شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 5

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر والصبر على جورهم

يؤكد وجوب طاعة ولاة الأمر والصبر على ظلمهم، مستدلاً بقصة الحسن البصري وبني إسرائيل، وينهي عن الخروج عليهم بالسيف أو المظاهرات. ويشير إلى حديث أم سلمة بأن الإنكار يكون بالقلب عند رؤية المنكر من الأمراء.

السمع والطاعة للأمراء وإن جاروا وحدود الطاعة

يجمع أحاديث وآثاراً تؤكد وجوب طاعة الولاة وإن ظلموا ما داموا يقيمون الصلاة، مع النهي عن قتالهم. ويبين أن الطاعة مشروطة بعدم معصية الله، فإذا أمر بمعصية قيل: دمي دون ديني.

سماع الحديث في المسجد الحرام وعلم البلدانيات

يسرد سياق سماع الحديث في المسجد الحرام سنة ٢٩٩ هـ، ويشرح علم البلدانيات في تدوين المحدثين لسماعاتهم. ويروي حديث عوف بن مالك عن خيار الأئمة وشرارهم والنهي عن منابذتهم ما أقاموا الصلاة، مع بيان تحري الرواة كحلف رزيق.

دعاء للأئمة وللعمل بالكتاب والسنة وإطفاء الفتن

يدعو الله أن يرحم الأئمة ويجزيهم خيراً، وأن ينفع المسلمين بكتبهم ويعين على فهمها والعمل بها. ويطلب توفيق ولاة الأمور لتطبيق القرآن والسنة، وإطفاء نيران الفتن وإهلاك من في هلاكهم نصرة للإسلام.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال رحمه الله تعالى: قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري البغدادي المكي، عالم الحرم، رحمه الله، أحد أئمة زمانه، في كتابه النافع "الشريعة": "باب في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين والصبر عليهم وإن جاروا، وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة". وهذا باب مناسب ذكره بعد ذكر أمر الخوارج، بعد ذكر أمر الخوارج، وذكر وصف الخوارج، وذكر ما عليه الخوارج، كان هذا مناسباً جداً لمثل هذا الكتاب. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن البختري الحنائي، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب - أو حساب -، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عمر بن يزيد صاحب الطعام، قال: سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلبي، قال: وأتاه رهط فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط. ثم تلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وهذا من الآثار العظيمة في أمر الخروج والقتال في الفتن، القتال في الفتن التي تكون على السلطة. فالحسن رحمه الله قال ذلك في أيام يزيد بن المهلب، وكان والياً لبني أمية، وكان قد خرج عليه من خرج، وحصلت الفتنة العظيمة الكبيرة في الأمة، حصلت تلك الفتنة في ذلك - فتنة ابن الأشعث وما قبلها. قال رحمه الله تعالى: قال: "وأتاه رهط". وهذا فيه الرجوع إلى العلماء، فإنهم سبب لزوال الفتن وللنجاة منها. هؤلاء رهط، يعني جماعة دون التسعة أو السبعة، جاءوا إلى الحسن البصري يسألونه: هل يقاتلون يزيد بن المهلب؟ وهل يقاتلونهم؟ وهل كذا؟ هل يشاركون في هذه الفتنة؟ وهذا فيه الرجوع إلى أهل العلم. كثير من من يهلك لا يرجع إلى أهل العلم، إنما يأخذ منها هنا أو هناك. قال: "فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم". إلا لأجل صلاة الجماعة، فإن كان الخروج لصلاة الجماعة فيه سفك للدماء أو إعانة على الفتن، جاز لهم البقاء والصلاة في بيوتهم، لأن السلامة من الفتن أمر واجب عظيم. قال رحمه الله: فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: "والله" - يحلف الحسن وهو الصادق، الحسن البصري، سيد التابعي، رحمه الله -: "والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا"، أي لم يخرجوا، لا في مظاهرات، ولا في اعتصامات، ولا في خروج بالسيف، ولا بالكلام. لو أن الناس إذا ابتلوا... والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم. بالصبر يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف، يريدون