الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديثاً ضعيفاً عن رفض النبي صلى الله عليه وسلم استغاثة الصحابة به من منافق، مؤكداً أن الاستغاثة لا تكون إلا بالله. ويستعرض مسائل فقهية مستنبطة من الآيات، منها أن دعاء غير الله في الشدائد استغاثة شركية، وأن من فعل ذلك فهو من الظالمين المشركين.
يستعرض المقطع ست فوائد مستنبطة من آيات سورة يونس، منها أن دعاء غير الله لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة، وأن طلب الرزق لا يكون إلا من الله كما تُطلب الجنة منه. ويبين أن المشرك أضل المضلين لأنه يدعو من لا يستجيب له، وأن تلك الدعوة تورث عداوة المدعو للداعي يوم القيامة.
يستعرض آيات قرآنية تُثبت تبرؤ عيسى عليه السلام والشيطان والقادة من اتباعهم يوم القيامة، وتسمية دعوة غير الله عبادةً وكفراً منها. مع بيان أن المشركين يقرون في الشدائد بأن الله وحده يجيب المضطر ثم يعودون للشرك، ويناقش حديثاً نبوياً في النهي عن الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم تأدباً مع الله وحمايةً لجناب التوحيد.
يختتم المؤلف بالتأكيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم يحمي جانب التوحيد، وينبه إلى وجوب التأدب مع الله عند إطلاق ألفاظ الاستغاثة به. ثم يختم الجلسة بالشكر للحضور.
الحمد لله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال، وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله». ومعنى أولا الحديث: قوله «روى الطبراني بإسناده» يعني تخلى المؤلف عن الحكم على الحديث، فكأنه يقول لك يا طالب العلم: اذهب إلى الطبراني وانظر إلى إسناد هذا الحديث. وبالنظر في إسناد هذا الحديث، وكما عليه المحققون، أن هذا الإسناد ضعيف، فيه راوٍ يقال له عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف قبل الاختلاط وبعده، فالحديث لا يصح من حيث الصناعة الحديثية. نعم، وأما معناه، وإن كان المعنى فرعاً عن التصحيح، لكن لا بأس أن نذكر معناه. يعني المنافق: هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ويبطن الكفر. فكان هذا المنافق معدوداً ومحسوباً على المسلمين، لأن المسلمين لهم ما ظهر من الرجل. فإن أتى بشعائر الدين الظاهرة كالصلاة، وتلبية نداء الجهاد، وغير ذلك، فله ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين. فعلم الصحابة أنه منافق بصفات، فالله عز وجل بيّن صفات المنافقين. وكان يؤذي المؤمنين، وأذية المؤمن لا يلزم أن تكون بضرب أو بشتم أو بغير ذلك، إنما قد تكون بمضايقة في الدين، أو باستهزاء، أو إلى غير ذلك. فتأذى المؤمنون من هذا المنافق، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، يعني حتى يكف عنا شره، حتى يكف عنا شر هذا المنافق. فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله». كأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدر أن يفعل لهم شيئاً، كما طلب المسلمون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل بعض المنافقين، قال: «لا، حتى لا يقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه». فيحمل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم غير قادر على كف هذا المنافق، فيكون الاستغاثة به من باب الشر، لأنه كما تقدم من شرط الاستغاثة الجائزة أن يكون حياً حاضراً قادراً. فهكذا يحمل هذا الحديث، ومع أنه قد تقدم ضعيف فلا يحتج به، والله تعالى أعلم. وما ذكر المؤلف من الآيات ففيه الغنية، وفيه الكفاية، فقد ذكرت ما يقارب ست آيات تدل على أن الاستغاثة لا تكون إلا بالله سبحانه وتعالى. قال المؤلف: فيه مسائل: الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، بقوله: «باب من الشرك الاستغاثة بغير الله، أو أن يدعو». باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره، أو يدعو غيره. الثانية: تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾. وقد بينا معنى هذه الآية، قلنا: لا تدعو، «لا» ناهية، و«تدعو» مجزوم بلا الناهية، ففيه النهي عن دعاء غير الله. فإذا كان هذا الدعاء في رفع كربة وشدة، فهذا يسمى ماذا؟ استغاثة. وإن كان الدعاء مطلقاً، ولو كان في الرخاء، دعوت غير الله، فهذا ماذا يسمى؟ دعاء. واضح. الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر. من أين أخذنا هذا؟ ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقد بينا أن المراد بالظلم في الآية ما هو؟ الشرك، بمعنى الشرك. الرابعة: أن أصلح الناس لو فعله إرضاء لغيره صار من الظالمين. وهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقال العلماء: قوله ﴿فَإِن فَعَلْتَ﴾ ليس معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وإنما هذا من باب الإنكار والتنديد بفعل المشركين. يعني أن هؤلاء، ولو فعله من يفعل هذا الفعل من الصلحاء، بل ومن الأنبياء، فإن مصيره سيكون كمصير هؤلاء، كمصير هؤلاء. فهذا معنى قولي: أن أصلح الناس لو فعلوا إرضاء لغيره لصار من الظالمين. الخامسة: تفسير الآية التي بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾. فهذا فيه أنه لا يرفع الضر ولا يكشف البلوى إلا الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا كتب عطاء لأحد لا يستطيع أحد أن يمنعه إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً، وهو في قوله: ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. فهذا لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً في الآخرة، لأنه قال: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، ما لا ينفعك في الدنيا ولا يضر. طيب، فهذا النفع فين أين؟ في الدنيا. وكذلك لا ينفع في الآخرة وهو كفر، وذلك في قوله: ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. السابعة: تفسير الآية الثالثة، وهو قوله تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾. وابتغاء الرزق من الله هذا يدخل في الاستغاثة. إنسان عنده حاجة في الرزق، في المال، مريض يريد مالاً، جائع يريد أكلاً، أعزب يريد زواجاً، هذا يريد رزقاً، صح؟ فلا يطلبه إلا من الله. ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، لا عند غيره. فهذا تفسير الآية الثالثة. الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه. فالجنة رزق الأخروي، وطلب المال في الدنيا رزق دنيوي. فكما أنك تطلب الرزق الأخروي من الله، فكذلك يجب عليك أن تطلب الرزق الدنيوي من الله. فهذا معنى قوله: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه، فالجنة رزق الآخرة. واضح؟ التاسعة: تفسير الآية الرابعة: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾. قلنا: معنى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ﴾ يعني لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة. لو دعوته من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح، من أول حياتك إلى آخرها، لم يستجب لك. من تدعوه؟ لم يستجب لك. من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، ﴿وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، لا ينتبهون لما يقولون، ولا يعون ما يقولون. العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله، وهذا فيه خطورة الشرك، وأن الشرك صاحبه أضل المضلين. لو سألت: من هو أضل المضلين؟ لكان الجواب: المشرك، بنص الآية: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. الحادية عشرة: أنه غافل عند وعد داعيه، لا يدري عنه. نعم، أنت تدعو وهما لا يدري ما تقول أصلاً، وهذا من السفاهة. ها، وهذا من السفاهة. أرأيت لو أن إنساناً أصم أبكم، ها، أصم أبكم وهو ها جالس، وأنت تناديه، ماذا سيقول عنك الناس؟ هذا مجنون. ها، إنسان ما يسمع، ها، وأنت تنادي عليه، أنت مجنون. صح؟ ما ما لا فائدة من هذا النداء. وهكذا من يدعو غير الله، هذا مجنون، يدعو ها من لا يستجيب، فكيف يتعب نفسه، وكيف كذلك يعلق قلبه بهذا الذي لا يستجيب له؟ الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي، وعداوته له. وهذا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. سواء كان الأنبياء أو الجن أو الصالحين. وهذا له نظائر كثيرة في القرآن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، قال: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ الآيات. فيتبرأ هؤلاء المدعوون من هؤلاء الداعين، يتبرؤون منهم. وكذلك يكون بينهم وبين متبوعيهم العداوة، العداوة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُوهُ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. هكذا يتبرأ الشيطان الرجيم من أتباعه، من أتباعه. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾. الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو. فان قال: ماذا في الآية؟ قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. فسميت تلك الدعوة عبادة للمدعو، سماها الله عز وجل عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله، فدل أن عبادتهم شر. الرابعة عشرة: كفر المدعو بتلك العبادة، لأنه قال: ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. كفر المدعو بتلك العبادة، المدعو يتبرأ ويكفر من عبده، ويكفر من عبده. الخامسة عشرة: أن هذه الأمور هي سبب كونه أضل الناس، يعني وهو ماذا؟ عبادة غير الله، هذا هو السبب في كونه أضل الناس. السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة، وهو قوله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. عرفنا معنى الآية، يعني لا أحد يجيب المضطر ويكشف السوء إلا الله. السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عباد الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله. وليجلي هذا: يدعونه في الشداد مخلصين له الدين، فهم أهل كبر. إذ كيف في وقت الشدة يدعون الله ويخلصون؟ لأنه قال الله عز وجل: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. فهم يقرون أن الله في الشدة هو الذي يزيلها عنهم، وهو الذي يرفعها عنهم، ولكنه الكبر. فلما ينجيهم يعودون إلى ما هم عليه من الشرك به سبحانه وتعالى. الثامنة عشرة: حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، والتأدب مع الله. قال ذلك المؤلف بناء على الحديث. فبعض، فبعض أهل العلم قال في قوله عليه الصلاة والسلام: «إنه لا يستغاث بي»، لأن هؤلاء الصحابة قالوا: قوموا بنا نستغيث برسول الله. فقالوا على فرضية، على فرضية أن النبي صلى الله عليه وسلم قادر على كف أذى هذا المنافق، قادر على كف أذى هذا المنافق. فإن إنكاره عليه الصلاة والسلام يحمل على التأدب، إذ كيف يطلقون هذا الإطلاق ويقولون: قوموا بنا نستغيث برسول الله؟ واضح هذا الآن. لكن لو قالوا: قوموا بنا نشكو إلى رسول الله هذا المنافق، لا بأس. هذا تأدب. أما نستغيث، فلذلك قال لهم عليه الصلاة والسلام: «لا يستغاث بي»، لا تتعودوا على هذا، بكل شيء تستغيثون وتطلقون هذا الإطلاق. هذا على قول لبعض أهل العلم. وبعضهم قال: لا، إنكار النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً على صحة الحديث، ولا الحديث ضعيف، لكن على فرضية أنه صحيح، فيحمل قوله عليه الصلاة والسلام أنه غير قادر على إزالة أذى هذا المنافق، والله تعالى أعلم. ولذلك هنا قال المؤلف: حماية المصطفى لجناب التوحيد، والتأدب مع الله في إطلاق مثل هذا اللفظ، وهو قولهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. طيب، نكتفي بهذا، وإنا لله، والله شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة، شكراً للمشاهدة.