كتاب الإيمان 105

كتاب الإيمان 105

الدرس في كتاب الإيمان 105، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

رؤية الله يوم القيامة وموقف العباد الأول

يتناول المقطع مسألة رؤية الله يوم القيامة وموقف العباد، حيث يصف كيف أن الناس سيتبعون ما كانوا يعبدون في الدنيا. يظهر لهم ربهم في أدنى صورة ويعرفهم بنفسه ثم يكشف عن ساقه.

مرور المؤمنين على الصراط وتفاصيله

يصف المقطع مرور المؤمنين على الصراط يوم القيامة بسرعات مختلفة حسب أعمالهم، وينقسمون إلى ناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم. كما يذكر مناشدة المؤمنين لله لإخراج إخوانهم من النار.

تفاصيل الشفاعة وإخراج أهل الكبائر من النار

يشرح الحديث الشفاعة يوم القيامة وإخراج أهل الكبائر من النار، حيث يشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، ثم يخرج الله من بقي في النار برحمته. يُخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط بعد أن يصبحوا حممًا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، بكتاب الإيمان: حدثني سويد بن سعيد، وهو بن سهل الهروي. قال: حدثني حفص بن ميسرة، وهو العقيلي أبو عمر الصنعاني، عن زيد بن أسلم، وهو العدوي، عن عطاء بن يسار، وهو عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد، مولى ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام. وعطاء بن يسار أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله بن يسار. قال: عن أبي سعيد الخدري. قال: أن ناسا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم». قال: «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما». قال: «إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغبر أهل الكتاب. فيدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقال: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فهم كاذبون في هذه الدعوة أن عزير ابن الله. وهكذا المسيح كما قالت النصارى في قولهم: أن عيسى ابن الله. كذبوا في ذلك. وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواههم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. ما اتخذ الله من ولد، وما كان معه من إله. ما اتخذ الله صاحبة ولا ولدا. قال: فماذا تبغون؟ يعني تريدون. قالوا: عطشنا يا ربنا، فاسقنا. قال: فيشار إليهم: ألا تريدون؟ فيحشرون إلى النار، كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار». قالوا: «عطشنا يا ربنا، فاسقنا». يعني من شدة هول الموقف، ودنو الشمس من الخلائق، وحرارة النار، يصيبهم العطش الشديد، فيطلبون أن يسقون، فيؤتى بهم إلى جهنم، ويحشرون إليها، كأنها سراب. السراب هو الشيء الذي يخيل للإنسان أنه ماء في وقت حرارة الشمس، في الأرض القاحلة والصحراء، يرى من بعيد مثل الماء سرابا، يظنه ماء، فإذا جاء لم يجده شيئا، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. قال: «ثم يدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله. فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد. فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا، فاسقنا. قال: فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى جهنم، كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار». قال: «حتى إذا يبقى إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر. قال: «أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد. قال: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا، أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم. فارقنا الناس في الدنيا، أفقر ما كنا إليهم». يعني أحوج ما كنا إليهم إلى صحبتهم. يعني أنهم تركوا العشيرة والأهل والأقارب والأصدقاء والأحباب، وهم ربما بحاجة إليهم، لكن تركوهم طاعة لله، لما كانوا على كفر وعلى معصية وعلى بعد عن طاعة الله جل وعلا، تركوهم من أجل الله جل وعلا. فهم يريدون بهذا أن يعني يخفف عنهم ما يصيبهم من الشدة في ذلك الموقف، وأن يفرج عنهم. قال: «فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا. مرتين أو ثلاثا». يقولون هذا لأنهم لم يعرفونه، والله جل وعلا يعذرهم. قال: «أو ثلاثا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب». قال: «فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟» وقول: «ليكاد أن ينقلب» يعني عن الصواب والثبات على التوحيد، من شدة هول الموقف، وقوة الامتحان. حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، يعني عما هو عليه. قال: «فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ آية يعني علامة. هل بينكم وبينه آية أي علامة تعرفونه بها، تعرفون بها ربكم؟ فيقولون: نعم». قال: «فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه». قوله: «فيكشف عن ساق». فسر بعض السلف الساق هنا بمعنى الشدة. فيكشف عن ساق، أي يكشف عن شدة وأمر عظيم. وهذا يعني قولا سائغا في اللغة، يطلق الساق على الأمر الذي فيه شدة وفيه هول عظيم. ومن ذلك قولهم: كشفت الحرب عن ساقها، يعني عن شدتها وغضبها. قال: «فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود». يعني من كان يعبد الله في الدنيا بإخلاص وصدق، وهو حال المؤمنين حقا، الذين كانوا يعبدون الله جل وعلا في الدنيا رغبة ورهبة، هؤلاء يسجدون لله جل وعلا إذا رأوا هذه العلامة، سجدوا وخروا سجدا لله. ويبقى المنافقون الذين كانوا يعبدون الله جل وعلا ويسجدون له في الدنيا رياء. المنافق المراد بهم أهل النفاق الاعتقادي، الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، ويعيش مع المسلمين، هو في الظاهر محسوب منهم، له ما لهم، وعليه ما عليهم، لكنه في الباطن كافر، أخفى كفره، وعلمه الله جل وعلا، عاش بين أوساط المسلمين، يصلي معهم، ويصوم معهم. فإذا كان يوم القيامة، فضح وكشف، وما نفعه ذلك. ما نفعه هذا الإيمان الكاذب، وهذا الإسلام الزائف، إذا جاء يريد أن يسجد، ما يستطيع، يبقى ظهره طبقا واحدا، يعني صلبا مستقيما، إذا أراد أن يسجد، ما استطاع، فيسقط على خلفه، وعلى ظهره. قال: «ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة. قال: فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا». ثم يضرب الجسر على جهنم. الجسر أي الصراط، والصراط والجسر الذي يوضع على متن جهنم. قال: «ويتحل، وتحل الشفاعة». يعني يأتي وقت الشفاعة، ويأذن ربنا جل وعلا بالشفاعة. قال: «ويقولون: اللهم سلم سلم». قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «دحظ مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب، وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها: السعدان». دحظ المزلة يعني تزل فيه الأقدام، تزل فيه الأقدام. فالدحظ بمعنى المزلة. فلا تستقر فيه أقدامهم، بل تنزلق وتنحرف عن محلها. قال: «فيه خطاطيف وكلاليب». الكلاليب: هي الحديدة الحادة الطرف، وتكون منعطفة في طرفها. ومثله الخطاطيف، سميت بذلك أنها تخطف الناس. والحسك هو الشوك صلب من حديد. الشوك صلب من حديد. قال: «فيها شويكة يقال لها: السعدان». يعني قوية، يعرفها أهل نجد. قال: «فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب. فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم». يمر المؤمنون يعني على حسب أعمالهم، على حسب أعمالهم. منهم من يمر كطرف العين، مثل ما تغلق عينيك وتفتحها، تغلق وتفتحها، قد مر هذا. الذي أعماله قوية، وإيمانه قوي، وأعماله كثيرة. ثم من هو دونه كالبرق في مروره وسرعته. ومنهم كالريح. ومنهم كالطير، يمر يعني في سرعة الطير. منهم كأجاويد الخيل، الخيول التي هي للجري والسرعة. وهكذا أيضا أجاويد الركاب، كالإبل التي تجري. قال: «فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم». يعني أن الناس الذين يمرون على الصراط على ثلاث أقسام. القسم الأول: ناج مسلم، يمر على الصراط ولا يصيبه سوء. والقسم الثاني: مخدوش مرسل، يعني يمر وتخدشه الكلاليب، تجرحه وتخدشه، لكنه يسلم ويصل. ومكدوس في نار جهنم، يعني يلقى في النار، تأخذه الكلاليب والخطاطيف، وتلقي به في النار. نسأل الله عز وجل السلامة والعافية. قال: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار». يقولون: «ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون». يعني أنهم إذا نجى المؤمنون، ومروا على الصراط، وسقط من سقط من أهل الإيمان الذين عندهم ذنوب، وعندهم كبائر ومعاصي، عقبوا بها، فيشفعون لله عند الله جل وعلا لهم، أن يخرجوا من النار. بل ويناشدون الله مناشدة شديدة، يعني كأن بينهم وبينهم علاقة قوية. ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار. يعني من أهل الإسلام، ممن وجب عليهم دخول النار بسبب أعمالهم، ذنوبهم. فيناشدون الله جل وعلا مناشدة شديدة أن يخرج من دخل النار من أهل الإيمان. قال: «فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم». فتحرم صورهم على النار. وهذا فيه أولا إثبات الجسر والصراط، وأنه حق، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة ومن نحا نحوهم، ممن أنكر الصراط. وهكذا أيضا بيان أن مرور العبد على الصراط بقدر عمله، وبقدر تمسكه بالإسلام، والسير على الصراط المستقيم في الدنيا، يكون سيره على الصراط في الآخرة. فمن كان سيره وتمسكه بالصراط المستقيم قويا، كان مروره على الصراط يوم القيامة كذلك. ومن كان تمسكه بالصراط ضعيفا، كان مروره على الصراط يوم القيامة ضعيفا. قال: «فيخرجون خلقا كثيرا، قد أخذت النار إلى نصف ساقيه، وإلى ركبتيه». يعني ممن دخل النار على قدر أعمالهم، وعلى قدر ذنوبهم. منهم من تأخذهم النار يعني إلى نصف ساقيه، ومنهم من تأخذهم إلى ركبتيه. ثم يقولون: «ربنا، ما بقي فيه أحد ممن