الدرس في كتاب الطهارة 15، ألقاها
يشرح حديث أبي أيوب الأنصاري حول النهي عن استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة وتطبيقه العملي في الشام. يُفهم من الحديث النهي عن استقبال القبلة واستدبارها أثناء قضاء الحاجة.
اختلف العلماء في حكم استقبال القبلة إلى أربعة أقوال: المنع مطلقًا، الجواز مطلقًا، الجواز في البنيان، والنهي للتنزيه. استندت هذه الأقوال إلى أحاديث نبوية متعددة مثل حديث ابن عمر وحديث أبي أيوب.
ناقش الفقهاء آراءهم حول استقبال القبلة مستندين إلى أحاديث نبوية، والراجح هو الكراهة لتحصيل التوافق بين الأحاديث مع التفريق بين حالة الخلاء والبنيان. يُعتبر الفعل النبوي دليلاً على الجواز وينقل النهي من التحريم إلى التنزيه.
والعالمين، والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، ندخل في حديث بأيوب الأنصاري، قال الإمام الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام» عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا». قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، قال: فننحرف عنها ونستغفر الله عز وجل. قوله عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد، وهو من الأنصار، وهو ممن نزل -أو هو الذي نزل- في بيته النبي صلى الله عليه وسلم حين هجرته، نزل النبي صلى الله عليه وسلم في بيته حين هجرته إلى أن بني للنبي صلى الله عليه وسلم بيت في المدينة، وله مناقب كثيرة. وقد كان معروفًا رضي الله عنه وأرضاه بكثرة الصيام في النهار وكثرة القيام في الليل، ومات رحمه الله تعالى مجاهدًا في سبيل الله عز وجل، يقال: في مدينة قبرص. قوله: «غريب الحديث»، قوله: «الغائط»، الغائط: أي الموضع الذي يتغوط فيه. قال أهل اللغة: أصل الغائط المكان المطمئن، كانوا يأتونه للحاجة، فكنوا به عن ذكر الحدث، كراهة لسمه، ومن عادة العرب التعفف في لفظها. قوله: «ولا تستدبروها»، طيب. قوله: «ولكن شرقوا أو غربوا»، أي: اتجهوا شرقًا أو اتجهوا غربًا. وقولهم: «فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض» -وهي الأمكنة المعدة لقضاء الحاجة-، ومعنى الحديث: أن أبا أيوب رضي الله عنه وأرضاه سمع من نبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبل القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، ففهم من هذا النهي التحريم، فلا تستقبلوها، والنهي يفيد التحريم كما يقول أهل الأصول: النهي يفيد التحريم، والأصل في النهي للتحريم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط» أي: لقضاء حاجتكم، فلا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، بمعنى أن من كان مواجهًا للقبلة، فعليه أن يشرق أو يغرب، ومن كان مستدبرًا للقبلة كذلك، عليه أن يشرق أو ماذا؟ أو يغرب. فلما ذهب أبو أيوب رحمه الله تعالى إلى الشام -وذلك بعد فتحها في خلافة عمر وغيره-، وجد مراحيض -أي أماكن بنيت لقضاء الحاجة-، ووجدها في اتجاه الكعبة، فماذا صنع؟ كان يدخلها وينحرف لأجل أن لا يستقبل القبلة، رضي الله عنه وأرضاه. فإذا قضى حاجته وخرج منها استغفر الله. وليس من قوله: «فننحرف ونستغفر الله عز وجل» أن يفهم أنه كان يستغفر الله داخل الكُنِيف، ولكن معنى ذلك أنه إذا فرغ من حاجته وخرج، فاستغفر الله خشية أن يكون وقع في تفصيل في ذلك الأمر. ونقرأ أيضًا بعده حديث ابن عمر، ثم نذكر مسألة متعلقة بالحديثين. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «رقيت يومًا على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة». قوله: «رقيت» أي: صعدت. قال: «رقيت يومًا على بيت حفصة»، ومعلوم أن عبد الله بن عمر هو أخو حفصة لأبيها، فكان يومًا في بيت حفصة فرقى عليه، فلما رقى عليه -أي صعد عليه- نظر من غير قصد، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة. فهذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على جواز استقبال القبلة، ومنها هنا وقع خلاف في المسألة. فالمسألة: حكم استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، في المسألة أقوال، ثمانية أبرزها أربعة أقوال. الأول: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول أو غائط، لا في الصحراء ولا في البنيان، وهو قول أبي أيوب الأنصاري ومجاهد والنخعي والثوري وأحمد في رواية، واستدلوا بحديث الباب بحديث أبي أيوب، وكذا بحديث سلمان الفارسي عند مسلم وفيه قال: «نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول». وجاء كذلك في مسلم من حديث أبي هريرة نحوه، إلا أنه قال: «نهانا أن نستقبل القبلة أو نستدبرها بغائط أو بول». وبعض أهل العلم أعل الحديث، ولكنه من طريق عل ثبت من طريق أخرى وهي صحيحة، والشاهد منها واضح: «نهانا أن نستقبل القبلة»، وحديث أبي أيوب كذلك واضح. القول الثاني: الجواز مطلقًا في الصحاري والبنيان، وهو مذهب عائشة وعروة