الدرس في كتاب الطهارة 25، ألقاها
يتناول شرح ضابط العادة عند النساء وفق آراء ابن قدامة والشوكاني، وأحكام الدم الزائد عن العادة باعتباره استحاضة. يشرح وجوب الاغتسال عند انقطاع الحيض والتوضأ لكل صلاة.
يشرح أحكام المرأة الحائض والمستحاضة، والتعامل مع دم الحيض والاستحاضة، وأحكام الوضوء والصلاة، مع ذكر أقوال الفقهاء وتفاصيل حول العادة والتمييز للدم.
يتناول حكم المرأة المستحاضة التي لا تستطيع تمييز دم الحيض، مع توضيح كيفية اتباع العادة السابقة أو العمل بالتمييز، وآراء العلماء حول مدة الحيض في حالة عدم التمييز.
يتناول حكم دم الحامل قبل الولادة وما إذا كان يعتبر نفاسا أم لا، مع توضيح الشروط والاحتياطات الواجب اتخاذها في هذا الشأن وفق آراء العلماء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الموفق ابن قدامة رحمه الله: إذا تكرر الدم ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة. وإن عبر أكثر الحيض فالزائد استحاضة، وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض، وتغسل فرجها وتعصبه، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي. وكذا حكم من به سلس البول، ومن في معناه. قوله رحمه الله: إذا تكرر أي الدم، والكلام ها هنا على المبتدئة، إذ بداية الكلام قال: والمبتدئة إذا رأت الدم لوقت تحيض في مثل النساء جلست، فإذا انقطع لأقل من يوم وليلة فليس بحيض، وإن جاوز ذلك ولم يعبر أكثر الحيض فهو حيض. فقوله: فهو حيض، قال: فإذا تكرر، فقوله: فإذا تكرر أي هذا الحيض الذي تقدم ذكره، فإذا تكرر أي الحيض المشار إليه ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة. وهذا بناء على الخلاف المشهور في ضابط العادة عند النساء، أي متى يصح أن يطلق على المرأة بأن لها عادة. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العادة عند النساء هو أن يعاود الدم المرأة في أوقات مخصوصة، هذا يسمى عادة. أن يعاود الدم المعروف أي دم الحيض المرأة في أوقات مخصوصة، أي في كل شهر مثلا في أوله لمدة ستة أيام أو سبعة أيام أو أكثر أو أقل، وعاودها ذلك الدم في نفس تلك المدة. هذه المرأة إذا عاودها ذلك الدم في زمن محدود من كل شهر، هذه المرأة تسمى في عرف الشرع امرأة عندها عادة، أي عادة في حيضها. ثم كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: متى يصح أن يقال للمرأة بأن لها عادة؟ هل بمعاودة الدم لها في أوقات مخصوصة لمرتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك؟ ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المرأة لا تسمى معتادة أو عندها عادة إلا إذا عاودها الدم ثلاث مرات، أي ثلاثة أشهر في نفس الأوقات. فإذا عاودها مرتان وفي الشهر الثالث جاء في وقت آخر، فإن هذه المرأة لا يقال فيها بأنها معتادة. يعني مثال ذلك: لو أن امرأة جاءها مبتدئة - الكلام على المبتدئة - امرأة أول بلوغها، نزل منها الدم مثلا من أول شهر لمدة ستة أيام، ثم انقطع ذلك الدم، ثم لما كان في الشهر الثاني جاءها الدم في أول شهر لمدة ستة أيام، ثم لما كان في الشهر الثالث جاءها الدم بعد أسبوع من بداية الشهر. على قول من قال بأن العادة لا تسمى المرأة بأنها من ذوات العادة إلا إذا عاودها الدم لمدة ثلاثة مرات أو لثلاث مرات، فإن مثل هذه لا يقال فيها بأنها معتادة. لماذا؟ لأن الدم لم يعاودها في المدة الأولى لمدة ثلاث مرات. قلنا كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا قول، وقول آخر للعلماء، وهو الذي اختاره و رجحه العلامة الشوكاني رحمه الله، قال: أن العادة من المعاودة، قال: وأقل ذلك أن يتكرر مرتين، وأقل ذلك أن يتكرر مرتين. وهذا القول هو رواية عن أحمد، كما أن القول الأول هو رواية أخرى عن الإمام أحمد رحمه الله. وهذا هو الأظهر، هذا القول هو الأظهر. لماذا؟ لأنه مأخوذ من المعاودة، وأقل ما يقال بأن الشيء عاودة إذا تكرر مرتين. فالحاصل من هذا أن قوله رحمه الله: فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة، هذا بناء على الرواية بأن الدم إذا تكرر في مدة معينة لمدة ثلاثة أشهر فإنه يسمى عادة. وعلى الرواية الأخرى عند أحمد أو عن أحمد، وهو الأظهر كما سمعتم: أن يقال فإذا تكرر مرتين، إذا تكرر في شهرين بمعنى واحد فإنه يسمى عادة، فإنه يسمى عادة. وقول العلماء أو ضبط العلماء رحمهم الله تعالى للعادة، أي لعادة النساء، وكون المرأة معتادة، هذه المسألة تحتاج إليها، أو ضابط مهم يرجع إليه عند الاختلاف في أمر دم المرأة. لذا في ضبطه لابد من أن يكون ذلك الضابط منضبطا. قال: فإذا تكرر ثلاثة أشهر بمعنى واحد صار عادة. ومعنى هذا أن المرأة مثلا كما سمعتم: لو كان من عادتها أن يأتيها الدم في أول كل شهر، في بعض الأشهر جاءها الدم لكن لم يخرج دفعا واحدة، ولكن جاء مثلا يخرج قطرات، لكن في نفس المدة. فماذا تصنع المرأة؟ يقال لها: ما دام أنه في مدة العادة فهو دم حيض. ما دام أنه في وقت العادة فإنه دم حيض، لأنه دم معتاد خرج في وقته وعادته. قال رحمه الله: وإن عبر أكثر الحيض، أي الدم الأول لو عبر أكثر الحيض - على أن لأكثر الحيض حدا على ما مر معنا من قول الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى أنه حده بخمسة عشر يوما - وعلى الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يحد بحد، فإنه دم حيض ما دام على أوصافه. قال رحمه الله: وإن عبر أكثر الحيض فالزائد استحاضة. والاستحاضة كما مر معنا ليس هو من دم الحيض، بل هو يخالف دم الحيض في أمور كثيرة كما مر معنا. منها أن دم الحيض يسقط على المرأة وجوب الصلاة، ولا يجوز لها أن تصلي ولا أن تصوم ولا أن يأتيها زوجها، ولا أن يطلقها، ولا يجوز لزوجها أن يطلقها، وأحكام كثيرة قد مرت معنا في أول الباب، بخلاف الاستحاضة فإنها تعامل معاملة الطاهرات، لأنه دم مرض، بخلاف دم الحيض فإنه دم صحة. قال رحمه الله تعالى: وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض، أي أن المرأة إذا طهرت من حيضها وجب عليها أن تغتسل. إذا طهرت من ذلك الحيض وجب عليها أن تغتسل، لقول الله جل وعلا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطَهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، الشاهد: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. وكذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة: «فإذا ذهبت حيضتك فاغتسلي وصلي»، والأمر للوجوب. قال رحمه الله: وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين العلماء: أن المرأة متى طهرت من حيضها وجب عليها أن تغتسل، ولا سيما إن حضر شيء لا يتم إلا بالاغتسال من صلاة ونحوها. قال رحمه الله تعالى: وتغسل فرجها وتعصبه، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي. هذا يعني يقول إمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: لو أن امرأة لها عادة، وعادتها مثلا لمدة سبعة أيام مثلا، فخرج منها الدم أكثر من ذلك، ثمانية أيام، تسعة أيام، عشرة أيام، استمر بها الدم. فما حكم هذا الدم الزائد؟ يقول إمام ابن قدامة رحمه الله: ما زاد على المعتاد فإنه لا يكون دم حيض، ولكن يكون دم استحاضة. وإذا كان كذلك فإنه يجب عليها أن تغتسل من الحيض إذا طهرت. قال رحمه الله تعالى: وعليها أن تغتسل عند آخر الحيض، وتغسل فرجها وتعصبه، أي إذا كانت مستحاضة - يعني أن الدم الزائد على العادة على مدة العادة فإنه يكون دم استحاضة، ولا يكون دم حيض. فإذا كان كذلك، كما تصنع؟ يقول: إذا حضر وقت الصلاة يجب عليها أن تغسل الحيض، وماذا تصنع؟ تتحفظ بسبب الدم الخارج منها، حتى لا تلوث، ثم تتوضأ وتصلي، ولا تبالي بذلك الدم لأنه ليس دم حيض، وإنما هو دم استحاضة. قال: وتغسل فرجها وتعصبه، أي تتحفظ. ثم تتوضأ لوقت كل صلاة، أي أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. جاء في ذلك حديث: «وتوضأ لكل صلاة». والحديث كما مر معنا في نواقض الوضوء: أنه لا يثبت. وكما مر معنا كذلك في نواقض الوضوء: أن الاستحاضة ليس بحدث. ومعنى هذا أن المرأة إذا كانت مستحاضة، فتوضأت مثلا لصلاة الظهر، ولم ينتقض وضوءها بشيء من النواقض التي تقدم ذكرها، إنما بقي يخرج منها دم الاستحاضة. هل يكون ذلك الدم ناقضا من نواقض الوضوء؟ الصحيح من أقوال العلماء: أنه لا يكون ناقضا من نواقض الوضوء. فلها أن تصلي بالوضوء الأول، وإن شاءت أن تتوضأ وضوءا آخر، فالأمر في ذلك واسع. قال: وَكَذَا حُكْمُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، أي أن حكم من به سلس البول حكمه كحكم الاستحاضة، من حيث أنه كذلك يعمل يعني يتحفظ لأجل ألا يخرج البول فينجس ملابسه، ويتوضأ عند كل صلاة. وكذلك مسألة نقض الوضوء بسلس البول، بعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا ينتقض. لماذا؟ لأن سلس البول ليس مما يستطيعه الإنسان، وهو في طاقته، وهو معتاد عند الإنسان. وما لم يكن معتادا من خارج فليس بناقض. قالوا: إلا متى يكون ناقضا؟ متى يكون البول ناقضا؟ يقول: إذا تعمد البول، إذا أراد البول فدخل الخلاء لأجل أن يبول، هنا ينتقض وضوءه. أما إذا كان به سلس أن يخرج منه البول دون أن يشعر، قالوا: فهذا لا يكون ناقضا من نواقض الوضوء. لكن في الحقيقة في سلس البول لا شك ولا ريب أن الأولى والأحوط أن يتوضأ عند كل صلاة، لأن البول أصل البول خروج البول من المخرج ناقض من نواقض الوضوء، بخلاف الاستحاضة فإنه ليس ثم دليل على أنه ناقض من نواقض الوضوء. قال رحمه الله تعالى: ومن في معناه، أي ومن كان كذلك في معناه من به سلس البول، أو إنسان فيه كذلك شيء يخرج سواء من فرجه أو يخرج من دبره، لا يستطيع أن يمسك دائما يخرج منه. كالاستحاضة وسلس البول، فإنه يكون حكمه حكمها، فإن حكمه يكون حكم هذه الأشياء سواء بسواء. قال رحمه الله تعالى: فإذا استمر بها الدم في الشهر الآخر على الوصف المذكور، فإن كانت معتادة فحيضها أيام عادتها. وإن لم تكن معتادة، وكان لها تمييز - وهو أن يكون بعض دمها أسود ثخينا وبعضه أحمر رقيقا - فحيضها زمن الأسود الثخين. وإن كانت مبتدئة أو ناسية لعادتها، ولا تمييز لها، فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة، لأنه غالب عادات النساء. طيب هذه مسائل كثيرة