شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 6

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

فضل القعود عن الفتنة ولزوم البيوت والعبادة

يشرح المقطع باب فضل القعود في الفتنة من كتاب الشريعة للآجري، مؤكداً وجوب اجتناب الفتنة باطناً وظاهراً وأن لزوم البيوت والعبادة وقت الفتن من أعظم القربات. يستدل المحور بحديث "العبادة في الهرج كهجرة إليَّ" وحديث درجات الناس في الفتنة ليبين منزلة القاعد عن الفتنة.

أحاديث الفتن وقصة مقتل عبد الله بن خباب

يسرد المقطع أحاديث نبوية تصف الفتن بأنها كريح الصيف السموم وكقطع الليل المظلم، ويروي قصة مقتل عبد الله بن خباب على يد الخوارج مثالاً على شدة الفتنة واستحلال الدماء. يبين المحور توجيه النبي صلى الله عليه وسلم باللزوم البيوت والاعتزال عن الفتنة سبيلاً للسلامة منها.

أسباب النجاة والهلاك في الفتن ولزوم منهج السلف

يستعرض المقطع أحاديث نبوية متعددة في وصف الفتن وتقاربها وشدتها، مبيناً أن النجاة تكون بترك المال وكراهية الفتنة والدعاء وحفظ اللسان ولزوم سنة السلف. بينما الهلاك يكون باتباع الهوى وإيثار الدنيا، وأن الفتن تكشف حقيقة الناس وتقلبهم.

فضل العبادة والثبات على السنة في أوقات الهرج

يبيّن المقطع أن العبادة في زمن الهرج تعدل الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الفتن تشغل القلوب وتصرف عن الطاعة، ومن تمسك بدينه كان كقابض على الجمر له أجر خمسين من الصحابة. يؤكد ابن القيم على عظيم أجر المتمسكين بالسنة عند فساد الأزمان.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا في هذا الكتاب النافع، كتاب الشريعة للإمام الكبير أبي بكر الآجري رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى بمكة سنة ستين وثلاثمائة للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى، ولزوم البيوت والعبادة لله تعالى». وهذا الباب مناسب لما قبله؛ فإن فتن الخوارج، وفتن الخروج على الأئمة، وفتن الصراعات على الملك، مما لا يراد بها إحقاق دين أو حق، الواجب على المؤمن اجتنابها وترك الخوض فيها، سواء خاض فيها بلسانه، أو خاض فيها بيده، أو بسلاحه. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل القعود في الفتنة، وفي الفتنة عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى». وهذا أمر خفي في القلوب لا يعلم به إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى؛ فقد يكون الظاهر مجتنباً للفتن، ولكنه بقلبه يخوض في وديانها ويقطع بحارها، وهو آثم كإثم من يقاتل فيها؛ لأنه يهوى قلبه الفتنة، وإن كان في جسده الظاهر بعيداً عن أهلها. وهذا أمر خفي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل. والواجب على المؤمن أن يجتنب الفتنة بقلبه، وأن يجتنب الفتنة بلسانه، وأن يجتنب الفتنة بأركانه، فيكون بعيداً عن الفتن بعداً ظاهراً وبعداً باطناً أيضاً. قوم ثمود الذي عقر الناقة واحد، لكن الله وصفهم جميعاً بأنهم عقروها، فلذلك عمهم العقاب: ﴿فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: 14]، مع أن العاقر واحد. ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: 12]، لكنهم كانوا بقلوبهم يهوون عقرها ويحبون عقرها، فهم راضون بذلك الفعل، فرحون به، يستبشرون به، يتمنونه، يفرحون به، تهواه قلوبهم، فعاقبهم الله جميعاً، وصاروا في حكم واحد. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى». وهذا من حكم الجاهلية، هذا الأمر أيضاً من حكم الجاهلية، وإن كانوا أصابوا ظاهر الحكم الشرعي. ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله: «ومن مال مع صاحبه وإن كان الحق معه فقد حكم بحكم الجاهلية». ومن مال مع صاحبه وإن كان الحق معه فقد حكم بحكم الجاهلية. هذا من حكم الجاهلية: ميل القلب إلى فلان لأنه صديقك، أو من جماعتك، أو من قبيلتك، أو من ربعك، أو من أصحابك، لا لأنه محق في نفس الأمر، ثم صادف أنه محق، إنما حكمت بحكم الجاهلية لا بحكم الكتاب والسنة النبوية. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها». القعود في الفتنة: أي الجلوس. وضد القعود: القيام، وضد القعود: المشي، وضد القعود: السعي، وضد القعود: الجري. كل هذه أضداد. فمن جرى، أو سعى، أو مشى، أو وقف، فقد خاض في الفتنة. قال رحمه الله تعالى: «باب فضل... قال رحمه الله تعالى: باب فضل القعود في الفتنة، أي في البيوت، عن الخوض فيها بأي صورة كان الخوض: باللسان، أو بالقلب، أو باليد، أو بالكتابة، عن الخوض فيها، وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى». فهؤلاء العقلاء أصل حبهم لله، وأصل كراهتهم لله؛ فما أحبه الله أحبوه، وإن كان بعيداً عنهم أو عن طباعهم، أو كان من جنس آخر. وما أبغضه الله أبغضوه، وإن كان صادراً من أحب الناس إليهم وأقربهم إلى قلوبهم. هذا موقف العقلاء: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: 22]. فحبهم لله، وبغضهم لله، يحبون ما أحبه الله، ويكرهون ما كرهه الله، ولهذا يخافون في الفتن. قال رحمه الله: «وتخوف العقلاء على قلوبهم أن تهوى حالاً يكرهه الله تعالى». هذه مصيبة عظيمة. «ولزوم البيوت»: أي في أوقات الفتن، مع أداء الصلوات والقيام بها، وزيارة المرضى، وأداء الواجبات، وفعل ما يلزم من الجمع والجماعات ونحوه. فيأتون بالحق كما أمر الله، وفضول ذلك يتركون: فضول المجالس، فضول الكلام، فضول الخوض، يجلسون في بيوتهم. فإن وصل الأمر إلى أنهم لو خرجوا من بيوتهم فتنوا، جلسوا في بيوتهم. قال رحمه الله: «ولزوم البيوت والعبادة لله تعالى». لأن العبادة وقت الفتن أعظم أنواع العبادة. العبادة وقت الفتن أعظم من العبادة في غير وقت الفتن؛ لأن وقت الفتن تنشغل الناس، ينشغل الناس عن العبادة، ينشغلون بالقيل والقال، فيغفلون، وتكثر غفلتهم عن ذكر الله، وعن النوافل، وعن الطاعات والصيام وغيرها. ولهذا ثبت في حديث معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «العبادة في الهرج كهجرة إليَّ». العبادة في الهرج، والهرج: اختلاط الأمور، شدة الفتن، وطربها، هذا هو الهرج. العبادة في الهرج كهجرة إليَّ: أي ثوابها كثواب من هاجر أيام الجاهلية، وترك داره وعياله وماله، وهاجر بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والهجرة من أعظم العبادة. العبادة في الهرج كهجرة إليَّ، العبادة في الهرج كهجرة إليَّ. يقول العلماء: لأن وقت الهرج تعظم الغفلة، ويسقط حجاب الغفلة، يسقط على القلوب، فتجدهم لا يعبدون الله حق العبادة. كم من إنسان كان يوتر، فإذا جاءت الفتن ترك وتره. وآخر كان يقرأ من القرآن ما يقرأ، فترك قراءة القرآن عند الفتن. وآخر كان يصوم، فترك الصيام. وآخر كان يقوم الليل، فترك القيام. وآخر كان يتصدق ويطعم الطعام، ترك ذلك، أو غفل عنهم بسبب الفتن. قال: قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تكون فتنة، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها خير من الراكض، ومن يستشرف لها تستشرف له، ومن وجد ملجأً أو معاذاً فليعذ به». هذا حديث عظيم من أحاديث الفتن، وفيه درجات الناس في الفتن: فمنهم من يخوض برجليه، ومنهم من يخوض في بحار الفتن إلى رقبتيه، ومنهم من يخوض إلى حقويه، ومنهم من يخوض إلى ترقوته، ومنهم من يغرق في الفتن، عياذاً بالله. ولهذا قال: «القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». الساعي: هو الذي يمشي بنوع عجلة في المشي، يخب ويسرع في خطواته. «الماشي فيها خير من الساعي، من يستشرف... تستشرف لها، تستشرف لها»... سيأتي الكلام على أمر الاستشراف. «ومن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به». وبه قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا وهب بن بقية الواسطي، قال: أخبرنا خالد، يعني ابن عبد الله الواسطي، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تكون فتنة كريح الصيف، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي. من استشرف لها استشرفته». ريح الصيف فيها سموم، وفيها غبار، وفيها حر لاذع، لا يفح. فتجد الناس إذا هبت الرياح يختبئون تحت الأشجار، ويجلسون في الظلال، يتقون تلك الرياح والسموم التي تتسم بشدة الحرارة مع هبوبها، وربما حملت شيئاً من التراب. وهكذا الفتن، وهكذا الفتن تحرق كل من اقترب إليها، لا يقترب في الفتنة أحد إلا احترق، عياذاً بالله. وبه قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا شيبان بن فروخ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن رجل كان مع الخوارج ثم فارق. هذا تحويل الإسناد، أي طريق آخر، طريق آخر يعضد الطريق الأول ويلتقي معه. قال: قال أبو القاسم: وحدثني جدي وأبو خيثمة، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارق. قال: دخلوا قرية، فخرج عبد الله بن خباب ذعراً، أي خائفاً، يجر رداءه، هذا يدل على أنه فزع، رضي الله عنه. فقال: «لم ترع، لم ترع»، أي: ليس هناك شيء يخيف. فقال مرتين. فقالوا: «والله لقد رعتمون». قالوا: «أنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟» قال: «نعم». قالوا: «فهل سمعت من أبيك حديثاً يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثنا به؟» قال: سمعته يقول عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه ذكر فتنة: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». قال: «فإن أدركتها فكن عبد الله المقتول». قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: «ولا تكن عبد الله القاتل». قالوا: «أنت سمعت هذا من أبيك يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟» قال: «نعم». فقدموه على ضفة النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك ماء أمذقر، يعني: ما اختلط بالماء الدم، أي صار عليه وفوقه، كأن الدم كان غليظاً، الله أعلم. فسال دمه على شراك من دقر، يعني: ما اختلط بالماء الدم. وبقروا أم ولده عما في بطنها. وهذا يدل على شدة الفتنة التي وقع فيها هؤلاء؛ يأتون إلى رجل ابن صحابي جليل فيقتلونه، هذه القتلة الشنيعة، يذبحونه ذبحاً، سبحان الله، بل ويبقرون بطن امرأته. والإسناد والقصة صحيحة. وهذا يدل على شدة فتنة التأويل في الأمة. الحديث له طريق وطريق. وقد قدمنا أن منهج المحدثين المعتمد، كما ذكر يحيى بن سعيد القطان، وذكره عبد الرحمن بن مهدي وغيرهما، أن باب الآثار يتساهل فيه ولا يتشدد فيه؛ فإن كان الضعف يسيراً يمشون فيه. وهؤلاء الأئمة أهل تحقيق وضبط ومعرفة. والخوارج ليس يستغرب عنهم مثل هذا؛ فقد قاتلوا علياً رضي الله عنه وكفروه، وقاتلوا خيار الصحابة وكفروهم، رضي الله عنهم أجمعين. فالأصل في الخوارج استحلال الدماء بأدنى شبهة، وهم يكفرون المسلمين كما تقدم بما يرونه من الذنوب أو ببعض الذنوب. ولهذا ساقها من طريقين. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد أيضاً، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال: أخبرنا عاصم، عن أبي كبشة، قال: سمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بين أيديكم، إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل المظلم، كقطع الليل المظلم، التي لا يكاد الإنسان يبصر فيها يده، أو يبصر فيها صاحبها، كأنها قطع مظلمة، بعضها أشد إظلاماً من بعض. فلو أنه أخرج يده لينظر أصبعه ما استطاع أن يرى من شدة الظلام». قال رحمه الله تعالى: قال، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن بين أيديكم فتناً»، أي كثيرة تتوارد. وهذا عالم من أعلام النبوة، فقد حصل هذا، ما أكثر الفتن إلى اليوم! كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً. القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. قالوا: «فما تأمرنا؟» أي: يا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «كونوا أحلاس بيوتكم». قدمنا الكلام على الحلس، وأن الحلس هو السجادة التي تفرش في البيوت، سجاجيد، ونعوه الذي يسمى في هذا الزمان الزل، ونحوه، مثل هذه القطيفة الموجودة، هذا هو الحلس. فتجدوا البيت يوضع فيه قطعة من هذه السجاجيد والقطائف، لا تكاد ترفع لثقلها من ناحية، ولأن الأصل فيها الثبات في مجلس الضيوف أو في مكان ما، هذا هو الحلس. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كونوا أحلاس بيوتكم»، أي: اجلسوا في بيوتكم، وأطيلوا المكث فيها، واجتنبوا الخوض في الفتنة، كأنكم تلك القطائف التي لا تفارق المنازل. لا أحد كل يوم يأخذ الخطيفة يوديها مكان، هي جالسة في البيت. فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يكون المؤمن أيام الفتن حلس داره، حلس بيته. في هذا الحديث أيضاً: أن الفتن مظلمة، ظلمات بعضها فوق بعض، فتن ظلمات بعضها فوق بعض. نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله النجاح والعافية والسلامة، وأن لا يلطخ أيدينا ولا قلوبنا بهذه الفتن. كقطع الليل المضر: يصبح الرجل مؤمناً، أي في صبحه الباكر هو من المؤمنين، سبحان الله، ومن شدة الفتن والشبهات وما يطرح عليه من الشبهات، يمسي، أي بعد العصر، كافراً، سبحان الله. ورجل آخر يمسي مؤمناً، ومن شدة الشبهات التي تتوارد عليه يصبح كافراً. نسأل الله العافية والسلامة. كل هذا يدل على شدة الفتن، وأن الفتن ربما يسمع الإنسان فيها الكلام الحلو، الكلام المعسول، كما قال الله عز وجل: ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: 112]، ﴿زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31]. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]. كلام زخرف، جميل، حلو، يراه في ظاهره، ويقول: كلام الله، كلام جميل، زخرف القول غروراً، يغتر به الإنسان حين يراه، وهو زخرف مزيف. إذا وقف عنده ذو بصيرة قال: هذا كلام مزيف، هذا كلام مزخرف، كيف نفعل كذا أو كذا. لهذا لا نستغرب أن يقتل هؤلاء عبد الله بن خباب، عندهم زخارف من الأقوال. نسأل الله العالمين: أين إقامة الحجة؟ أين توفر الشروط؟ أين انتفاء الموانع؟ أين من يحكم بالحكم الشرعي وفق شروطه الشرعية في هؤلاء الأعيان؟ لكن الخوارج ليس عندهم باب اسمه إقامة الحجة، أو انتفاء العذر، أو كذا، أو هذا مكره، أو هذا متأول، أو هذا مخطئ، أو إلى آخره. نسأل الله العافية. قالوا: به. قال: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا عبد الملك بن شعيب، قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن أبي عمران، أن الحكم بن مسعود النجراني حدثه، أن أنس بن أبي مرثد الأنصاري حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتنة بكماء صماء عمياء، المتجع فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن أبى فليمدد عنقه». سيأتي في حديث أبي هريرة في الصحيحين هذا المعنى، لكنه دون زيادة: «ومن أبى فليمدد عنقه». في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا ثم تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والساعي فيها من تشرف لها تستشرفه، فما وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به». في الباب أيضاً حديث أبي بكرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، بل في صحيح البخاري أيضاً. حديث أبي بكرة في أمر الفتن: حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: «إنها ستكون فتن، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له بقر فليلحق ببقره». فقام رجل في وسط الصحابة، قال: «يا رسول الله، أرأيت من لا إبل له ولا بقر ولا غنم؟» قال صلى الله عليه وسلم: «يعمد إلى سيفه فيدق في حده بحجر، ثم لينجو إن استطاع النجاة». ألا ثم لينجو إن استطاع النجاة. «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت». فقام رجل في الناس فقال: «يا رسول الله، أرأيت إن جيء بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فيجيء رجل فيقتلني، أو يجيء سهم من هاهنا أو هاهنا فيقتلني؟» قال: «يبوء». قال صلى الله عليه وسلم: «يبوء بإثمه وإثمك، ثم يكون من أصحاب النار». هذا أيضاً من أحاديث الفتن، وهو حديث أبي بكرة رضي الله عنه أرضاه. والمؤلف اختصر ذكر الأحاديث، وهي كثيرة، كثيرة، تزيد على العشرين في هذا الباب. قال رحمه الله تعالى: وحدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا أسيد بن عاصم الأصبهاني، قال: حدثنا عاصم، قال: حدثنا إسماعيل بن عمر، قال: أخبرنا قيس، عن حسين بن عبد الرحمن، عن شقيق بن سلمة، عن حذيفة. حاء: ما معنى حاء؟ تحويل السند، سند طريق آخر، نوع من التقوية. وعن مجالد: مجالد فيه ضعف، مجالد فيه ضعف، وضعفه شديد. قال حاء: عن مجالد، عن عامر، يعني الشعبي، عن مسروق، يعني بن الأجدع الوادعي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تتقارب الفتن، تتقارب الفتن، ولا ينجو منها إلا من كرهها ولم يأخذ المال، فإن أخذ المال فهو شريكهم في الدماء وغيرها». قلنا: مجالد ضعفه شديد، لكن تقارب الفتن أحاديثه كثيرة، منها حديث أسامة رضي الله عنه بالصحيحين: قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة، أي حصن من حصونها، فقال للصحابة: «هل ترون ما أرى؟» قالوا: «لا يا رسول الله». يحتمل أن هذه الرؤية رؤية قلب، ويحتمل أنها رؤية عيان وبصر، كل ذلك محتمل. أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على أطم من آطام المدينة، فقال: «هل ترون ما أرى؟» قالوا: «لا يا رسول الله». قال: «فإني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كوقع القطر»، يعني المطر. هذا يدل على شدتها، وعلى كثرتها، وعلى أنها متوالية. والمطر إذا نزل تجد الطرق قد ابتلت، وبعض الجدران قد ابتلت، والأسطح قد ابتلت، بعض الأبواب قد أتاها المطر، بعض النوافذ قد أتاها رذاذ المطر. وهكذا: «فإني لأرى الفتنة تقع خلال بيوتكم كوقع القطر». هذا حديث أسامة، فليت المؤلف ذكره، فإنه في معنى رواية مجالد. قال الإمام محمد بن الحسين: «قد ذكرت هذا الباب في كتاب الفتن في أحاديث كثيرة». جزاه الله خير، له كتاب فيما يظهر من كلامه اسمه كتاب الفتن. وهذه عادة عند أهل العلم: إذا استوعب ذكر أدلة مسألة ما في كتاب مستقل، لم ينشط إذا ذكرها في كتاب آخر أن يستوفيها؛ فإنه قد استوفاها في مجلد مثلاً، فيكسل نوعاً