الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 200، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع معجزة انشقاق القمر التي أيد الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ورد فعل المشركين الذين وصفوها بالسحر الزائل رغم علمهم ببطلان قولهم. ويبين معنى "سحر مستمر" و"مزدجر" في سياق إنذار القرآن لهم وزجرهم عن الكفر والعناد.
يشرح المقطع معاني ألفاظ قرآنية في قصص الأنبياء، مثل «الدسر» في سفينة نوح بأنها المسامير المثبتة للألواح، و«محتضر» في قصة ناقة صالح بمعنى حضور الماء في اليوم المخصص لهم. ويوضح «مهطعين» و«النسلان» في قصة قوم لوط بمعنى الإسراع في المشي والجري نحو الضيوف، مع الإشارة إلى عقوبة الكفر والإعراض عن أمر الله.
يشرح المقطع معاني عدد من ألفاظ القرآن الكريم مثل النسلان والخبب والفرق بين الرمل والسعي، ويوضح قصة عقر ناقة ثمود بلفظ التعاطي. ويبين معنى "كهشيم المحتظر" و"زدجر"، ويختم بوصف "الأشر" بأنه الكبر والتجبر مع وعد الله بكشف الكاذب المتكبر يوم القيامة.
يتحدث المقطع عن آية إرسال الناقة كفتنة وابتلاء لقوم صالح، ويشير إلى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالانتظار والصبر على تكذيبهم. ويذكر أن المؤلف اكتفى بذكر بعض المعاني المتعلقة بهذه القصة دون استقصاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: «سورة اقتربت الساعة، وبعضهم سماها القمر، سورة القمر، وهو في المصحف أو أكثر المصاحف سورة القمر». قال: «وقال مجاهد: مستمر أي ذاهب»، في قوله جل وعلا: ﴿سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾، قال مجاهد: أي ذاهب. وهذه السورة بدأت بهذه المعجزة العظيمة التي حصلت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، لما طلب منه المشركون آية، فأراهم انفلاق القمر نصفين، حتى كان نصفه في المشرق ونصفه في المغرب. وهذه آية عظيمة لم يراها الناس من قبل، فقال الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾. المراد بالمستمر: أي ذاهب، أن هذا سحر فقط سيذهب، ومعنى ذاهب: أي أنه باطل، هذا سحر فقط، مع أنهم يعلمون أن هذا ليس بسحر، ولا يستطيع السحرة أن يفعلوا ذلك، لكن العناد هو الذي سيطر عليهم. فهم الذين طلبوا هذه الآية فجاءتهم هذه الآية العظيمة، فانفلق القمر، وقال لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا». وجاء في حديث أنس، وجاء كذلك عن ابن مسعود، لكن أراد العناد، وإلا فانشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين. قال: ﴿وَزْدَجَرٌ﴾ أو قال: ﴿مُّزْدَجَرٌ﴾، ﴿مُّنتَهًى﴾، ﴿وَزْدَجَرٌ﴾، ﴿فَتَطَيَّرُوا﴾، ﴿أَنَا﴾، في قوله جل وعلا: ﴿فَتَطَيَّرُوا أَنَا﴾. بعدما قالوا: سحر مستمر، وقال جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ﴿وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾، ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّنَ الْأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾. عن هذه الأنباء، أي الأخبار التي جاءت عن الله عز وجل وهو القرآن، فجاء في القرآن ما فيه مزدجر لهم، ومتناء ومنتأ، وما ينهاهم عن هذا الكفر والعناد. فجاء هذا القرآن فيه الحلال والحرام، فأحل الله عز وجل لهم أشياء وحرم عليهم أشياء، فقالوا: مجنون. و﴿ازْدَجَرَ﴾، معنى أنه استطار جنونًا، معنى أن جنونه قد بلغ مبلغًا. وهذا كله أيضًا من الإعراض عن الله عز وجل وتكذيب لرسوله، وأيضًا كذلك الصد عن سبيل الله جل وعلا. وقوله جل وعلا: ﴿أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، فالمراد بالدسر: قال: أضلاع السفينة، دسر: معنى المسامير التي تُسَمَّر بها السفينة، فهي مكوة من ألواح ومسامير، ألواحًا ودسرًا، فالدسر هو المسامير التي تثبت الألواح. قال: ﴿لِمَن كَانَ كَفَرَ﴾، يقول: كفر له جزاء من الله، قال: كفر، أي له جزاء من الله، أي كفره جزاء من الله. وقد ظاهر أن بعضهم قرأها بفتح الكاف والفاء: ﴿كَفَرَ﴾، يقولون: كفر لمن كان له كفر، والمهم أنه جزاء من الله عز وجل على إعراضهم أنهم صاروا من الكفر. وقوله: ﴿مُّحْتَضَرٌ﴾، أن يحضرون الماء، يحضرون الماء، أي كما أمره الله عز وجل، أو لما أنزل الله عز وجل عليهم الآية وهي الناقة، قال: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبٌ يَوْمٌ مَّعْلُومٌ﴾. إن جعل الله عز وجل على لسان نبيه صالح أنهم لهم يوم يشربون فيه، ويوم لا دخل لهم فيه، يكون هذا اليوم للناقة: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبٌ يَوْمٌ مَّعْلُومٌ﴾. وأيضًا فهم يحضرون الماء في ذلك اليوم، أي في اليوم الذي لا تأتي فيه الناقة يحضرون الماء، فلذلك قال: ﴿مُّحْتَضَرٌ﴾، أن يحضرون الماء في الوقت الذي ليس فيه وقت الناقة. لكن عتوا عن أمر ربهم وتجاوزوا الحد، وجاءوا في الوقت الذي تكون فيه الناقة لأجل أن يعقروا الناقة، فعقرها أشق القوم. قال: «وقال ابن جبير: مهطعين، أي النسلان، الخبب السراع، أو النسلان». والنسلان هو شدة الجري أو الإسراع في الجري. أنا لما سمعوا بأن لوطًا عليه السلام عنده أضياف، جاءوا مسرعين مهطعين إلى الداع. وأيضًا قوله: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾، أي مسرعين. فقال: النسلان، نسلان: سرعة المشي أو سرعة الجري، ويقال سرعة المشي معناه: أسرع حتى يصير الإنسان كأنه يخب من كثرة المشي. لهذا جاء في الحديث: «عليكم بالنسلان»، لما اشتكى بعض الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام العياء، المرض، الكسل، فقال: «عليكم بالنسلان»، قال: فانتسلنا، فذهب عنا ما كنا نجد. أن انتسل: أي أسرعوا في المشي، ما كان مشيهم بطيئًا، فلما أسرعوا في المشي واعتادوا هذا الأمر تنشطت أجسادهم وذهب ذلك العياء. وهكذا الناس يأتون يوم القيامة مهطعين إلى الداع، أي مسرعين إلى ذلك الصوت الذي أتاهم. قال: ﴿وَالْخُبَّ السِّرَاعِ﴾، الخبب هو الجري، الخبب هو الجري. والنبي صلى الله عليه وسلم جاء أنه يخب في الأشواط الثلاثة الأولى في الحج، والطواف في طواف القدوم، قال: يخب الثلاثة الأشواط الأولى، يخب: معنى يجري، بخلاف السعي، معنى: أقصد في الطواف يرمل، يرمل الأشواط الثلاثة، وفي السعي يخب، معنى: يجري. معنى السعي فيه جري، والطواف في سرعة مشي، الرمل هو سرعة المشي مثل النسلان. قال: «وقال غيره: فتعاطى، فعقر، بيده فعقرها». فتعاطى: أي ضربها، معنى كأنه ناولها يده، فتعاطى بيده، معنى تناول الناقة بيده، فعقرها، كأنه اعترض طريقها بقوة، لما كانت ذاهبة إلى مكان الماء، فاعترضها بقوة ودفعها، فسقطت الناقة، وهذا المراد به العقر. فعقرها، قال: فتعاطى، فعقر، وتناولها بيده. قال: «وقال: وقوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، كحضار من الشجر المحترق». وقال: معنى ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، مثل هشيم الذي احترق، وقيل: كما جاء عن سعيد بن جبير: هو التراب يسقط من الحائط، على كأنه مثل التراب الذي يسقط من الحائط، هكذا أصبح كهشيم المحتضر، معنى: كرماد محترق، كهشيم المحتضر. أن الله عز وجل عاقبهم حتى صار كتهافتون، مثل التراب الذي يخرج من الحائط، من الجدار، أو مثل الرماد الذي يحترق، الذي قد احترق، أو المحترق. ثم قال: ﴿وَزْدَجَرٌ﴾، وهذه قد مرت، معنى: عاد هذه المعاني مرة أخرى. قال: ﴿وَزْدَجَرٌ﴾، افتعل من زجرت، أنهاها، الفعل. وقوله: ﴿كَفَرَ فَعَلْنَا بِهِ وَبِهِم مَّا فَعَلْنَا﴾، جزاء لما صنع بنوح وأصحابه. معنى هذا الجزاء: جزاءهم بسبب الصد عن سبيل الله، أنه صاروا كفر. قال: ﴿مُّسْتَقِرٌّ﴾، أي عذاب حق. وقال: ﴿الْأَشَرُ﴾، أي المرح والتجبر، عن المتكبر: ﴿كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾، أي كذاب متكبر ومتجبر. فقال الله عز وجل: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، مع أنهم يعلمون أنه كان عليه الصلاة والسلام متواضعًا ومحبًا للخير، وليس جبارًا كما ذكروا، لكن قال الله عز وجل: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ﴾، وهذا على قوم صالح، ﴿فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، ﴿وَذَكَرَ بَقِيَّةَ السُّورَةِ﴾. فهذه بعض المعاني التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر