كتاب الأمور المنهي عنها 28

كتاب الأمور المنهي عنها 28

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 28، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

تحريم الطعن في الأنساب الثابتة وأحكامه

يحرم الإسلام الطعن في الأنساب الثابتة شرعًا لأن الناس مؤتمنون عليها ولا يُكذبون إلا ببينة، وصور الطعن تشمل نفي النسب إلى الأب أو القبيلة والسب والتنقص بالآباء. استدل المحاضر على ذلك بآية الأذى والأحاديث النبوية الناهية عن خصال الجاهلية كالفخر بالأنساب والطعن فيها.

الطعن في النسب والنياحة من خصال الكفر الأصغر

يُعد الطعن في النسب والنياحة على الميت من خصال الكفر الأصغر التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، والنياحة تشمل رفع الصوت وضرب الخدود وشق الجيوب. كما يشمل الطعن في النسب الانتساب لغير الأب لغرض دنيوي، مؤكدًا وجوب حفظ الأنساب وصلة الأرحام.

أهمية معرفة الأنساب وصلة الأرحام في الشرع

معرفة الأنساب تُعد سببًا رئيسيًا لصلة الرحم التي تجلب البركة في الرزق وتمدد في العمر، وقد رد العلماء على من قلل من شأنها بأحاديث التكفير للمتبرئ من نسبه. ينبغي تعليم الأبناء الأنساب لغرض الصلة لا الفخر، محذرين من خصال الجاهلية الباقية كالفخر بالأنساب والطعن فيها.