ما. هذا أيضاً يحصل لأهل العلم، فتجده يختصر على بعض الأحاديث، ويحيل إلى كتابه. ولا أظن كتابه هذا مطبوعاً، ما علمته مطبوعاً، كتاب الفتن للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري، ما أظنه مطبوعاً، ونسأل الله أن يسر بإخراجه من كنائز ودفائن المخطوطات. قال محمد بن الحسين: قال محمد بن الحسين رحمه الله: «قد ذكرت في هذا الباب في كتاب الفتن في أحاديث كثيرة، وقد ذكرتها هنا طرفاً منها، ليكون المؤمن العاقل... طرفاً منها، ليكون المؤمن العاقل يحطاط لدينه، فإن الفتن على وجوه كثيرة». وهذه مصيبة الفتن: أنها ليست على طريقة واحدة. فإذا وجدت فتنة فيها غلو ظهرت بجانبها فتنة فيها تميع وإفراط وتساهل. وإذا وجدت فتنة فيها شدة جاءت فتنة أخرى فيها ليونة. وهكذا تتقلب الفتن. فنسأل الله أن ينجينا جميعاً من شرور الفتن. قال رحمه الله تعالى: «ليكون المؤمن العاقل يحطاط لدينه، فإن الفتن على وجوه كثيرة». قد مضى منها فتن عظيمة، كمثل الذي جرى بين الصحابة رضي الله عنهم بسبب الخوارج، فتنة عظيمة، كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم. قد مضى منها فتن عظيمة، نجى منها أقوام، وهلك فيها أقوام، والنجاة والهلكة لها أسباب: فمن سلك أسباب النجاة نجا، ومن سلك أسباب الهلاك، عياذاً بالله، هلك. نسأل الله اللطف والسلام. قال رحمه الله تعالى: «فإن الفتن على وجوه كثيرة»، أي مختلفة الألوان والأشكال، وتعددت الأضرب. قد مضى منها فتن عظيمة، نجى منها أقوام، وهلك فيها أقوام، باتباعهم الهوى وإيثارهم الدنيا. هذه مصيدة: أن يكون المرء يميل مع هواه، إما عصبية للمناطقية والقبائل ونحوها، أو لأجل حطام الدنيا، سواء كان مناصب ورئاسات ورتب، يفكر في نيلها وأخذها، أو في دراهم معدودة ينالها. نسأل الله العافية والسلام. قال رحمه الله تعالى: «وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى وإيثارهم الدنيا». فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الدعاء. هذا من أعظم أسباب النجاة: أن تتضرع إلى الله وتدعوه، وتنطرح على عتبة العبودية، سائلاً ربك النجاة، متبرئاً من الحول والقوة، تعتقد أن الله إن نجاك نجوت، وإن لم ينجك هلكت. فالدعاء باب عظيم، باب عظيم. قال رحمه الله تعالى: «فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم». هذه عبادة عظيمة تسمى عبادة اللجوء، اللجوء إلى الله عز وجل، رجوع إلى الله عز وجل وقت الفتنة، وقت الحاجة، وقت قوة الفتن، ينطرح على عتبة العبودية. قال رحمه الله تعالى: «والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه». اللسان كم يورد الإنسان من أنواع المهالك. في حديث معاذ قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أولا أدلك على ملاك ذلك كله؟» قال: قلت: «بلى يا رسول الله». قال: «املك عليك هذا»، أي لسانك. وأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه. قال معاذ: «أَوَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟» قال صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم، أو قال: على مناخرهم في النار، إلا حصائد ألسنتهم؟» أي: ما تحصده الألسن. شبه اللسان بالمنجل، اللي نحن نسميه عندنا الشريم، يحش، يحش، هنا ومن هنا ومن هنا. أسأل الله العافية. «وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟» أي: ما تحصده هذه اللسان، وما تقطعه هذه اللسان. سبحان الله. قال رحمه الله تعالى: «فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، وأنه زمان فتن، زمان فتن عظيم، وعرف زمانه، ولزم المحجة الواضحة، السواد الأعظم». أي: لزم