الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 284، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، ويوضح الفرق بين العرض اليسير ومناقشة الحساب التي تهلك صاحبها، مع ذكر أسانيد الحديث في صحيح البخاري.
يشرح المقطع معنى العرض يوم القيامة حيث يقر الله العبد بذنوبه ثم يغفرها له، مستدلاً بحديث ابن عمر في الصحيحين، ويبين أن الله يستر على عباده في الدنيا ولا يفضحهم إلا إذا أصروا على المعصية.
يشرح المقطع كيفية عرض الله ذنوب المؤمن فيقر بها فيغفرها له، بينما يناقش الكافر والمنافق في أعمالهم فتشهد عليهم جوارحهم فيعذبون، مستدلاً بحديث «من نوقش الحساب عُذِّب».
يختتم المتحدث الدرس بعبارة «إن شاء الله نكتفي بهذا»، ويذكر أن الترجمة من إنجاز نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب: فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا». قال: حدثنا عمر بن علي، وهو صَيْرٌ في الفلاس، أبو علي الصيرفي البصري، وهو راوية يحيى بن سعيد. قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو القَطَّال، قال: عن عثمان بن الأسود، هو الجمحي، قال: سمعت ابن أبي مليكة، هو عبد الله بن أبي مليكة، قال: سمعت عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا سليمان بن حرب، أي: عنده سند آخر. قال: حدثنا حماد، سليمان بن حرب العَزْدِي الوَاشِح، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حدثنا مسدد عن يحيى، عن نبي يونس، عن حَاتِم بن أبي صغيرة. معنى: يحيى بن سعيد عنده إسنادان، إسناد على عثمان، وإسناد على حاتم بن أبي صغيرة، وهو باهلي بصري. هذه الأسانيد كلها من أسانيد أهل البصرة، إلا ابن أبي مليكة فهو مكي من أهل مكة، والقاسم بن محمد من أهل المدينة. قال: عن ابن أبي مليكة عن القاسم، أنا هنا زاد في الإسناد القاسم عن عائشة رضي الله عنها. قد يكون الحديث: ابن أبي مليكة سمعه من القاسم، وسمعه من عائشة؛ لأنه صرح بالتحديث. قال: رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلكت». قالت: قلت: يا رسول الله، جعلت الله فداك، أليس يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-8]؟ قال: «ذاك العرض، يُعرضون، ومن نوقش الحساب هلك». فهذا الحديث فيه أمر من أمور القيامة العظيمة، وهو أيضًا افتراق الناس في القيامة، فمنهم من هم أهل الرضا من الله، ومنهم من هم أهل السَّقَط الذين يسقط الله عز وجل عليهم. وكما تقدم في قول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-12]. فهنا قال: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، فلذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس أحد يحاسب إلا هلك»، فاستدلت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية، ومعنى: استشكلت هذه الآية، وهذا من فقهها رضي الله عنها. قالت: كيف يقول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ذاك العرض». أنا سميَ حسابًا، لكنه أصلًا ليس حسابًا، وإنما سُمِّيَ حسابًا لأنه تُعرَض على العبد أعماله. ومعنى العرض: أن الله عز وجل يُقَرِّر العبد بذنوبه فيقرها، فيقول الله عز وجل: «قد غفرتها لك»، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «إن الله عز وجل ليدني عبده حتى يضع كنفه عليه، فيقول: يا عبدي، قد فعلت كذا، وفعلت كذا، وفعلت كذا، فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم». أنا: سترها الله عز وجل، وهذا العبد الصالح غالبًا يشتر الله عز وجل ذنوبه، إلا إذا فاحت، إذا زاد ولم يرجع ولم يتب، فغالبًا يفضحه الله، وإلا الأصل أن الله عز وجل يستر على عباده. ولهذا عُلم بهذه القاعدة العظيمة: أنه ما من أحد يفتضح إلا وقد فعل ذلك أكثر، كما قال عمر رضي الله عنه لسارق، فافتضح، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، إنما سرقت أول مرة. قال: فما كان الله ليفضحك، أنا لو كنت أول مرة ما سيفضحك الله. قال: فلما قال: يا أمير