أمرتنا به». يعني ممن أذنت لنا بإخراجهم. فيقول: «ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه». فيخرجون خلقا كثيرا. قال: «ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا». ثم يقول: «ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه». فيخرجون خلقا كثيرا. قال: «ثم يقولون: ربنا، لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدا». ثم يقول: «ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه». فيخرجون خلقا كثيرا. قال أبو سعيد الخدري: «إن لم تصدقوا بهذا الحديث، فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾». فهؤلاء الذين قلت أعمالهم، وقلت حسناتهم، وكثرت سيئاتهم، فوجبت عليهم دخول النار. ومع ذلك يخرجهم الله سبحانه وتعالى برحمته، لأنهم من أهل الإسلام. هؤلاء مسلمون، لكن عندهم ذنوب وخطايا كثيرة، أكثر من حسناتهم، فيدخلون النار، ثم يخرجهم الله سبحانه وتعالى كل من كان في قلبه مثقال دينار، أو أقل من ذلك، مثقال دينار، أو نصف دينار، أو مثقال ذرة من خير، يخرجه الله سبحانه وتعالى. قال: «فيقول الله عز وجل: شفاعة الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون». وهذا كما سمعنا فيه دليل على إثبات الشفاعة، إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، وأن الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة، يشفع المؤمنون، ويشفع الملائكة، ويشفع الأنبياء في إخراج من النار. وهذا دليل كما مر على أن أصحاب الكبائر ليسوا بكفار، بل هم ناقصوا الإيمان، إذ أن الكافر لا يخرج من النار، لا يخلد في النار إلا الكفار، الكافر والمشرك يخلد في النار، ولو كان أصحاب الكبائر كفارا لما خرجوا بشفاعة الشافعين، ما نفعتهم الشفاعة لو كانوا كفارا. قال: «ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما». يعني احترقوا حمما. فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة. فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل. يعني ينبتون كما تنبت الحبة في أطراف السيول، عندما يجرفها السيل، سرعان ما تكبر البذرة، ويطلع الزرع. قال: «ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر؟ ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض». أصيفر تصغير أصفر، وأخيضر تصغير أخضر. فقالوا: «يا رسول الله، كأنك كنت ترعى بالبادية». يعني هذه الأشياء يعرفها أهل البادية. فلما ذكر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: «كأنك كنت ترعى بالبادية». قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة». هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم، يعني يخرجون من هذا النهر كاللؤلؤ في رقابهم، اللؤلؤ معروف، والخواتم كذلك معروفة، كأنه جعل علامة لهم، فيهم اللؤلؤ والخواتم، يعرفون به في الجنة أنهم من عتقاء الله جل وعلا. قال: «ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم». فيقولون: «ربنا، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين». هؤلاء الذين يدخلهم الله الجنة بلا عمل، يعني من الأعمال التي توجب لهم دخول الجنة، يعطيهم الله عز وجل من النعيم، فيقولون: «يا رب، أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين». يعني من كثرة النعيم الذي يرونه. قال: «فيقول: لكم عندي أفضل من هذا». فيقولون: «يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟» فيقول: «رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». يعني أرضى عنكم، فلا أسخط عليكم بعده أبدا. هذا أعظم من النعيم الذي يعطيهم الله جل وعلا لأهل الجنة، أن يرضى عنهم، فيرفع عنهم السخط والغضب. قال مسلم: «قرأت على عيسى بن حمد زغبة المصري هذا الحديث في الشفاعة، وقلت له: أحدث بهذا الحديث عنك، أنك سمعت من الليث بن سعد». قال: «نعم». قلت لعيسى بن حمد: «أخبركم الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: قلنا يا رسول الله، أنرى ربنا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان يوم صحو؟ قلنا: لا. وسقط الحديث حتى انقضى آخره». وهو نحو حديث حفص بن ميسرة، وزاد بعد قوله: «بغير عمل عملوه، ولا قدم قدموه». عندكم هكذا. قال أبو سعيد: «بلغني أن الجسر أدق من الشعرة، وأحد من السيف». يعني في وصفه، وصف الصراط. يقول: «بلغني أن الجسر أدق من الشعرة». أدق من الشعرة، من الشعرة في دقتها، وصغرها، وعدم اتساعها. «وأحد من السيف». قال: «وليست في حديث الليث: فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، وما بعده». فأقر به عيسى من حماد. قال مسلم: «وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا هشام بن سعد، قال: حدثنا زيد بن أسلم، بإسنادهما، نحو حديث حفص بن ميسرة، إلى آخره». وقد زاد ونقص شيئا. صلى الله عليه وسلم، عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.