السنة، لزم طريقة سلف الأمة، لزم منهج السلف، ولزم المحجة الواضحة. المحجة هي الطريق، والواضحة: أي التي لا لبس فيها ولا إشكال، لا لبس فيها ولا إشكال. هذا يشبه ما لو كان الناس يمشون في طريق، فجاءوا إلى مفرق طريق، له إلى اليمين طريق، وإلى اليسار طريق، وإلى الأمام طريق. فقال بعض الناس: «ما نعدل الطريق إلا إلى جهة اليمين». وقال آخرون: «بل نعدل الطريق إلى جهة اليسار». وقال آخرون: «دعونا نتوقف هاهنا حتى تصعد الشمس، ثم يأتي النهار فنبصر الطريق ونمشي». فالذي يمشي في جهة اليمين يهلك، والذي يمشي في جهة اليسار يهلك، والذي يجلس في موضعه، المحجة الواضحة، باق على طريقته، باق على ما يعرف، باق على آخر ما علمه من الحق، لم يتجاوزه قيد أنملة، جلس مكانه. فلما طلعت الشمس، أو انقشعت الفتن، رأى الطريق واضحاً أمامه. هكذا ينبغي أن يسلك المسلم العاقل في مثل هذه الفتن. «ولزم المحجة الواضحة، السواد الأعظم». السواد الأعظم في زمن السلف الصالح. «ولم يتلون في دينه». تلون في الدين مصيبة: أن يأتي هؤلاء بوجه، ويأتي هؤلاء بوجه، لأجل أن لا يغضب عليه هذا، ولأجل أن لا يغضب عليه هذا، فيكون دينه أهون عليه من دنياه. «ولم يتلون في دينه، وعبد ربه تعالى، فترك الخوض في الفتنة». فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير. كم من الناس كانوا يدعون الورع، فلما جاءت الفتن ظهر أنهم ليسوا أهل ورع. وكم من أناس كانوا يدعون التقوى، فلما جاءت الفتن ظهر أنهم ليسوا من أهل التقوى. وكم من أناس كانوا يدعون العلم، فجاءت الفتن فظهر أنهم من الجهال. نسأل الله العافية والسلامة. فالفتن يفتضح عندها الناس، يفتضح عندها الناس. نسأل الله العافية والسلامة. يفتضح عندها كثير من الدعاة. قدمنا في مجلس في شرح أصول السنة للرازيين: أن كثيراً من الدعاة اليوم يتمنون لو يمحون بدمائهم بعض المقالات التي قالوها في أيام الربيع العربي، وبعض الصوتيات التي لهم، وبعض ما يسمى بالتغريدات، وبعض الكتابات. لو أنه قيل له: ستمحى، لكن نحتاج إلى دمك، ليقال: اسحبوا من دمي هذا وامسحوها، لا أريد أن أراه، لا أريد أن أراه، لفعل، والله، ولم يتردد. فالفتن يفتضح فيها خلق، كما يقول الإمام رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير». ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو محذر أمته الفتنة: «يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً». نسأل الله العافية والسلام. أحوال عجيبة، واضطراب عجيب: صباحه مؤمن، وبعد العصر يكفر، أو بعد العصر مؤمن، وفي الصباح الباكر يكفر، لشدة الفتن. هؤلاء استشرفوا لها، هؤلاء خاضوا فيها، خاضوا فيها. نسأل الله اللطف والسلام. وبه قال: حدثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري، قال: حدثنا محمد بن المصفي، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الوليد بن سليمان بن أبي السائب، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ستكون فتن، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، إلا من أحياه الله بالعلم». والحديث ضعيف، يغني عنه حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وأحاديث صحيحة مرت معنا، كالحديث السابق، وزيادة: «إلا من أحياه الله بالعلم». العلم من أعظم أسباب النجاة من الفتن: أن يكون لك علم، فتنجو من الفتن بما من الله عليك به من العلم النافع. أبو بكرة رضي الله عنه نجا بسبب حديث واحد من أحاديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو حديث: «إذا التقى المسلمان...»