الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 283، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تتناول السورة المكية سورة الانشقاق وتسميتها وآياتها، وتصف حال الناس يوم القيامة عند أخذ الكتب حيث يفرح من أوتي كتابه بيمينه ويهوي من أوتي وراء ظهره. وتختم بالإشارة إلى أقسام الله بالشفق والليل والقمر.
يفسر معنى "ما وسق" بأنه ما يجتمع في الليل من دواب، مستدلاً بأحاديث النهي عن التعريس في الطريق ليلاً. ثم يرد على عقيدة المانوية القائلة بأن الليل للشيطان والنهار لله، موضحاً أن اليد لله صفة حقيقية تليق بجلاله.
يناقش قول الله «بل يداه مبسوطتان» ويرد على من أول اليدين بنعمتين أو قدرتين، مبيناً أن التثنية في لغة العرب للحقيقة. ويستدل بأحاديث صحيحة تثبت يدين لله عز وجل وأن كلتاهما يمين.
يؤكد المؤلف أن من ظن أنه لن يرجع إلى الله قد تحقق رجوعه، مستشهداً بقوله تعالى «بلى إن ربه كان به بصيراً». ويختتم الشرح مكتفياً بهذا القدر ومفوضاً العلم الكامل لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال البخاري رحمه الله تعالى: سورة «إذا السماء انشقت». وهذه سورة سميت بهذا الاسم، وكذلك سميت بالانشقاق، وبعضهم يقول: «انشقت»، سورة «انشقت». وسماها بعض الناظم في عداد سور القرآن وهو السور سماها كدحا، والظاهر أنه ما أراد التسمية وإنما أراد الإشارة إلى هذه السورة؛ لأنها لا تسمى أو لم يسمها أحد بالكدح، لكن ذكرت هذه الكلمة فيها، فظاهر أنه أراد لأجل أن يستقيم الشعر فذكر سورة الكدح ويريد به الانشقاق. «إذا السماء انشقت» - وهذه سورة مكية بالاتفاق - فهي من السور المكية التي أيضًا تعالج غالبًا البعث بعد الموت وإثباته بالأدلة، وكذلك هذه السورة من السور التي كما قلنا مكية، وهي عند بعضهم من آخر ما نزل في مكة، والمهم أنها سورة مكية باتفاق العلماء. عدد آياتها: كم عدد آيات «إذا السماء انشقت»؟ من يعرف عدد الآيات؟ «إذا السماء انشقت» خمس وعشرون آية في قراءة أهل الكوفة، خمس وعشرون، وكذلك قراءة أهل المدينة وأهل مكة. أما قراءة أهل البصرة وأهل الشام، وقراءة أبي عمر من العلاء، وقراءة اليحصبي، ففيها ثلاث وعشرون آية، ثلاث وعشرون آية. وهذا كما قلنا لا يتعارض، فقط بعضهم يعد آيات وبعضهم لا يعد، بمعنى يربطها بالآية، معنى الكلام نفسه كلام واحد، لكن بعضهم مثلًا يقول: «إذا السماء انشقت» يجعلها آية، وبعضهم يربطها بالآية التي بعدها. قال: طيب. قال مجاهد: «كتابه بشماله» يأخذ كتابه من وراء ظهره. وجمع العلماء بين هاتين الآيتين: آية الانشقاق وآية الحاقة في أخذ الكتاب. في آية الحاقة قال: «بشماله»، وفي آية الانشقاق قال: «وراء ظهره». فأما من أوتي كتابه وراء ظهره، فقال العلماء: أن يأخذه بشماله وراء ظهره، يأخذه بشماله وأيضًا من وراء ظهره. وهذا بعضهم يقول: لأجل أنه يريد أن يتخفى بهذا الكتاب، ليس مثل الذي يأخذه باليمين فيظهر كتابه، ويقول: «ها أنتم اقرؤوا كتابي، إني ظننت أني ملاقٍ حسابي»، فيظهره للناس ويفتخر في ذلك اليوم العظيم أنه آخذ أخذ كتابه بيمينه. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وتطاير الصحف»، فآخذ كتابه بيمينه، وآخذ بشماله. فذي يأخذ كتابه بيمينه يفرح فرحًا عظيمًا أنه فاز، فاز في امتحان الدنيا، لهذا يفتخر، يري الناس كتابه: «ها أنتم اقرؤوا كتابي، إني ظننت أني ملاقٍ حسابي». كان يوقن بأنه سيحاسب، لكن لم يحاسبه الله عز وجل، بل أعطاه كتابه بيمينه، وخفف عنه الحساب، وصار عرضًا فقط. وعمن أوتي كتابه بشماله فيقول: «يا ليتني لم أوت كتابي، ولم أدرِ ما حسابي، يا ليتها كانت القاضية»، قد قضى الله عز وجل عليه فمت ولم أقم. وهنا قال الله عز وجل: «وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا». يدعو ثبورًا، معناه: سيصيح للثبور، يريد أحدًا أن ينقذه من هذا العذاب، يريد أحدًا أن يخلصه من هذا العذاب، لكن ليس هناك من يخلصه. ولهذا قال الله عز وجل: «لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا»، معناه: ما يكفيكم الواحد، حتى لو دعوتم، دعوتم، دعوتم، ما في فائدة، معناه: ما في أحد سيخلصكم من عذاب الله. أين هؤلاء الذين تركنون إليهم؟ وأين هؤلاء الذين تظنون فيهم الوجاهة في الدنيا أو كد من الملوك من غيرهم ممن غركم شأنهم؟ اليوم تدعونهم فلا يستجيبون لكم. لهذا قال الله عز وجل: «لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا». أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون؟ هذا مثل التوبيخ لهم: ماذا استفدتم من كفركم وعنادكم؟ ماذا استفدتم من مخالفاتكم؟ هل ينفعكم ذلك العناد والكفر والاستهزاء؟ ما سينفعكم اليوم، ما في أحد سينفعه، ولا أيضًا ينفع الندم، ولا ينفع أيضًا كذلك الندم. قال الله عز وجل: «فلا أقسم بالشفق». الشفق هذا المعروف، هناك شفقان: شفق أحمر وشفق أبيض. الأحمر هذا الذي يأتي بعد المغرب ويغيب عند دخول وقت العشاء، هذا الشفق الأحمر. والأبيضحيانا يبتدئ بعد المغرب وينتهي إلى آخر الليل أو إلى نصف الليل بحسب انتهاءه. فقال الله عز وجل: «فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق». «وسق» قال: جمع من داب. ومعنى المراد: أي ما جمع فيه من دواب ومن غيره، لأن غالبًا الدواب تجتمع في الليل، لهذا قال هنا مجاهد: «وسق: جمع من داب». ويجمع الليل فيه الدواب تنتشر. ولهذا جاء في الحديث، جاء في الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم وهدأت الليل»، قال: «إياكم وهدأت الليل، فإن فيه طارقًا» أو كذا. وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه أحمد: «إذا كنتم في سفر فعرستم فاجتنبوا وسط الطريق». إذا كنتم في سفر فعرستم، «عرستم» أيش؟ عرستم: معنى نزلتم في الليل، سُمِّيَ تعريس إذا نزلتم في الليل. فقال: «فاجتنبوا وسط الطريق، فإنها طريق الهواء والحيات». وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مثلًا إنسان خرج مسافر، فجاء وقت الليل ويريد أن ينام، لا ينام في وسط الطريق، يكون له جانب من الجوانب، إذا كان عنده جبل ينام في الجبل، إذا كان عنده أو ينام تحت الجبل، لا ينام في الطرق، في وسط الطريق؛ لأن هذه وسط الطريق طريق الهواء، عن الدواب تمر الدواب، سواء الحشرات أو غيرها، غالبًا الحشرات تمر في وسط الطريق، غالبًا تمر في وسط الطريق. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينام وأن يعرس في وسط الطريق. لهذا قال الله عز وجل: «والليل وما وسق»، أي ما دخل فيه وخرج، وما جمع فيه. لكن ليس معنى ذلك أن الليل كله شر كما يظنه بعضهم، وهو اعتقاد بعض الفرق، يقولون: الليل إلهه الشيطان، والنهار إلهه الله. معنى يقولون: الله إله النور فيكون في النهار، والشيطان إله الظلمة يكون في الليل. هكذا اعتقادهم. وهؤلاء فرق من فرق المجوس تسمى المانوية، وبعض يسميهم المثنوية. هؤلاء يعتقدون أن الليل إلهه الشيطان، أن ربه