بن الزبير وربيعة شيخ مالك وداود الظاهري وغيرهم، واستدل لهم بأحاديث الجواز، كحديث ابن عمر المذكور، وكذا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول»، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها. فالحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة عند قضاء حاجته عند إهراقه البول، فاستدل له أولًا على أن النهي منسوخ، بحديث ابن عمر وبحديث جابر، وهذا عند أبي داود والترمذي، وهو في الصحيح المسند. الثالث: القول الثالث أنه يحرم في الصحاري لا في العمران، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية وإسحاق، ونسبه الحافظ إلى الجمهور، أي: قال الحافظ: إنه قول الجمهور، واستدلوا بمجموع أدلة الفريقين السابقين، بمعنى استدلوا بأحاديث النهي، فقالوا: إن أحاديث النهي ليست منسوخة، بل هي محفوظة وتحمل على الصحاري وعلى الخلوات، بمعنى أنه لا يجوز للإنسان أن يستقبل القبلة ببول أو غائط إذا كان في خلاء، وفي صحراء ونحوها، أما إذا كان في بنيان فلا بأس بذلك، ويدل عليه حديث ابن عمر: «رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة»، ففيه دلالة على جواز ذلك في البنيان. القول الرابع: أن النهي للتنزيه، وإليه ذهب القاسم والنخعي، وهي رواية عن أبي حنيفة وأحمد، واستدلوا أيضًا بمجموع أدلة الفريقين، ما هي أدلة الفريقين؟ الأدلة الأولى فيها النهي، والأدلة الثانية فيها فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى حاجته تارة مستقبل الشام أو تارة مستقبل القبلة وأخرى مستدبر القبلة، فقالوا: هذا فيه دلالة على أن النهي السابق ليس للتحريم وإنما هو للتنزيه، لأن الأصل في النهي للتحريم إلا أن يصرفه صارف، قالوا: قد جاء الصارف الذي صرفه من التحريم إلى التنزيه، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم. والراجح من هذه الأقوال -والله أعلم- القول الرابع قوي، والقول الثالث أحوط، يعني: أن الإنسان إذا كان في خلاء في صحراء، فيجب عليه أن يستتر بساتر، فإن لم يوجد ساتر فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، بل يشرق أو يغرب، وإن كان في بنيان، على القول الثالث له ذلك، وعلى القول الرابع أنه يكره ذلك، والظاهر الكراهة، بمعنى أن الأولى في حقه كذلك أن يشرق أو أن يغرب، جمعًا بين الحديثين. قال الحافظ في الفتح: ولولا أن حديث ابن عمر دل على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا بالتعميم -أي لظاهر حديث أبي أيوب الأنصاري-، يقول الحافظ: ولولا أن حديث ابن عمر دل على تخصيص ذلك بالأبنية لقلنا بالتعميم، لكن العمل بالدليلين أولى من إلقاء أحدهما. وقد جاء عن جابر ذكر حديث جابر، ثم قال: والحق أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه، لأن ذلك هو المعهود من حاله صلى الله عليه وسلم -ما هو المعهود من حاله؟ الاستتار-، المعهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضى حاجته: المبالغة في التستر. قال: ورؤية ابن عمر له كانت من غير قصد، فكذا رواية جابر -أي: تحمل على أنها كانت من غير قصد-، قال: ودعوى الخصوصية لا دليل عليها، بمعنى أن هذا الأمر خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، والنهي عام، فيبقى النهي على عمومه، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لا ينقل النهي إلى الكراهة، قال: هذا لا يسلم له، إذ الخصوصية لا تثبت بالاحتمال. قال: ودل حديث ابن عمر على جواز استدبار القبلة في الأبنية، وحديث جابر على جواز استقبالها، ولولا ذلك لكان حديث أبي أيوب لا يخص من عمومه بحديث ابن عمر إلا جواز الاستدبار فقط، ولا يقال: يلحق به الاستقبال قياسًا، لأنه لا يصح الحاق لكونه فوقه. وقد تمسك به قوم فقالوا بجواز الاستدبار دون الاستقبال. فخلاصة ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى هو ما ذكرناه آنفًا، وهو أن حديث ابن عمر وحديث جابر يدلان على الجواز، ومن ذهب إلى القول الثالث في التفريق بين البنيان وغير البنيان قالوا: يحمل على البنيان، لأن ابن عمر رآه وهو في بيت حفصة، فدل على أنه كان في بنيان، وحديث جابر يحمل على هذا؛ لأنه من عادة النبي صلى الله عليه وسلم المبالغة في الاستتار. ومن ذهب إلى القول الرابع قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا الأمر بعد أن نهى عنه، وأما كونه في بنيان فهذا قد جاء موافقة، بمعنى أن ابن عمر رأى النبي صلى الله عليه وسلم موافقة دون قصد، أن يكون في بنيان أو في غير بنيان. قالوا: حديث جابر أيضًا ليس فيه بنيان ولا عدم، فيحمل الحديث على عمومه، فيكون فعل النبي صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته مستقبلًا أو مستدبرًا للقبلة في دلالة على الجواز، فينتقل النهي من التحريم إلى التنزيه. وكل القولين له وجه قوي، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.