم الولادة، فلا يقتل أحد الأبوين وإن علا، بالولد وإن سفل». هذه تسمى شروط القصاص، شروط القصاص. في معنى أيضًا: شروط استيفاء القصاص. طيب، توفرت هذه الشروط، كذلك لا بد من استيفاء شروط القصاص، فذكرها المؤلف هنا، فنؤجلها إن شاء الله بانتهاء الوقت إلى الدرس القادم، بإذن الله تعالى. وختمنا بهذا، الله تعالى... اشتركوا في القناة.