الشيطان، والنهار إلهه الله عز وجل إله النور. وهذا جهل. لهذا يقول المتنبي يرد على هؤلاء: «وكم في ظلام الليل من يد تُحدِّث أن المانوية تكذب». وكم لظلام الليل من يد، «يد» معنى هنا نعمة، ونستدل بها العلماء على أنه يأتي في اللغة بمعنى النعمة. لكن ليس معنى أن الآيات بمعنى النعمة، لكن جاء في اللغة أنه تسمى اليد نعمة، أو تسمى النعمة يد. مثل ما قال المغيرة بن شعبة لما قال المغيرة للنبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية، فقال ونظر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا محمد، ما أرى معك إلا أوباش، خليق أن يفرُّوا ويدعوك». يقول النبي عليه الصلاة والسلام: المغيرة بن شعبة؟ أقصد عروة بن مسعود الثقفي، عم المغيرة. عروة بن مسعود الثقفي، عم المغيرة بن شعبة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية لما جاء مفوضًا من مكة: «ما أرى حولك إلا أوباش». أوباش: معنى الذين لا يفعون، حقيقين أن يفرُّوا ويدعوك. حقيقين أن يفرُّوا ويدعوك، هكذا يقول. وهذا قبل أن يسلم، هو من مسلمة الفتح. عروة بن مسعود من مسلمة الفتح، وكان عمر ممن يستشيره. فقال أبو بكر: «امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟» قال له: «امصص بظر اللات، عن أن كانت لها بظر، أنتم لأن تعظمون هذه اللات وتجعلونها إلهًا لكم». فقال له أبو بكر مستهزئًا، وأيضًا محتقرًا له، وأيضًا غاضبًا من كلامه: «امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟» فقال: «من هذا؟» فقال له أبو بكر الصديق، أو أبو بكر: «لولا أن له يدًا عندنا». هذا وجه شاهد: «لولا أن له يدًا عندنا»، معنى: لو لم يكن عندنا يد له ونعمة لرددت عليه. فأيضًا هنا قال المتنبي: «وكم لظلام الليل من يد تُحدِّث أن المانوية تكذب». اليد في لغة العرب كما ذكر بعض، ذكر الحافظ، أو ذكر الإمام ابن العز، ذكر أن اليد، وكذلك الحافظ ابن القيم ذكرها أيضًا في الصواعق، أن اليد في لغة العرب لها خمس وعشرون معنى، لها خمس وعشرون معنى، معنى يستعملونها. لكن المعنى الحقيقي: هذه اليد التي هي معروفة ومخلوقة في الإنسان، وأيضًا اليد التي أثبتها الله عز وجل لنفسه تليق بجلاله وعظمته، أثبت يدين تليق بجلاله وعظمته، وكلتا يدي ربي يمين مبارك. لهذا فاليد ذكر العلماء أن لها خمسًا وعشرين معنى. فقال شيخ الإسلام كذلك، ذكر ذلك ابن القيم وابن العز. هؤلاء الذين يتأولون اليد بالنعمة، أو منهم بالقدرة، ومنهم بكذا، خاصة في قول الله عز وجل: «بل يداه مبسوطتان». قالوا: ما الدليل على تعيين المعنى؟ الآن هؤلاء يقولون: «بل يداه»، أي: بل نعمتاه، وذاته يقول: بالقدرة. هل الله عز وجل له نعمتان فقط؟ أو له قدرتان؟ الآن هذا تحديد، والغالب التحديد في لغة العرب إذا جاء على صيغة المثنى يأتي على الحقيقة، ما يأتي على شيء مجاز أو شيء محرف، أو أقصد شيء ما يقصد ظاهره، وإنما يأتي على الحقيقة. لهذا اختلف الأشاعرة والجهمية في تفسير هذه الآية، ومنهم من قال: نعمتاه، ومنهم من قال: قدرتاه، ومنهم من قال: قوتاه، وغيرها من هذه التأويلات الباطلة. فقال العلماء: الآن أنتم عينتم معنى، وهذه اليد لها خمسة وعشرون معنى، فالذي يعين معنى من هذه المعاني يحتاج إلى قرينة. فهمتم؟ الذي يقول مثلًا: هذا المعنى هنا نعمة، من أين لك أن هذا المعنى هنا نعمة؟ تحتاج إلى دليل يدل على أن هنا المعنى قصد الله عز وجل معنى أيش؟ الدليل: الدليل في سياق الكلام، الدليل يكون في سياق الكلام يدل على أن المراد به نعمة. مثل ما قال المتنبي: «وكم لظلام الليل من يد»، عرفنا أن اليد هنا بمعنى النعمة. لما قال عروة بن مسعود: «لولا أن لك يدًا عندنا»، معنى: هل معنى أن له يدًا؟ ومعنى يدٍ ببكر موضوع عندهم؟ لا، هذا ما يحتمل اللفظ ولا المعنى، لكن له شيء وهي النعمة. هنا سياق الكلام دل عليها. لكن هنا: «بل يداه مبسوطتان»، أي سياق يدل على أن النعمة؟ مهلا، وهل لله عز وجل نعمتان فقط؟ لهذا قال العلماء: تعيين المعنى تخرص على الله عز وجل، وقول على الله بلا علم؛ لأن تعيين المعنى يحتاج إلى دليل يدل على المعنى. لهذا وقعوا في شبه ما يستطيعون يخرجون منه. ولهذا تجد هذه الآية شديدة آية على المؤولين، أو على هؤلاء المحرفين في الأصل أنهم محرفون هذه الآية: «بل يداه مبسوطتان». لأن الله عز وجل أنكر على اليهود أنهم أثبتوا له يدًا واحدة، فقالوا: وأيضًا قالوا أنها بخيلة. وقالت اليهود: «يد الله مغلولة»، أي: بخيلة. وصف الله عز وجل بيد واحدة، وأيضًا مغلولة. فقال: «غلت أيديهم». قال الله عز وجل تبارك وتعالى سبحانه وتعالى: «غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان، ينفق كيف يشاء جل وعلا». لهذه فهذه الآية من أعظم الأدلة على هؤلاء المحرفين، ولم يستطيعوا أن يأتوا بشيء يثبتونه صحيحًا، وإنما كله تخرص. فهذا يقول: نعمتاه، وهذا يقول: قوتاه، وهذا يقول: إرادته، وكذا، وكلها باطلة. وإنما يثبت هنا لله عز وجل اليدين كما أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له اليدين، «وكلتا يدي ربي يمين». قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: قال: «عطاؤه ربنا جل وعلا سحاء الليل والنهار، لم يغض ما في يمينه»، فيرفع القسط بيده، وباليد الأخرى يخفضه. لو قال في آخر الحديث: «وكلتا يدي ربي يمين مباركة، وكلتا يدي ربي يمين مباركة». فالمهم أن إثبات اليدين لله عز وجل قد دلت عليه الأدلة. وهنا وجه الشاهد من هذا: قوله «جمع من دابة»، ليس المراد أن الليل يجمع الشر. هذا معنى الذي تكلمنا على اليد في قول المتنبي: «وكم لظلام الليل من يد تُحدِّث أن المانوية تكذب». المانوية كما قلنا فرق من فرق المجوس، يقولون: أن الليل ما فيه نعمة أبدًا، الليل كل شر، والنهار خير. لهذا قالوا: إله النور أو إله النهار هو إله النور، وإله الليل الشيطان، وهو إله الظلم. وهذا كلام ليس صحيحًا. وقد يكون في الليل آيات ونعم تتحقق في الليل، والله عز وجل ذكر القمر آية في الضو ويكون في الليل، وهي نعمة عظيمة، أيضًا النوم آية وهي نعمة، ينام الإنسان في الليل. لهذا فالمراد قوله جل وعلا: «والليل وما وسق»، أي وما جمع فيه، وما دخل فيه. أنا يحلف الله عز وجل ويقسم بالليل وما يحصل فيه من حوادث، وما يحصل فيه من جمع، وما يدخل فيه ويخرج. وقال: «والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق». «ظن أن لن يحور»، أي: لا يرجع إلينا. إنه ظن أن لن يحور، أي: هذا الكافر الذي آتاه الله عز وجل كتابه وراء ظهره. قال: «وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورًا ويصلى سعيرًا، إنه كان في أهله مسرورًا». يضحك ويستهزئ. «إنه كان في أهله مسرورًا، إنه ظن أن لن يحور»، أي: أن لن يرجع إلينا. ظن واعتقد أنه لن يرجع إلينا، وهذا رجوعه قد تحقق. «بلى إن ربه كان به بصيرًا». فهذه بعض الكلمات التي ذكرها مؤلفنا، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.