تغيير هذه الحكومة: "تسقط الحكومة"، "يسقط كذا"، "ويسقط كذا"، فيوكلون... فيفزعون إلى السيف فيوكلون إليه. يقول الحسن: "والله ما جاءوا بيوم خير قط". هكذا يحنف الحسن رحمه الله: "والله ما جاءوا بيوم خير قط". سبحان الله، هذا نراه عياناً، ويقول ابن تيمية: "كل من استقرأ الفتن أدرك ذلك، ما يأتون بيوم واحد يكونوا خيراً من أيام ما قبل الفتن". "والله ما جاءوا بيوم خير قط" أن ينالون الكرب والعظائم والشدائد والمحن والسجون وسفك الدماء والبلاء، قطع الأرزاق والأسعار، عدم الأمن والأمان، وأمور وأمور، نسأل الله العافية والسلام. قال: "والله ما جاءوا... والله ما جاءوا بيوم خير قط". ثم تلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. تقدم الكلام على وجه الاستدلال، الاستدلال الإمام الجليل، سيد التابعين، الحسن البصري، بهذه الآية. تقدم الاستدلال وبيانه في "وصول السنة للرازيين" - ولا بأس من ذكره مختصراً -: فإن فرعون كما قال الله فيه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. ووصفه الله بالفساد، فهو مفسد عظيم، فساده عظيم، حتى إن من أعظم فساده... حتى إن أعظم فساده نطقه بالكلمة الشنعاء وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾. هذه الكلمة كلمة عظيمة، ادعى الإلهية، نسأل الله العافية، ادعى الربوبية: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾. جاء بنو إسرائيل إلى موسى شاكين باكين، يطلبون منه أن يأمرهم بأمر في أمر فرعون، فقال لهم موسى: قال موسى لقومه: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، إلى أن قال الله عز وجل: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾. هذا الأمر عبارة عن كلمتين: "استعينوا بالله واصبروا". قال موسى لقومه: الاستعانة بالله هو النجاء إلى الله عز وجل بالتوبة والاستغفار، وحسن اللجوء إلى الله عز وجل، وطلب العون منه. "استعينوا بالله واصبروا"، هذا الأمر الثاني: طلب منهم الصبر على هذا الطاغية الذي هو أكفر أهل الأرض، فرعون، الذي ادعى أنه الرب وأنه الإله. هل بعد هذا الكفر من كفر؟ نسأل الله العافية والسلامة. ومع هذا يقول موسى لقومه: "استعينوا بالله واصبروا". وصبر بنو إسرائيل واستعانوا بالله، قال الله بعدها: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾. هذه جملة تعليلية، الباء تفيد السببية، أي بسبب صبرهم. "بما" موصولة، الباء سببية، و"ما" موصولة، وما بعدها صلتها، والجملة معلة بمصدر، أي بسبب صبرهم. "بما صبروا"، أي بسبب صبرهم، هذا مصدر: "بما صبروا". فلم يكن نجاة بني إسرائيل... بني إسرائيل، ولا ما منى الله به عليهم، للخروج بالسوء، لا، وإنما كان لأجل... لأجل الصبر. قال تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾. قال الحسن: "والله ما جاءوا بيوم خير قط"، ثم تلا: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾. فهم صبروا، لأجل صبرهم نجاهم الله، ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أي يبنون من المساكن والمصانع ونحوها. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن هشام، قال: حدثنا الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم». أي بقلبه. من أنكر بلسانه واستطاع أن ينكر عند الوالي فقد برئ، ومن كره أي بقلبه، كره بقلبه فقد سلم، ولكن من رضيه وتابع. قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا». وبه قال: حدثنا... وقال: حدثنا أيضاً أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا هدبة بن خالد، قال: حدثنا همام، قال: حدثنا قتادة، عن الحسن، عن ضبة بن محصن، عن أم سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون، فمن عرف فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع». قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلوا». وبه قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني أبو التياح، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم حبشي كأن رأسه زبيبة». وهذا في صحيح البخاري ومسلم، كما في الهامش. وبه قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني عبادة بن الوليد، قال: أخبرني أبي، عن جده، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم... قال: بايعنا رسول الله... على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول... وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. وبه قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أن الوليد بن عبادة قال: أخبرني أبي، قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، فذكر مثله. وبه قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين، قال: حدثنا محمد بن بكار، قال: حدثنا فرج بن فضالة، عن لقمان بن عامر، عن أبي أمامة الباهلي، قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اسمعوا لهم وأطيعوا في عسركم ويسركم، ومنشطكم ومكرهكم، وأثرة عليكم، ولا تنازعوا الأمر أهله، وإن كان لكم درق». يقول: هذا كله غريب، كما في الهامش. وقال: وأخبرنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: سأل يزيد بن سلمة الجعفي... سأل يزيد بن سلمة الجعفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أرأيت إن قامت علينا أمراء فسألونا حقهم ومنعونا حقنا، فما تأمرنا؟» فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم، فأعرض عنه، ثم سأله الثانية أو الثالثة، فجبذه الأشعث بن قيس، وقال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم». وبه قال: حدثنا أبو شعيب... عبد الله بن الحسن الحراني، وقال: حدثني جدي، قال: حدثنا موسى بن أعين، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويذ بن غفلة، قال: لي عمر بن الخطاب: «لعلك أن تخلف بعدي». سويذ بن غفلة مخضرم، كان عمر يجله ويكنيه أبا مية، وكان في سن عمر رضي الله عنه أو قريباً منه. «لعلك أن تخلف بعدي، فأطع الإمام، وإن كان عبداً حبشياً، والعرب تأبى ذلك في نفسها أن يتأمر عليها من تراه أنقص منها، هذا من طبيعتهم، وكذلك من طبيعة غيرهم من العجم. وإن ضربك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن دعاك إلى أمر منقصة في دنياك فقل: سمعاً وطاعة، دمي دون ديني». هذا أثر عن عمر رضي الله عنه، يقول المحقق: سنده صحيح. وقال: وأخبرنا أبو زكريا يحيى محمد الحنائي، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا ليث، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة، قال: قال لي عمر: «لا أدري، لعلك أن تخلف بعدي، فأطع الإمام، وإن أمر عليك عبد حبشي مجدع، فإن ظلمك فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن دعاك إلى أمر ينقصك في دنياك فقل: سمعاً وطاعة، دمي دون ديني». قال محمد بن الحسين: «فإن قال قائل: أي شن الذي يحتمل عندك قول عمر رضي الله عنه فيما قال؟» أي شن هذه الجملة، هذه اللفظة مركبة من كلمتين، أصلها "أي شيء"، والعرب تنحت الكلام، هذا يسمونه النحت، تنحت الكلام على وجه الاختصار. إذا قال القائل: "بسم الله الرحمن الرحيم"، قالوا: "بسملة". إذا قال: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، قالوا: "حوقلة". وهكذا، هذا يسمونه النحت، يوجد في لغة العرب، يوجد في لغة العرب اختصار، فتقرأها فتقول: "أي شن". عندنا العوام يقولون: "أيش"، وهذا لحن، صواباً يقال: "أي شن". أي شن، أصل الكلام: "أي شيء". قال: "أي شن الذي يحتمل عندك قول عمر رضي الله عنه فيما قال؟" هذا سؤال مهم، يعني: ما تفسيرك للكلام "دمي دون ديني"؟ ما تفسيرك؟ قيل: أنه يحتمل، والله أعلم، أن نقول: من أمر عليك من عربي أو غيره، أسود أو أبيض، أو أعجمي، فأطعه فيما ليس لله فيه معصية. وإن حرمك حقاً لك، أو ضربك ظلماً لك، أو انتهك عرضك، أو أخذ مالك، فلا يحملك ذلك على أن تخرج عليه بسيفك حتى تقاتله، ولا تخرج مع خارجي يقاتله. قد تجد الخوارج يقاتلون وأنت ظلمت، هل تخرج معهم؟ لا تخرج مع خارجي يقاتله، ولا تحرض غيرك على الخروج عليه، حتى التحريض لا تحرض، ولكن اصبر عليه. وقد يحتمل أن يدعوك إلى منقصة في دينك من غير هذه الجهة، يحتمل أن يأمرك بقتل من لا يستحق القتل، أو بقطع عضو من لا يستحق ذلك، أو بضرب من لا يحل ضربه، أو بأخذ مال من لا يستحق أن تأخذ ماله، أو بظلم من لا يحل له ولا لك ظلمه، فلا يسعك أن تطيعه. فإن قال لك: "لئن لم تفعل ما آمرك به وإلا قتلتك أو ضربتك"، فقل: "دمي دون ديني، دمي دون ديني". لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» عز وجل، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الطاعة في المعروف». هذا تفسير عظيم من تفسير السلف لكلام الأئمة، جمع المسألة فأوعاها، وأحسن في ذكرها ووفاها، رحمه الله تعالى. قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن خالد البردعي في المسجد الحرام، سنة تسع وتسعين ومائتين. توفيه سنة كم؟ الآجري توفي سنة كم؟ ثلاثمائة وستين. وهذا الحديث سمعه في المسجد الحرام، تاريخ سماعه سنة تسع وتسعين ومائتين، أي قبل وفاته بكم؟ عندك يا أبا حمزة؟ بواحد وستين سنة، بواحد وستين سنة. هذه عادة المحدثين، يؤرخون، يكتبون السماعات، سمعت كذا في بلد كذا، حتى ظهر عندنا علم يسمونه علم البلدانيات، أو البلدانيات، كتب البلدانيات، يكتب المحدث كل حديث سمعه في بلده، فيكتب: حديث في بلاد صنعاء، يكتب حديث سمعه في بلاد مكة، يكتب حديث... يسمونها البلدانيات، فن من فنون الحديث. يعني: أنا سمعت هذا الحديث في بلاد كذا، سمعت هذا الحديث في بلاد كذا، وقرأت كذا في كتاب كذا في بلاد كذا. سبحان الله، هذا يدل على الرحلة. وهو عراقي، وهو بغدادي، لكنه استوطن مكة. قلنا: دعا الله في أول... واحد قرأ: "عجبته مكة، قال: اللهم أبطني فيها سنة، سنة واحدة، يريد طلب العلم ويجلس في مكة، اللهم أبطني فيها سنة". قال: فسمع هاتفاً يقول: "بل ثلاثين". لعل هذا في رحلته أو إحدى رحلاته، لأن هذا على هذا التاريخ سيكون قبل وفاته بنحو ثلاثين سنة، قبل وفاته بنحو... لأنه توفي بمكة، فعلى هذا سيكون هذا في نحو سنة ثلاثمائة وستين، ثلاثمائة وثلاثين، أو تسعة وعشرين. لعله في طلب العلم كان قبل ذلك، يأتي مكة ويذهب، وكانت عادتهم إذا جاءوا معتمرين أو حجاجاً يحرصون على طلب العلم، فيسأل: من من المشايخ وصل؟ من من العلماء وصل؟ قالوا: وصل الشيخ فلان، والشيخ فلان، والشيخ فلان، فهو في حجه وعمرته يدون على المشايخ، يأتي عند هذا ويتلطف به ويسمع منه، ثم يكتب في دفتره، ويمر على هذا ويسمع ويكتب، ويمر على هذا ويسمع ويكتب، فيخرج من الحج والعمرة بفرائد يراها من أنفس النفائس، أغلى من الذهب، وأغلى من الفضة، وأغلى من الدنيا بأسرها إذا ملكه. هكذا حاله، فهذا في رحلته في طلب العلم، ليس في... يعني استيطانه مكة. قال: حدثني أبو جعفر أحمد بن خالد البردعي في المسجد الحرام، سنة تسع وتسعين ومائتين، قال: حدثنا علي بن سهل الرملي، قال: حدثنا الوليد المسلم، الرملي فلسطيني، والوليد المسلم دمشقي، عن أبي جابر، قال: حدثني رزيق مولى بني فزارة، قال: سمعت مسلم بن قارضة الأشجعي، يقول: سمعت عمي عوف بن مالك الأشجعي... هذا يقول: إسناد دمشق، إسناد شام، إسناد شام، أولئك سكنوا الشام واستوطنوها، فهم شاميون. قال: سمعت مسلم بن قارضة الأشجعي، يقول: سمعت عمي عوف بن مالك الأشجعي، يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما يقول خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم». تصلون: أي تدعون لهم، تدعون لهم. تقول البنت: تقول بنتي، وقد قربت مرتحلاً: "يا رب جنب أبي الأوصاب والوجع"، عليك مثل الذي صليتي، أي دعوت، فاغتمضي نوماً، فإن لجنب المرء متجع. «تصلون عليهم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم على ذلك؟ قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة». لا ما أقاموا فيكم الصلاة. المشايخ يقولون في مثل هذا الحديث: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة"، احتملوا معنيين: إما أنهم صلوا وكانوا من المصلين، أو تركوكم تصلون في المساجد، كل ذلك محتمل. «لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليكم... ألا من ولي عليكم منهم فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فلينكر ما يأتي به من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة الله عز وجل». قلت لرزيق: آه الله. قلت لرزيق: آه الله، يا أبا المقدام، لسمعت مسلم بن قارضة يقول: سمعت عمي عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أخبرت به عنه؟ قال ابن جابر: فجثا رزيق على ركبتيه، وهذا فيه تعظيم الموقف، تعظيم الأمر، فهو جثى على ركبتيه، أي لعظم هذه القضية، لعظم هذه القضية التي يذكر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي يكذب عليه. قال: فجثى على ركبتيه واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه. قال ابن جابر: ولم أستحلفه اتهاماً له، ولكني استحلفته استيثاقاً. طالب العلم قد يحتاج أن يستثبت العالم في مسألة، في قول، لعله وهم، لعله لم ينتبه، لعله سهى، لعله غفلة، لا كمن يجلسون عند بعض المشايخ فيحبون لهم بعض الأخبار، فإذا أخرج العالم كلمة كتبوها على الواتس، وقال: الشيخ فلان في الجلسة الفلانية كذا وكذا وكذا، ثم يقال: أتأذن يا فلان بنشره؟ الذي نقلها فيقول: نعم، أذنت لكم بنشرها. هذه مصيبة كبيرة. العالم قد يسهو، العالم قد ينسى، العالم قد يغفل، العالم إذا ذكر قد يرجع للكلمة. العالم بشر، قد يغضب ويسب، قد يخطئ في التعبير، فينبغي إعادة الكلام: "يا شيخ، قلت كذا وكذا، أتعني ما تقول؟" يكرر له الكلام. أما مثل ذاك الذي جمع اللقطة بكل ساقطة، اللقطة، ثم العجيب أن يستأذن الناقل للقائل، هذا أيضاً مما يدل على طيشان العقول في الفتن. هذا ناقل، وهذا قائل، إذا أردت أن تستأذن فليستأذن القائل، وليس الناقل. كيف هذه العقول؟ سبحان الله، نسأل الله العافية والسلام، لكنها الفتن. هذا ينتظر كلمة، يريد أن يخرج الكلمة، فما هو يعني مصدق أن الكلمة خرجت، أخذها، ولسان حاله يقول: "لو تأذن لنا يا شيخ نمشي، جزاك الله خير". ولهذا روجع بعض كبار المشايخ والعلماء: "قلت كذا وكذا"، قال: "والله ما قلت"، قلت: "كذا"، قال: "لا، والله ما قلت"، ثم قال: "وإن كنت قلته فهو خطأ"، لكنهم لا يعلمون، لا يعلمون هذه. فأبو ما... أبو المقدام، الوليد بن مسلم، أو أبو جابر، أو ابن أبي جابر، استحلف، استحلف الراوي: "آه الله"، يحلف: "آه الله، يا أبا المقدام، لسمعت مسلم بن قارضة يقول: سمعت عمي عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أخبرت به عنه"، أي: احلف لي. قال: فجثى رزيق على ركبتيه واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته، أي: والله، يؤكد اليمين: "لسمعت مسلم بن قارضة يقول: سمعت عمي عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول". وجثى على ركبتيه واستقبل القبلة، تعظيماً لليمين، تعظيماً لليمين، واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه. قال ابن جابر: "ولم أستحلفه اتهاماً، ولم أستحلفه اتهاماً له، ولكن استحلفته استيثاقاً"، أي لعظيم هذه المسألة الجليلة. فنسأل الله عز وجل أن يرحم هؤلاء الأئمة، ويجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء، أن ينفعنا بهذه الكتب، ويعيننا على فهمها وتدبرها وقراءتها، والعمل بما فيها، وأن يوفق المسلمين وولاة الأمور في بلاد المسلمين إلى العمل بكتابه، والعمل بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يطفئ نيران الفتن، ويهلك من في هلاكه نصرة للإسلام والمسلمين، إنه جواد كريم. صلى الله عليه وسلم، وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.