، حديث: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». نجاه الله عز وجل بهذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر محمد بن هارون بن المجدر، قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن خراش، قال: حدثنا عمر بن عاصم، قال: حدثنا معتمر، قال: سمعت أبي يحدث عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بادروا بالأعمال فتناً، بادروا بالأعمال، ستكون فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه، يبيع الرجل دينه بعرض من الدنيا». بادروا بالأعمال: أي العبادات. وهذا الشاهد للترجمة في العبادة والحرص عليها. بادروا بالأعمال: أي الطاعات والعبادات ونحوها. ستكون فتن كقطع الليل المظلم: أي لا تكاد تبصر فيها شيئاً، فالزم ما كنت تعرف، ودع ما لا تعرف. يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا. هذا من أعظم أسباب الهلاك: أن تكون دنياه أحب إليه من أخراه. هذه مصيبة. قالوا: به. قال: حدثنا... والدنيا كما قدمنا على نوعين: إما شرف، وإما مال. إما شرف: وهو الرتب والمنازل العالية، هذه فتنة. أو مال. قالوا: به. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا يعقوب بن الوراق، عبد الوهاب الوراق، قال: أخبرنا هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، عن سفيان، يعني الثوري، عن أبي سنان الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي راهب: «يا سعيد، في الفتنة يتبين لك من يعبد الله، ومن يعبد الطاغوت». ما به حكمة قالها هذا الراهب، والراهب: أي عابد من عباد النصارى. وأحياناً الحكمة ينطق الله بها بعض الكفار، ينطقهم الله بالحكمة. قال: «يا سعيد، عن ابن جبير، في الفتنة يتبين لك من يعبد الله، ومن يعبد الطاغوت». والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]، فجعل هواه إلهاً، وجعل الله الهوى إلهاً من دون الله عز وجل، سماه إلهاً. فكل من اتبع هواه فقد جعل... فقد أصابه نصيب من الشرك بالله عز وجل. لهذه الآية. قال الإمام الآجري رحمه الله: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا محمد بن سليمان لوين، قال: حدثنا محمد بن سليمان لوين، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب بن زياد، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «العبادة في الهرج كالهجرة إليَّ». حديث في صحيح مسلم. قلنا: ما السبب في كون العبادة في الهرج... ما هو الهرج؟ ما هو الهرج؟ الهرج: اختلاط الأمور واشتدادها. فسر الهرج أيضاً في بعض الأحاديث بالقتل. «الهرج، الهرج». قال: «وما الهرج يا رسول الله؟» قال: «القتل، القتل». فالهرج هو شدة الفتن واختلاط الأمور، اختلاطها، هذا أصل معنى الهرج. ولماذا كانت العبادة أيام الهرج والفتن كالهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن الفتن تجلب الغفلة، فتجعل القلوب غافلة مشغولة. كان إذا جلس يذكر الله، فالفتن يجلس ينسى ذكر الله. كان يمشي في الطريق يذكر الله، في الفتن ينسى أن يذكر الله وهو يمشي. سبحان الله. وهكذا كان يقوم الليل، كان يصوم النهار، كان يقرأ القرآن، كان... كان كل ذلك ربما تركه أو تكاسل عنه. العبادة في الهرج كهجرة إليَّ. في هذا المعنى أيضاً حديث في سنن أبي داود عن أبي ثعلبة الخشني، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «ستكون فتن، القابض فيها... إن دونكم أيام الهرج، القابض فيهن على دينه كالقابض على الجمر، للعابد فيهن أجر خمسين». قالوا: «يا رسول الله، أجر خمسين منهم أو منا؟» قال: «بل أجر خمسين منكم». هذا حديث أبي ثعلبة الخشني. ابن القيم يقول في نونيته: «وللمتمسكين بسنة المختار عند فساد ذي الأزمان أجر عظيم،