الختام بالدعاء والثناء على الله

ختم المحاضر حديثه بالدعاء للحضور بالتوفيق والرضا والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مختتمًا بالحمد لله رب العالمين ومؤكدًا أن العلم كله لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى: «باب تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع». تحريم الطعن في الأنساب الثابتة في ظاهر الشرع. وهذا الباب يا إخوان يعتبر بابًا عظيمًا، أن الشخص لا يطعن في أنساب الآخرين التي هي أنساب ثابتة. وينبغي أن نعلم أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، الناس مؤتمنون على أنسابهم. فمن ادعى أنه من قبيلة كذا، ونسبه يصل إلى كذا، الأصل أنه مؤتمن في ذلك، ولا يجوز أن يطعن فيه إلا بدليل صحيح يجيز لنا الطعن في ذلك. والطعن في الأنساب يشمل أمورًا منها: نفي نسبة الرجل إلى أبيه أو إلى قبيلته، يقال: فلان ليس ابن فلان، هذا طعن في النسب. أو يقال: فلان ليس من القبيلة الفلانية، هذا يعتبر طعنًا في النسب. كذلك أيضًا من الطعن في الأنساب ما يكون من الشتم للآباء، وهكذا التنقص للعوائل والقبائل، وذكر معايبهم، كل ذلك يعتبر من الطعن في الأنساب. وقد ذكر العلامة العثيمين رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، ذكر رحمه الله تعالى أن الطعن في النسب معناه التعيير، معناه التعيير بالنسب، أو أن ينفي نسبه. قال: فمثلا يقول في التعيير: أنت من القبيلة الفلانية التي لا تدفع العدو ولا تحمي الفقير، ويذكر فيها معايب. قال: أو مثلا يقول: أنت تدعي أنك من آل فلان ولست منهم. كل ذلك يا إخوان يعتبر من ماذا؟ من التعيير، وهكذا يعتبر طعنًا في الأنساب. وكما سيأتي معنا إن شاء الله عز وجل أن ديننا ينهى عن هذه الخصلة التي هي من خصال الجاهلية. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال: مضى تفسيرها في باب تحريم سب المسلم بغير حق. وصور الأذية التي قد يؤذي بها الأخ أخاه كثيرة يا إخوان، بحر كما يقال لا ساحل له. ومن ذلك ما مضى معنا، وهكذا أيضًا يدخل فيه حديثنا في هذا الباب حول الطعن في أنساب الناس وتنقصهم وشتم قبائلهم، وهكذا ما يتعلق بشتم الآباء والأجداد وغير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر». وقوله: «اثنتان» أي: خصلتان وصفتان هما في الناس، وهما تعتبران كفرًا، أي من أعمال الكفار وأخلاق أهل الجاهلية الأولى التي عرفوا بها. والمقصود هنا كفر أصغر، إلا من استحلها مع العلم بالتحريم، فعندها ينتقل إلى الكفر الأكبر. قال: «الطعن في النسب، والنياحة على الميت». قال: رواه مسلم. رواه مسلم. وأما النياحة على الميت فمعروف أنها برفع الصوت بالبكاء على الأموات، على الأموات. وهكذا أيضًا يدخل في هذا ضرب الخدود، وشق الجيوب، وهكذا نتف الشعور، وغير ذلك من الأمور التي عرف بها أهل الجاهلية الأولى، ولا زالت من الأمور التي قد يقع فيها البعض من الناس بعد الإسلام. وهكذا أيضًا ما يتعلق بالطعن في النسب، الطعن في النسب، فلا يجوز ذلك. فالناس كما سبق مؤتمنون على أنسابهم، مؤتمنون على أنسابهم. فكما أنه لا يجوز بل يحرم أن يطعن الشخص في نسب أخيه، كذلك أيضًا لا يجوز للشخص أن ينتسب إلى غير أبيه، ولا يجوز أن ينتسب إلى غير قبيلته. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر من ذلك أيما تحذير. فمن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوما ليس له فيهم نسب، فليتبوأ مقعده من النار». هذا يحصل في بعض الأحيان، ينتسب الشخص إلى عمه لماذا؟ لكي ينال جنسية أو تابعية أو غيرها من المصالح الدنيوية. هذا لا يجوز. إذن لا يجوز الطعن في الأنساب، وشتم الآباء والقبائل، وتعييرهم وعيبهم بما ليس فيهم. وهكذا أيضًا لا يجوز للمسلم أن ينتسب إلى غير أبيه، أو أن ينتسب إلى غير قبيلته، أو أن يتولى غير مواليه. هو من قبيلة كذا، فيأتي وينسب نفسه إلى قبيلة أخرى، هذا يعتبر من كبائر الذنوب التي حرمها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وديننا يا إخوان يدعونا إلى أن نتعرف على أنسابنا. قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم». قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم». قال: «فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في العمر». يعني: صلة الرحم سببها التعرف على الأنساب والعلاقات التي تربط الناس بعضهم ببعض. فإذا حصلت صلة الرحم كان ذلك، أي الصلة، سببًا في قوة الروابط والمحبة بين الأقارب، بين الناس. كذلك مثراة في المال، أي سبب من أسباب البركة في الرزق. كذلك منسأة في العمر، أي يعتبر سببًا في إطالة العمر، سببًا في إطالة العمر. فكل ذلك مما يتعلق به معرفة هذه الأنساب. ورد العلماء على من قلل من أهمية معرفة الأنساب. ومن ذلك ما ذكره الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى حيث قال: «والعمري ما أنصف القائل: إن علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر». الذي يقول: أن تعلم الأنساب ومعرفة الأنساب هذا من العلم الذي لا ينفع، ومن الجهل الذي لا يضر، يقول: هذا ما أنصف، هذا ما أنصف. ثم قال رحمه الله تعالى: «لأنه بين نفعه لما قدمنا ذكره، ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كفر بالله تبرأ من نسب وإن دق، وكفر بالله ادعى إلى نسب لا يعرف». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى. إذن ينبغي على الآباء أن يغرسوا في نفوس الأبناء معرفة الأقارب والأرحام والأنساب، ليس على سبيل التفاخر، وليس على سبيل التعالي على الآخرين: أنا من آل فلان، وأنا قبيلي وأنت لست بقبيلي، هذه نعارات جاهلية. لكن: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم». هذه تربية إسلامية، هذه تربية إسلامية. وماذا يحصل بسبب هذه التربية الإسلامية؟ صلة الرحم، والمحافظة على هذه الأنساب، المحافظة على هذه الأنساب. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن». لاحظوا يقول: «أربع»، أي خصال في أمتي من خصال الجاهلية وأمر الجاهلية لا يتركونهن، أي لا تزال باقية ولو بعد الإسلام. ثم قال: «الفخر في الأحساب». ومعنى الفخر في الأحساب: أي الفخر في الأنساب، والتعالي والتعالي بسبب ذلك. قال: «والطعن في الأنساب». وهذان أمران قد يكونان متلازمين، من افتخر بنسبه سيجعله ذلك ماذا؟ يحاول أن يتنقص غيره ويطعن في نسب غيره. قال: «والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». أي: النياحة على الميت، النياحة على الميت. فهذا من الأمور التي ينبغي أن نتنبه لها، وأن يحرص المسلم على أن يبتعد عما يكون سببًا في ضرره، إما في العاجل وإما في الآجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.