الدرس في كتاب الطهارة 10، ألقاها
يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث ويُقدم رجله اليسرى. عند الخروج، يُقدم رجله اليمنى ويقول: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني.
يشرح المقطع آداب قضاء الحاجة وفقًا للسنة النبوية، بما في ذلك كيفية التعامل مع الأشياء التي تحمل اسم الله تعالى أثناء قضاء الحاجة.
يؤكد على أهمية ستر العورة عند قضاء الحاجة، ويشرح آراء أهل العلم حول هذا الموضوع معتمدين على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
يؤكد المقطع على أن ستر العورة واجب ويحرم كشفها دون حاجة، ويختتم بذكر أدعية تسبيح واستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله: باب قضاء الحاجة. وقوله رحمه الله تعالى: الباب هو المدخل، ويطلق على الباب الذي هو مدخل حسي، وعلى الباب الذي هو مدخل معنوي، وها هنا على المدخل المعنوي، أي مدخل في الكلام على أحكام ومسائل قضاء الحاجة. وقضاء الحاجة كما يقول علماء رحمهم الله تعالى: كناية عن قضاء ما يحتاج الإنسان إلى قضائه من البول والغائط، وسميت حاجة؛ لأنها حاجة يحتاج إليها الإنسان، أي حاجة يحتاج أن يقضيها الإنسان. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن جماعة من العلماء يطلقون على هذه الأبواب باب قضاء الحاجة؛ لما جاء في بعض الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قضى حاجته»، إذا قضى حاجته، فأخذوا من هذه الأحاديث هذا الباب وهذا التبويب باب قضاء الحاجة. وبعضهم يبويب عليه بباب الاستطابة، وكذلك هو بمعنى هذا الباب، ومعنى الاستطابة أي طلب الطيب مما يخرج الإنسان من النجاسة، أو ما يبقى من النجاسة أثر الغائط أو البول، فيستطيب من أن يتطهر، فسمي كذلك باب الاستطابة؛ لأجل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «باب قضاء الحاجة، يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم، وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج، ولا يدخل بشيء فيه اسم الله تعالى إلا من حاجة، ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى». قوله رحمه الله تعالى: «يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث»، هذا أخذ بهذا المعنى جاء من حديث أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وهو حديث حسن بمجموع طرقه، أي أن طرقًا له بمجموعها يرتقي إلى الحجية ويثبت به هذا الحكم، أي أن الإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء فليقل: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. وأما قوله رحمه الله: «ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم»، هذا جاء في بعض الأحاديث، كما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه عند ابن ماجة، ولكنه حديث ضعيف، وإذا كان ضعيفًا فلا يحتاج إلى مثل هذه الزيادة، أي أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم. فإذا الأدب الأول في باب قضاء الحاجة أن الإنسان إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث. وهنا مسائل ذكرها العلماء تحت هذه المسألة، منها: متى يقول هذا الدعاء؟ قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا الدعاء يقال في حالين: الحالة الأولى إذا كان في خلاء، أي لم يكن في مكان معد لقضاء الحاجة، في خلاء في صحراء، فمتى يقول هذا الدعاء؟ قالوا: يقول هذا الدعاء إذا أراد قضاء الحاجة، أي بعد أن يجلس وتهيأ لقضاء الحاجة يقول هذا الدعاء، ثم يقضي حاجته. قالوا: أما إذا كان في مكان معد لقضاء الحاجة، في الكنيف الذي سماه الناس اليوم الحمامات، فإنه يقولها إذا أراد دخول ذلك الكنيف أو ذلك المكان المعد لقضاء الحاجة، يقولها إذا أراد الدخول، لا يقولها وهو داخل. قال رحمه الله تعالى: «وإذا خرج من ذلك المكان قال: غفرانك»، قاعة رحمه الله تعالى: «وإذا خرج من ذلك المكان قال: غفرانك»، قوله: «غفرانك»، هذا المعنى جاء في حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها عند أبي داود وغيره، بإسناد صحيح: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قضى حاجته، أو إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك». وأما قوله: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، فهذا الحديث جاء بهذا اللفظ، أو بمعنى هذا اللفظ، من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه عند ابن ماجة، والصحيح أنه ضعيف، والصحيح أنه حديث ضعيف. فإذا نستفيد من ذلك كذلك أن المستحب للإنسان إذا قضى حاجته، سواء كان ذلك الأمر غائطًا كان أو بولًا، فإنه يقول هذا الدعاء: غفرانك. قال رحمه الله تعالى: «ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج»، وهذا مجمع عليه، نقل غير واحد الإجماع على هذا المعنى؛ لأن اليسرى تكون للأذى، واليمنى تكون لما سوى ذلك. قال رحمه الله تعالى: «ولا يدخله بشيء فيه اسم الله تعالى إلا من حاجة»، وهذا أيضًا من الأمور التي يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الإنسان إذا دخل لقضاء الحاجة فإنه لا يدخل معه شيئًا فيه اسم الله، إلا من حاجة، يعني مثلًا إنسان كان معه مال فيه ذكر الله، أو عنده خاتم فيه اسم الله، أو عنده مثلًا رسالة أو كتاب فيه ذكر الله، أو ما شابه ذلك، فإن استطاع أن يحفظه في مكان محفوظ خارج الخلاء، لا يدخله معه، لكن لو كان مثلًا في مكان يخشى على ذلك الشيء، يدخله ويحاول أن يخبئه في مخبئه، أن يخبئه في جيبه. قال علماء رحمهم الله تعالى: وإن أدخله لغير حاجة، أو بغير حاجة، فما الحكم؟ هل يكون محرمًا أم لا؟ الصحيح من أقوال العلماء أنه يكون مكروهًا، هذا الفعل يكون مكروهًا؛ لأنه فيه معنى من معاني ضعف التعظيم لله رب العالمين جل وعلا الذي ينبغي. قال رحمه الله تعالى: «ويعتمد في جلوسه على رجله اليسرى»، لما روى سراقة بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى، وأن ننصب اليمنى»، والحديث رواه الطبراني وغيره، وهو حديث ضعيف، فهو لا يثبت. فالأمر واسع، ومن باب أنه يذكر: ذكر بعضهم عن أهل الطب أن الجلوس على هذه الحالة من الجلسات المعينة على قضاء الحاجة بشكل أتم وأسهل وأسلم. قال رحمه الله تعالى: «وإن كان في الفضاء أبعد واستتر»، أي في المكان الخالي، أي في غير البناء، قالوا: إن كان في الفضاء أبعد واستتر، ومعنى أبعد واستتر: أي أن يبتعد عن أعين الناس، وأن يستتر. وهل هذا عام في قضاء الحاجة، غائطًا كان أو بولًا؟ أو هناك تفريق من أهل العلم؟ من ذهب إلى التعميم من أهل العلم، أي إلى قضاء الحاجة مطلقًا؛ لما جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذكر هذا المعنى: «أنه كان إذا ذهب إلى الخلاء أبعد المذهب»، كما جاء في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه، وجاء كذلك هذا المعنى في حديث عبد الله بن جابر عند أبي داود: «أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق لقضاء حاجته فأبعد المذهب»، وجاء كذلك في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الخلاء انطلق حتى لا يراه منا أحد»، وهو عند أبي داود بسند صحيح، وكلها تدل على أنه إذا أراد القضاء، أي أراد قضاء الحاجة، وكما مر معنا: قضاء الحاجة عام في الغائط والبول. فبعض أهل العلم ذهب إلى تعميم الحكم في أن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، سواء كان غائطًا أو بولًا، بأنه يبعد المذهب حتى لا يراه أحد. وبعض أهل العلم ذهب إلى التفصيل والتفريق بين الغائط والبول، قالوا: أما الغائط فإنه يبعد المذهب حتى لا يراه أحد؛ لما ذكر فيما تقدم من أحاديث. وأما البول فالأمر واسع، له أن يبول مستترًا ولو كان في مكان قريب، وله أن يبعد المذهب، والأمر في ذلك واسع؛ بخلاف قضاء الحاجة بالغائط. قالوا: لأن قضاء الحاجة بالغائط يحصل فيه من معاني كشف العورة ما لا يحصل في أثناء البول؛ لأن الإنسان أثناء البول يكون غالبًا مستترًا، ما يظهر منه إلا الشيء اليسير، بخلاف قضاء الحاجة بالغائط؛ فإنه يحتاج إلى كشف عورته كاملًا لقضاء حاجته، لذا احتيج في قضاء الحاجة بالغائط إلى الإبعاد؛ حفاظًا على ستر العورة من أعين الناس. وفي البول؛ لأنه يستطيع أن يستر عورته عن أعين الناس، ولا سيما إذا ستره شيء، فلا بأس أن يبول ولو كان قريبًا من أعين الناس، لكن إذا ستر عورته. قالوا: وهذا المعنى الذي دار في التفريق بينهما هو مسألة الحرص والحماية على ستر العورة، وهل ستر العورة واجب أو ليس بواجب؟ ستر العورة واجب أيضًا بلا خلاف، بل عد بعض أهل العلم كشف العورة لغير حاجة من الكبائر؛ مستدلًا بما جاء في صحيح البخاري وغيره: «جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما لا يعذبان، وما يعذبان بكبير، ثم قال: بلى، إنه لكبير، قال: أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله»، فاستدل به العلماء على أن ستر العورة واجب، وأن كشف العورة لغير حاجة محرم. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.