الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 30، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع معنى الغدر كنقض للعهد ويؤكد تحريمه في الإسلام مستشهداً بآيات الوفاء بالعهد. كما يذكر حديثاً نبوياً يبين أربع خصال المنافق ويفرق بين النفاق العملي والاعتقادي.
يستعرض المقطع أحاديث تبين أن للغادر لواء يوم القيامة يفضحه، وأن أعظم الغدر غدر الأمراء. ثم يعرّف الحديث القدسي ويميزه عن الحديث النبوي من حيث اللفظ والمعنى.
يذكر المقطع حديثاً قدسياً عن ثلاثة أصناف يخاصمهم الله: الغادر بالعهد، وبائع الحر آكل ثمنه، ومانع أجر الأجير. ويحذر من خطورة هذه الأفعال مستشهداً بوعد النبي بإعطاء الأجير حقه قبل جفاف عرقه.
يختتم المتحدث المجلس بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين. ويدعو للحضور بالجزاء الحسن والبركة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأئمة المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: «باب تحريم الغدر». قال: وهو نقض العهد والميثاق، هكذا ذكر رحمه الله تعالى. والغدر يعتبر خصلة ذميمة، وصفة قبيحة، لا يجوز للمسلم أن يتصف بها، أو أن يكون من أهلها. والغدر مذموم في الإسلام، وهكذا أيضًا في جميع الشرائع، وهكذا تأباه العقول السليمة، والفطر الصحيحة كلها تأنف أن تقع في هذا الخلق الذميم، وفي هذا الوصف القبيح. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب مجموعة من الآيات القرآنية، وهكذا الأحاديث النبوية. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: مضى تفسيرها في باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد. ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وهذا يشمل جميع ما يتعاقد عليه الناس، سواء كان في باب المعاملات، أو كذلك أيضًا في باب النكاح، أو غيرها من الأبواب. قال رحمه الله تعالى: وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. قال: مضى تفسيرها في باب حفظ السر. ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، الوفاء من شيم الكرام، ومن أخلاق أهل الإسلام، ودعا إليها ديننا، وهكذا جاءت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الأمر بالوفاء. وكانت العرب قديمًا، وحديثًا، تجلّ أهل الوفاء، وصارت بأخبار الأوفياء الركبان، وهكذا تناقل أخبارهم الناس في جميع الأزمان. هنا ربنا عز وجل يقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. ذكر القاسم في محاسن التأويل عند هذه الآية: قال: أي لا تنقضوا العهود الجائزة بينكم وبين من عاهدتموه، فتغدروا وتغدروا بمن أعطيتموه إياها. الغدر يا إخوان، حتى مع الكفار لا يجوز، وإنما الواجب على أهل الإسلام أن يتعاملوا بخلقي الوفاء. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع، أي خصال، وخلال، وصفات، صفات: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها». وهذا النفاق يسميه العلماء بالنفاق العملي، وهو لا يخرج صاحبه عن ملة الإسلام، وإنما صاحبه عاصٍ، مسلم عاصٍ، غير أن هذا النفاق العملي يجر ويوصل صاحبه إلى النفاق الاعتقادي، والنفاق الاعتقادي الذي هو إظهار الإسلام وإبطان الكفر، هذا صاحبه خارج عن ملة الإسلام. وكما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾. والمنافق الاعتقادي ماذا يسمى؟ مرّ معنا قريبًا: المنافق الاعتقادي ماذا يسمى؟ نعم، يسمى زنديقًا. فإذا سمعت كلمة زنديق، ولا سيما في كتب الاعتقاد، فإنهم يعنون بها المنافق نفاقًا اعتقاديًا. قال: «حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر». وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب: إذا عاهد غيره لم يفي، وإنما يغدر. «وإذا خاصم فجر». قال: متفق عليه. مضى توثيقه وشرحه في باب الوفاء بالعهد وإنجاز الوعد. قال: وقال: وعن ابن مسعود رضي الله... قال: وعن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس رضي الله عنهم، قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكل غادر لواء يوم القيامة». لكل غادر لواء، واللواء إخوان هي الراية، هي الراية العظيمة التي يمسكها صاحب الجيش. والنبي صلى الله عليه وسلم خاطب الناس بما تعرفه العرب، بنحو ما كانت تفعل؛ لأنهم كانوا يرفعون للوفاء راية بيضاء، ويرفعون للغدر راية سوداء، لماذا؟ لكي يمدح الوفي، وهكذا يذم الغادر. قال: «لكل غادر لواء عند استه»، والاست هو الدبر، يعني في مؤخرته. هذه راية، تخيل يمشي بين أهل الموقف وهو يحمل هذه الفضيحة، ويحمل هذا العار خلفه، يراه كل ذي عينين. «عند استه يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، كلما كان الغدر أعظم، كلما كانت الراية أظهر، وهكذا أعلى». قال: «ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة، من أمير عامة». قال: رواه مسلم. رواه مسلم. وهذا يا إخوان فيه التحذير من الغدر، وبيان عظيم الجرم الذي يقع فيه الغادر، وسواء كان الغدر فيما يتعلق بالولايات الخاصة كرب بيت، أو صاحب عمل، أو كان الغدر أعظم كغدر الأمراء، وغدر الحكام، فإنه يكون أعظم. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة». الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى»، أو يقول الصحابي فيما يرويه عن ربه عز وجل، ماذا يسمى؟ ماذا يسمى؟ نعم، عندك يا أبا سامة، ماذا يسمى؟ يسمى حديثًا... الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى»، أو يقول الصحابي فيما يرويه عن ربه عز وجل، ماذا يسمى؟ نعم، ماذا يسمى؟ أحسنت. نعم، أين أبا هريرة؟ نعم، عندك أبا هريرة: حديث قدسي. طيب، ما هو الفارق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؟ نعم، يا بلال، عندك؟ ما هو الفارق بين الحديث القدسي والحديث النبوي؟ نعم، يا أبا معاوية، عندك: الحديث القدسي والحديث النبوي... الحديث النبوي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. طيب، والقدسي؟ يعني الحديث النبوي لفظه ومعناه من النبي صلى الله عليه وسلم، والقدسي لفظه... لفظه ممن؟ من النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه من الله عز وجل. أحسنت. أخذ عليه كثير من أهل العلم، ومنهم من يقول: إن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله عز وجل، ويفرقون بينه وبين القرآن، أن القرآن متعبد بتلاوته، وهكذا معجز بألفاظه، على قول من يقول... آه، ماذا؟ أن الحديث القدسي لفظه ومعناه من الله تبارك وتعالى. قال: قال الله تعالى: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، أنا خصمهم يوم القيامة». وهذا يا إخوان يدل على خطورة هذه الأمور الثلاثة، ويستدعي أن يكون المسلم بعيدًا عن هؤلاء الأصناف الثلاثة. قال: «رجل أعطى بي ثم غدر». وهذا هو الشاهد يا إخوان: رجل أعطى بي، أي عهدًا، ثم غدر بذلك الذي أعطاه العهد. وهذا يا إخوان يقع فيه لربما بعض الآباء، يحاول أن يمسك ابنه، ما يستطيع، ما يستطيع، يهرب الابن، يقول: تعال، خلاص يا ابني، ما سأكلمك. قالوا: حقًا ما ستكلمني؟ قال: لا، ولا تضربني. قال: لا. قال: قل: والله. قال: والله ما سأضربك. أعفاه عهدًا بالله عز وجل، فلما اقترب المسكين، ماذا؟ ألقى القبض عليه وأوجعه ضربًا. أعطى بي ثم غدر. وهكذا قل فيما يتعلق بدماء التي تسفك، يعطي الشخص الأمان، فلما يتمكن منه يسفك دمه. أعطى بي ثم غدر. «ورجل باع حرًا فأكل ثمنه». وهذا كانوا يفعلونه في العهود الماضية، يأخذون الأحرار ويلقون بهم في أسواق الرقيق، وبيع العبيد، ويباع وهو حر. وكم يا إخوان دخل في باب الرق من الأشراف والأسياد والأحرار بسبب هذا الظلم وهذا العدوان. باع حرًا فأكل ثمنه. وهكذا فعل بنبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾. «ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعطه أجره». قال: رواه البخاري. استأجر أجيرًا، قبل أن يقوم الأجير بالعمل يحاول يرغبه ويمنيه: اشتغل، وما سأقصر معك، ستأخذ حقك وافيًا في الشهر كذا، أو على هذا العمل كذا وكذا. فلما يكمل العامل المسكين عمله، هنا تأتي لربما المراغلات، وتأتي كما يقال المشاطرة، يقول له: هذا عملك، تريد عشر آلاف؟ خذها، وإلا المكان الذي تريده، اذهب. يا لله يا إخوان، المسكين هذا له الله عز وجل، هو الذي يدافع عنه، وهو الذي يأخذ له حقه، لكن ليس في الدنيا ريالًا أو دينارًا أو درهمًا، وإنما يكون ذلك في يوم القيامة: حسنات وسيئات، حسنات وسيئات. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: كما في حديث ابن عمر، وحسنه الألباني رحمه الله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». وإلا إذا ظلمت الأجير المسكين التعبان، فربنا عز وجل هو الذي يخاصم عنه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. طيب، نكتفي بهذا، ونسأل المولى عز وجل أن يرزقنا أخلاقًا حسنة، وإيمانًا صادقًا، ويقينًا ثابتًا، وأن يجنبنا سيئ الأخلاق، لا يجنب سيئها إلا هو. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. وجزاكم الله خيرًا، وبارك الله في الجميع.