المؤمنين، أول مرة أسرق، قال: ما كان الله ليفضحك. فلذا غالبًا، ومن سنة الله عز وجل أنه لا يفضح إلا من عَادَ هذا الشيء، فيفضحه الله عز وجل في يوم. فالله عز وجل يمهل ولا يهمل، وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد. فربنا جل وعلا يمهلهم، يمهل الظالم حتى إذا أخذه، كما جاء في حديث أبي موسى في الصحيحين: «إن الله لا يمهل للظالم، أنا يعطيه، ولعله يرجع، لعله يتوب. إن الله لا يمهل بالظالم حتى إذا أخذه لم يفلت». معنى: إذا أخذه الله عز وجل أخذه أخذ عزيز مقتدر، وأيضًا لم يفلت، خلاص ما له محال أن يفلت بعد ذلك لأنه قد أمهله الله. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُمْهِلُ لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْ﴾، وقرأ قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]. فلذا فربنا جل وعلا ستير، يستر على عبده، فلذا قال هنا: يُقَرِّر، قال: «قد سترتها عليك في الدنيا» على الذنوب، لكن سترها الله. ولهذا الذي يفضح، ستر الله عز وجل عليه، فإنه قد ارتكب جرمًا عظيمًا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، والذي جاه... جاء في رواية البخاري: قال: يبيت يستر الله عز وجل عليه، ثم يصبح يكشف ستر الله». أنا: أتكلم، فعلت كذا، قد ستره الله، لم يفضحه بفعله، لكن فضح نفسه. بل بعضهم يتفاخر بفعل المعصية والعياذ بالله، يقول: فعلت كذا، وفعلت كذا، وفعلت كذا، على سبيل التفاخر، فهذا قد فضحه الله عز وجل. معناه أيضًا: من فضح الله له، وإن كان هو الذي فضح نفسه، لكن أمر الله عز وجل. فلذا قال: يقول الله عز وجل: «المؤمن: قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، وإني أغفرها لك اليوم». وجاء عند أحمد حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يُعرَض المؤمن، أو يعرض الله عز وجل على المؤمن ذنوبه، فيقره بها، فيقره بها، فيقول: فيعترف». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك العرض، فذلك العرض». فلذا فالعرض هو: أن يعرض الله عز وجل، أن يعرض الله عز وجل ذنوب العبد عليه ويقره عليها: «أنا فعلت كذا، وفعلت كذا»، فيقول: «نعم يا رب، فعلت». بخلاف الكافر والمنافق، فإنه يُنكِر، يقول: «ما فعلت»، فيقول الله عز وجل: «ألا ترضى بي وبملائكة الشهود، أو الكتبة؟» أنا: ما ترضى بي أن أكون شاهدًا عليك؟ أنا ما يرضى بالله عز وجل؟ انظر إلى خبث هذا القلب. فيقول الله عز وجل وهو اللطيف الخبير سبحانه وتعالى، يتلطف مع هذا المنافق فيقول: «ألا ترضى بي وبملائكة الكتبة؟» فيقول العبد: «والله يا رب، لا أرضى إلا بشيء من نفسي، أنا أريد شيء من نفسي». معنى: يشهد عليه. قال: فحينئذٍ يختم على فيه، أو على فيه، وتتكلم جوارحه بما فعل: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65]. وقالوا لجلودهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 21]. فيجعل الله عز وجل أعضاءه تتكلم وتشهد عليه، فيقول: «سُحْقًا سُحْقًا، لكن إن كنت لأناضل عنكن، أنا أدافع عنكن، كيف شهدتم عليه؟» فيجعل الله عز وجل جوارحه تتكلم. فلذا قال النبي عليه الصلاة والسلام هنا: «من نوقش الحساب عُذِّب». فالمؤمن لا يناقشه الله، إنما يعرض عليه فقط ذنوبه فيقرها، فيغفرها الله عز وجل له، ويدخله الجنة. وأما المنافق أو الكافر، أو من سيعذبه الله من أهل الإيمان، فإنه يحاسبه، فيحاسبه على أعماله، فإذا حسبه عذبه وأدخله النار. هذا إن شاء الله ما يذكر بهذا الحديث. وهذا أيضًا ذكر هنا البخاري ثلاث أسانيد، وهي ليست من عادته، ليست من عادته أنه يذكر أسانيد كثيرة في الحديث، وإنما يفرقها، لكن لعله ذكر هذه الأسانيد لأجل الاختلاف الذي حصل في الحديث، لأن بعضهم رواه عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وبعضهم رواه عن ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة، فالظاهر يريد أن يظهر أن الطريقين صحيحين. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر