الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 52، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المؤلف تشديد الشرع على من يعبد الله عند قبر رجل صالح، وأن التشديد أعظم على من يعبد القبر نفسه. ويستدل بحديث عائشة عن بناء الكنائس على القبور وتصوير الصور فيها، وأن فاعلي ذلك هم شرار الخلق عند الله.
يشرح حديث "أولئك شرار الخلق عند الله" فيمن بنوا المساجد على القبور وصوروا التماثيل، مبيناً أن هذا من أعظم الذنوب ووسيلة للشرك. ويناقش حكم الصلاة في مسجد فيه قبر، حيث ذهب الجمهور لصحتها مع الإثم، ورأى المحققون كالألباني بطلانها للنهي الصريح.
يشرح حديث عائشة عن لعن النبي ﷺ لليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، محذراً أمته من هذا الشرك. ويبين أن النبي ﷺ دفن في حجرة عائشة خارج المسجد خشية اتخاذ قبره مسجداً، ويندد بإدخال القبور في المساجد لاحقاً تقليداً لليهود والنصارى.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ونعلاه. وبعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ ومعنى هذا الباب: التغليظ، يعني التشديد، وذكر الوعيد الشديد في من عبد الله، لم يعبد هذا القبر، وإنما عبد الله لكن عند هذا القبر. صلى لله لا لهذا القبر، لكن عند هذا القبر. دعا الله عند هذا القبر، عبد الله. فكيف إذا عبده؟ سيكون التغليظ أشد، أليس كذلك؟ سيكون التغليظ أشد. وهذا فيه ما تقدم من أن كثيرا من الناس في هذا الزمان قد وقعوا في الأمرين: فمنهم من يعبد الله عند القبر، ومنهم من يعبد القبر بالذل والخشوع والاستكانة لهذا القبر، ودعائه، ودعائه من دون الله، وغير ذلك. وهذا يدل كما تقدم على غربة الإسلام. لأنه قال: من فوائد ومسائل الباب المتقدم، قال: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام. أيش البابين اللي بعد هذا؟ باب ما جاء في التغليظ، أو من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، كيف إذا عبده. ثم ذكر الأدلة التي تدل على ذلك، أي: من عبد الله عند قبر رجل صالح. والصالح كما تقدم: هو من أدى حق الله وحق عباد الله. وحق عباد الله هذا يقال له صالح. وانتبه إلى قول المؤلف: عند قبر رجل صالح، فكيف بمن عبد الله عند قبر رجل فاسد فاجر؟ هذا واقع في عباد القبور، يحقون عن بعض هؤلاء المقبورين كالبَدَوي وغيرها، أنهم كانوا في الساق، ما كانوا أهل صلاح. فهم يعبدونهم، أو يعبدون الله عند هذه القبور. بل بعضها لا شيء فيها أصلا، بل بعضها ربما يكون حمار مدفون، مش إنسان، ويعبدون هو، ويدعون الله عنده. هذا واقع، ليس عن كِنا. مرة في أحور، فالتقينا برجل كبير في السنة، ومن أهل التوحيد، ممن ناصر دعوة شيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي. كان يعني في السعودية، وتأثر بدعوة شيخ محمد، ونزل إلى البلاد. فحكى لنا أن قبرا من القبور يقال له: صاحب المقحفة. هكذا أنت تذكر، لعلا المقحفة، أي شاب عوض، سمع عن هذا، حق القلب، حق حق الأشياء، ها حق الأشياء، حق الأشياء، أحب الأشياء، أي شو هذا، أحب الأشياء، أحب الأشياء، المقحفة، أو شيء من هذا الأسماء، أي شح حقيقة هذا. قالوا: كانوا ناس مرين على ساحل البحر، فرأوا عظما، أو جِل، أو يد، أو رجل، أو شيء، فقالوا: آه، هذا رجل صالح. فحفروا له، تمام، وعملوا له قبرا، وعملوا له بناء، وعملوا له زيارة. أظن المقحفة، أو شيء من هذا الأسماء. فانظر إلى سخافة عقولهم. المؤلف أن يتكلم على من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف من عبد الله عند قبر رجل طالح فاسد فاجر، أو من عبد الله عند قبر حمار، أعزكم الله، أو نحو ذلك؟ هذا أشد. قال: في الصحيح عن عائشة، والمراد الصحيح هنا البخاري ومسلم. عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور. فقال: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». ومعنى الحديث: أن أم سلمة رضي الله عنها هاجرت مع زوجها أبي سلمة إلى أرض الحبشة، وهي من السابقين الأولين للإسلام. والحبشة أرض نصارى كانت في ذاك الزمان. فرأت في تلك البلاد، بأرض الحبشة، كنيسة. والكنيسة: هو معبد النصارى الذي يتعبدون الله، مثل مسجد المسلمين. وهذا معبد النصارى، وموجود الكنائس إلى يومنا هذا في بعض البلاد الكافرة، بل وربما بعضها المسلمة، وللأسف، كمصر وغيرها. فرأت هذه الكنيسة، وما فيها من الصور. والمراد بالصور هنا، والله أعلم: التماثيل، التماثيل. قال: أولئك. لأن الخطاب لأم سلمة، فإذا كان الخطاب لمؤنث، يعامل الكاف معاملة المؤنث. قال: أولئك. أنت أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح، بنوا على قبره مسجدا، يقبرونه، ويعملون له مسجد، وصوروا فيه تلك الصور. يعني: جعلوا له تمثالا بصورته، تمثالا بصورته. وهنا جمع الصور لأنهم قد يجمعون مع صورة هذا الرجل الصالح غيره من الصالحين، يجعلون عدة صور وتماثيل في هذه الكنيسة. ولذا قال: وما فيها من الصور. يعني: دليل على أنها صور كثيرة. ثم قال: أولئك شرار الخلق عند الله. لماذا شرار الخلق؟ لأن فعلهم هذا يؤدي إلى أعظم ذنب عند الله، فحَق أن يوصفوا بهذا الوصف، أنهم شرار الخلق عند الله. وجه الشاهد من هذا الحديث: بنوا على قبره مسجدا. فهم يعبدون الله في هذا المسجد، ما يعبدون هذا القبر، يعبدون الله لكن في هذا المسجد الذي فيه هذا القبر. ففيه موافقة لما ترجم له المؤلف: باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله. ما هو التغليظ؟ أولئك شرار الخلق عند الله. إذا سئلت: من هم شرار الخلق؟ من يدخلون القبور إلى المساجد، أو يبنون المساجد على القبور. هؤلاء شرار الخلق، شر الخلق عند الله، لأن فعلهم هذا يؤدي، العياذ بالله، إلى الشرك. واضح هذا الآن؟ فإذا وجه الشاهد: بنوا على قبره مسجدا. هذا فيه عبادة هؤلاء لله عند هذا القبر، والتغليظ يقول: أولئك شرار الخلق عند الله. طيب، الآن هذا الفعل أليس موجودا في هذه الأمة؟ انظر كم من مساجد لعباد القبور بداخلها قبور. كم من مساجد قد يقول: قال: أنا ما علي من المسجد، أنا أعبد الله. فيقال: حتى ولو تعبد الله، لا يجوز أن تصلي في مسجد فيه قبر، لوجود التغليظ في هذا الحديث، وفي غيره من الأحاديث التي ستأتي معنا. لذلك ذكر الشيخ الألباني في كتابه "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" أن الصلاة على القبور له عدة معاني، يتبين لك أن ليس المراد أن تصلي فوق القبر، أو أن تصلي باتجاه القبر، لا. فمن معاني الصلاة على القبر: أن تصلي أمامه، أو أن تصلي في مسجد فيه قبر، ولو كان في مؤخرة المسجد، طالما أنه في حدود المسجد، فهذا يدخل في هذا النهي. ثم اختلف العلماء: ما حكم صلاة من صلى لله لكن في مسجد فيه قبر؟ فجمهور العلماء على أن صلاته صحيحة مع الإثم، وبعض المحققين كالألباني وغيره يرون بطلان صلاة لموجود النهي عن ذلك. وهذا يدل على عظم هذه المسألة، ولا يجوز للمسلم أن يصلي في مسجد فيه قبر. نعم، فيه قبر، نعم ما يجوز. أهل السنة ما يصلون في المسجد، ما أحد يصلي من أهل السنة في المسجد. وإنما عامة الناس صلوه، والله حولهم، ولقوة تلهم. "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" كتاب قيم، قيم، فيه هذه المسألة. فهَيْرُون ما رأيت، هل فيه قبر؟ لكن معزول عن المسجد، خارج المسجد. أهم شي أن ما يكون فيه حدود، فيه داخل في إطار المسجد، في إطار المسجد، لا، لا ما يدخل. أنا ما أدخل. لكن أخبر، يعني ببعني ببعا، ما يضر إذا كان خارج. بعض العلماء لا يشترط أن يكون جدار فاصل بين جدار المسجد، وأمجي تكون خارج المسجد، يفصلها جدار المسجد. ومع هذا، من باب الورع والبعد عن الشبهة، لا تصلي في مثل هذه المساجد. يذهب بعد ما تصلي في مسجد آخر، يذهب ويصلي على المقبرة. قال: فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل. فتنة القبور بإدخال القبور إلى المسجد، وفتنة التماثيل: يعني صوروا هذه التماثيل في المسجد. وهاتان الفتنتان سبب للشرك بالله عز وجل. فهذا من باب سد ذريعة الشرك، سد ذريعة الشرك. ما حكم إدخال المسجد، إدخال القبور إلى المسجد؟ ما يجوز، ما يجوز. وهل يعد من الشرك؟ هذا فيه تفصيل. إذا عبد الله في هذا المسجد، فهذا ليس بشرك إدخاله، وإنما هو وسيلة وذريعة إلى الشرك، وهو محرم، بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان. مثل كذلك أعمال كثيرة جاء النهي عنها، ليست لأنها شرك، وإنما لأنها وسيلة إلى الشرك. مثل التماثيل، مثل التمسح بالقبور، ليس بشرك. مثل التوسل بجاه هذا المقبور: أسألك بجاه محمد، أو بجاه فلان. الذبح لله، هل لله أو للقبر؟ هذا من البدع. قراءة القرآن، الدعاء، هذا من البدع. إسراج السرج عليها، كذلك تجصيص القبر. هذا كله من البدع. وهناك ما يكون شركا: من الدعاء، دعاء هذه القبور، والذبح لها، والاستغاثة بها. قال: ولهما، يعني: للبخاري ومسلم، عنها، يعني: عن عائشة، أي: عن عائشة رضي الله عنها. قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم، طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها، فقال وهو كذلك: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا. ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجاه في البخاري ومسلم. وقوله: لما نزل برسول الله، يعني: في مرض موته، وعند احتضاره، أو قبل احتضاره عليه الصلاة والسلام. نزل به مرض الموت. طفق: هذا من أفعال المقاربة، يعني: كان يضع هذه الخميصة، يعني مثل ما تقول: جعل. والخميصة: هو كساء مربع له خطوط أعلام، تسمى خميصة. فيطرح الخميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها. يعني: إذا غمته، بمعنى: ضيقت عليه وكظمته، نزعها، أخرجها من على وجهه. فقال: لما يكشف هذه الخميصة، يقول: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يعني: بسبب اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فهذا فيه التغليظ في من عبد الله عند القبر، لأنه قال: قبور أنبيائهم مساجد، يعني: يصلون فيها لله، لكن فيها قبور أنبيائهم، فيها قبور أنبيائهم. فمطابقته للترجمة: اتخذ قبور أنبيائهم مساجد، عبد الله عندها، والتغليظ: أن النبي عليه الصلاة والسلام لعنهم. وهذا الحديث فيه عظم التوحيد، وأن النبي عليه الصلاة والسلام إلى آخر لحظات حياته وهو يدعو إلى التوحيد. انظر: لما نزل برسول الله، يعني: في مرض موته، وقبل احتضاره، وهو يحذر أمته من هذا الفعل الذي هو سبب للشرك بالله عز وجل، الذي هو سبب للشرك بالله عز وجل. يحذر أمته فيقول: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذر ما صنعوا. لماذا يقول هذا؟ يحذر الأمة. هل هو الآن يخاطب اليهود والنصارى؟ لا، يخاطب المسلمين، حتى يحذروا من هذا الصنيع، ومن هذا الفعل. يحذر ما صنعوا. ولولا، ولولا ذلك أبرز قبره، يعني: أظهر، البروز بمعنى الظهور. لولا ما جاء في النهي عن اتخاذ المساجد، اتخاذ القبور مساجد، لكان قبره، النصارى، سلم في مسجد. لكن ما قبر في مسجد. قد يقول: نعم، الآن أدخل في المسجد. فقد أجاب العلماء على هذا بعدة أجوبة: منها أنه لم يكن في عهد الصحابة في المسجد، وإنما أدخل في آخر عهدهم، قيل في سنة خمس وتسعين، أو أربع وتسعين للهجرة. ومع هذا أنكر الصحابة، لأنه من فعل بعض الأمراء. وأنكر الصحابة إدخال حجرة عائشة في المسجد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرة عائشة. والصحابة اختلفوا: أين يدفن؟ فذكرهم أبو بكر بهذا الحديث: ما من نبي إلا ويدفن حيث قبض. فدفن حيث قبض، لأنه قبض في حجرة عائشة. ولا يزال قبره خارج المسجد عليه الصلاة والسلام في عهد الصحابة، إلا في آخر عهدهم، جاء بعض الأمراء وأدخله، وأنكر الصحابة ذلك، وأنكر التابعين ذلك، ولكن لم يستطيعوا منع ذلك. ومع هذا فقد عزلت هذه الحجرة بجدران ثلاثة، لا يستطيع أحد أن يدخل، وأن يدعو النبي عليه الصلاة والسلام. فنقول: لم يدخل قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، بل هو في خارج المسجد، بل هو في خارج المسجد. فلولا هذا النهي لأبرز قبره، أظهر. غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. خشي على من؟ على أمته. إذن هذا كله تحذير من النبي. ومع هذا، للأسف الشديد، أن كثيرا من المسلمين من يدخل القبور إلى المساجد، كما هو فعل عباد القبور. بل منهم من يوصي، بل منهم من يجهز المسجد الذي إذا مات أدخلوه فيه، كما ذكر عن ابن حفيظ. قالوا: بنى مسجدا، هو يعيش الآن، بنى مسجدا. قالوا: إذا مت، دخلوني في هذا المسجد، وجعلوا قبري داخل المسجد. سنة اليهود والنصارى. فأي حق يدعونه، وأي دين يزعمونه؟ إنما هو الهوى، والعياذ بالله، الجهل. فهذا شيء من الأدلة التي تدل على ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟ يعني: عبد هذا القبر. وبقية أحاديث، إن شاء الله، نؤجلها إلى درس قادم. إلى هنا، والله شكرا للمشاهد، شكرا للمشاهد، شكرا للمشاهد.