في هذه الفقرات المذكورة. فقبل أن نتكلم على هذه المسألة، نتصور ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى في باب الحيض. مع التنبيه أن باب الحيض كما يقول الأئمة رحمهم الله تعالى: أن مسائله من أعوص مسائل الفقه. لذا تجد الفقهاء رحمهم الله تعالى في ضبط هذا الباب لهم أقوال كثيرة، ورب إمام واحد له قول، وأحيانا ينقضه، وأحيانا يتراجع عنه، وأحيانا يقول: النساء أعلم بهذا الأمر. فيرجعون الأمر إلى النساء. ولأجل هذا صنف فيه من صنف، وألف فيه من ألف مؤلفات مفردة. فنذكر شيئا تقريبيا به بإذن الله جل وعلا. نتصور هذا الباب، ونستطيع بإذن الله رب العالمين جل وعلا أن نلحق من المسائل النظير بنظيره. العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الباب يقسمون المرأة الحائض أو يقسمون الحيض إلى أقساب. المرأة أو الحالة الأولى: المرأة التي عندها عادة. الحالة الثانية: المرأة التي عندها تمييز. الحالة الثالثة: امرأة عندها عادة وتمييز. الحالة الرابعة: كذلك يعني الحالة الثالثة: امرأة عندها عادة وتمييز اجتمعتا. الحالة الرابعة: عندها عادة وتمييز افترقتا. هذه في ماذا؟ في الحائض دون الاستحاضة. فأما المعتادة كما مر معنا: هي المرأة التي عاودها الدم في فترات مخصوصة من كل شهر. فماذا تصنع هذه المرأة؟ تعمل بعادتها. ويدل على هذا ما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سألته فاطمة بنت حبيش رضي الله عنها وأرضاها وكانت تستحاض، قال: «أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغسلي عنك الدم وصلي»، الشاهد: «قدر ما كانت تحبسك حيضتك»، فردها إلى ماذا؟ إلى القدر، إلى العادة، إلى الزمن التي كانت تحبسها حيضتها. هذه المرأة تسمى ماذا؟ معتادة. فالمعتادة تعتبر بالعادة، إذا جاءها الدم في فترة العادة فإنه دم حيض. الحالة الثانية: المرأة التي عندها تمييز للدم، أن يأتيها الدم بأوصافه، يأتيها دم الحيض بأوصافه كما قال الفقهاء: دم أسود ثخين ذو رائحة. إذا كان بهذه الهيئة بهذه الأوصاف فإنها امرأة حيض ولا إشكال. الحالة الثالثة: أن يجتمع عند المرأة الوصفان السابقان، دم بأوصافه المعروفة أي دم الحيض بأوصافه المعروفة في فترات معلومة. هذا كذلك يقال: نور على نور. الحالة الرابعة: أن يحصل أن تكون المرأة مثلا عندها عادة، ولكن حصل لها الطراب، يعني صار الدم يأتي في وقت غير وقت العادة. صار الدم يأتي بأوصافه المعروفة في غير وقت العادة. يعني عادة مثل من أول شهر مدة أسبوع، وصار الدم بأوصافه المعروفة يأتيها بعد أسبوع. فماذا تصنع؟ هل تعمل بالعادة أو تعمل بالتمييز؟ تعمل بماذا؟ بالتمييز على الصحيح. لماذا؟ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، أي بأوصافه المعروفة. فهذه أربعة أحوال للمرأة المستحاضة. المرأة المستحاضة كذلك يعني إما أن تكون مبتدئة، وإما أن تكون ناسية لعادتها. يعني امرأة كانت تحيض مثلا في فترات معينة، ثم صارت لا تدري متى كانت تحيض، وجاءتها الاستحاضة، دم مستمر يخرج منها. فهذه ماذا تصنع؟ قال علماء رحمهم الله تعالى: في المستحاضة - يعني قبل أن نذكر هاتين الثنتين: الناسية والمبتدئة - في امرأة عندها عادة مضطردة، في شهر من الأشهر جاءت استحاضة، جاء دم اجتمع فيها، فاختلط عليها دم الحيض بغيره. اختلط عليها دم الحيض بغيره. فماذا تصنع؟ واضحة جماعة هذه الصورة أم لا؟ امرأة كانت عندها عادة من أول الشهر لمدة أسبوع سنين على هذه الحال، في فترة من الفترات نزل بها الدم واستمر، نزل منها الدم واستمر. فاختلط عليها الأمر، ما تدري هل ذلك الدم الخارج دم استحاضة أو دم حيض؟ فماذا تصنع؟ واضحة جماعة أم لا؟ هذه المرأة كما يقول فقهاء رحمهم الله تعالى: يقال لها: هل تستطيعين أن تميزين بين الدمين؟ إن كان عندها تمييز، ما معنى تمييز؟ أي تميز بين دم الحيض من غيره. دم الحيض أسود ثخين وذو رائحة، ودم الاستحاضة دم أحمر فاتح وخفيف وليس ذو رائحة. إن كانت تستطيع تمييز بين الدمين فإنها تعمل بماذا؟ بالتمييز. واضح هذا يا إخوة. إن لم تكن مميزة، ما استطاعت تمييز. الدم يأتيها من أول الشهر إلى آخره بلون واحد. ماذا تصنع؟ يقال لها: هل لك عادة؟ إن قالت نعم، فيقال لها: أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك. هذا حكم من يا جماعة؟ حكم من؟ حكم النبي صلى الله عليه وسلم. والأول الحكم الأول كذلك يدل عليه كما سمعتم قول الله جل وعلا: ﴿هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، ويدل عليه كذلك ما جاء في صحيح البخاري، والحديث أصله في الصحيحين، وهو الحديث المتقدم. إلا أنه جاء في ألفاظ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقبلت حيضتك فدعي صلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»، فرد النبي صلى الله عليه وسلم الأمر في المستحاضة لماذا؟ لإقبال الحيضة وإدبارها. والإقبال والإدبار بماذا يظهر؟ بماذا يعلم؟ بالتمييز. فإذا يقال في المرأة: إذا كان لها تمييز تعمل بالتمييز. إن كان لها عادة تعمل بماذا؟ بالعادة. ولا إشكال في ذلك، ولا إشكال في ذلك. إن كان لها تمييز أو كان لها ماذا؟ عادة. لذا يقول الشيخ رحمه الله تعالى الإمام ابن قدامة هنا يقول: وإن لم تكن معتادة، وكان لها تمييز - أن يكون بعض دمها أسود ثخينا وبعضه أحمر رقيقا - فحيضها زمن الأسود الثخين. وإن كانت مبتدئة - هذه مسألة أخرى - أو ناسية لعادتها. ما الفرق بين المبتدئة والناسية؟ المبتدئة التي يبتدئ معها الحيض أول مرة، يعني يبتدئ معها الدم ويستمر أول ما تبدأ. يبدأ الدم معها ويستمر، يستمر الشهر والشهرين، تكون مستحاضة، وليس لها ماذا؟ عادة، ولا تستطيع كذلك أن تميز. وإن كانت مميزة الحمد لله، لكن المشكلة إذا لم يكن لها عادة ولم يكن كذلك عندها تمييز. هنا الإشكال. قال: وإن كانت مبتدئة أو ناسية لعادتها، ولا تمييز لها، فحيضها من كل شهر ستة أيام أو سبعة. ستة أيام أو سبعة، لأنه غالب عادات النساء. وجاء في هذا المعنى حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة - يعني عن امرأة كما في حديث أم سلمة عند أبي داود وغيره - اشتكت له الاستحاضة، وأنها لا تستطيع أن تميز. فقال لها: «أمكثي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغسلي عنك الدم وصلي» الحديث. فاستدل به من استدل من أهل العلم على أن المرأة إذا كان حالها كذلك - الدم مستمر بها، وليس عندها تمييز، وليس لها عادة، وكانت من قبل عندها عادة أي ناسية، أو كانت مبتدئة - قالوا: تمكث ستة أيام أو سبعة أيام. طيب ستة أيام أو سبعة أيام الأمر عاد إلى من؟ هيا جماعة إلى اختيار المرأة. إما ستة أيام أو سبعة أيام. ومعنى هذا إما أن في ذلك اليوم إما أن تحل شيئا حرمه الله جل وعلا عليها، وإما أن تحرم شيئا أحله الله جل وعلا عليها. لأن لو قالت حائض ستحرم عليها أشياء هي ماذا؟ عليها حلال. وإن قالت ليست بحائض ستحل لها أشياء هي عليها ماذا؟ عليها حرام. لذا قال من قال من أهل العلم بأن هذا الحديث فيه نكارة، بأن هذا الحديث فيه نكارة بسبب هذا المعنى. وهو كذلك من حيث الإسناد فيه ضعف، ومن حيث المتن كذلك فيه نكارة لما تقدم ذكره. فإذا ما هو ماذا تصنع المرأة إذا كان هذا حالها؟ ماذا تصنع المرأة إذا كان هذا حالها؟ أدى مستمر بها، وليس عندها تمييز، وليس لها عادة، إما لأنها مبتدئة وإما لأنها ناسية. ما تصنع؟ قال بعضهم: تتحيض كأغلب النساء. يسأل: كم النساء الغالب في النساء؟ الحيض قالوا: ستة أيام وسبعة أيام. قالوا: تمكث أغلب الحيض. وبعضهم قال: بل تمكث المرأة حيض أقرب نسائها، يعني تنظر أخواتها لها أخوات كم يحضن؟ أخواتها خمسة أيام تحيض خمسة أيام. أخواتها يحضن عشرة أيام تحيض مثل أخواتها عشرة أيام. طيب إذا كان أخواتها منهم من يحضن في أول الشهر، ومنهم من يحضن في آخر الشهر. ما تصنع هيا جماعة؟ القول فيه اضطراب. هذا القول فيه اضطراب، كما أن القول الذي قبله فيه اضطراب. كما أن القول الذي قبله فيه ماذا؟ فيه اضطراب. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. إنما اجتهادات اجتهادات من علماء رحمهم الله تعالى، فهم رحمهم الله تعالى بين الأجر والأجر. لأن هذه مسألة اجتهادية، وهي صراحة كما يقول العلماء: هذه المسألة خاصة من أعوص مسائل الحيض. هذه المسألة التي هي بين أيدي المسألة المبتدئة ومسألة الناسية هي أعوص مسائل الحيض. لأنه ليس هناك دليل يركن إليه ويرجع إليه ويفزع إليه عند الاختلاف. إنما هي اجتهادات من العلماء رحمهم الله تعالى والفقهاء في هذا الباب. وعلى هذا الذي يظهر والله أعلم وأعلم: أنه يقال في المبتدئة وكذلك الناسية إذا لم يتبين فيهن الحيض، فإن المرأة تبقى على أصل الحل حتى يتميز حيضها. وإن كانت ناسية تتذكر عادتها فترجع إليها. لماذا؟ لأن الله جل وعلا وصف الحيض قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222]، فمتى ما ظهر للمرأة هذا الأذى وميزت هذا الأذى عملت به. وما لم وكانت عندها عادة ولكن نسيت، كذلك لا نستطيع أن نتحكم عليها بأن نقول لها: يجب عليك أن تحيضي أنك حائض من أول شهر لمدة أسبوع، الشهر الثالث مدة ستة أيام، الشهر الذي بعده سبعة أيام وهكذا. ليس عندنا دليل ما عندنا دليل نحكم به على المرأة بأن تتحيض لمدة معينة. سواء قلنا بأنها تحيض مثل نسائها، مثل أغلب النساء، أو ستة أيام أو سبعة أيام، أو غير ذلك. فالأظهر والله أعلى وأعلم: أنه لا يجوز للمرأة أن تترك الصلاة ولا غيرها من الواجبات إلا ببرهان. وليس ثم برهان يجوز لها أن تترك ما أوجب الله جل وعلا عليها من صلاة ومن صيام ومن غير ذلك. فمثل هذه المسألة أو مثل هذه المرأة يقال لها: تصلي وتصوم وتعامل نفسها معاملة الطاهرات. ما دام حالها كذلك ما دام أن حالها كذلك حتى تميز الحيض. ومع التنبيه والنصيحة: أنه بحمد الله جل وعلا في هذه الأزمنة في هذه الأيام تستطاع أن تعالج المرأة المستحاضة. تستطاع أن تعالج تذهب إلى عند الطبيبات، والحمد لله هناك علاجات علاجات يمكن بإذن الله عز وجل ويمكن في جلسة في جلستين يذهب منها ما بها من هذا الإشكال وتنتهي القضية من أصلها. قال رحمه الله تعالى: والحامل لا تحيض إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، فيكون دمها نفاس. طيب قول: الحامل لا تحيض إلا أن ترى الدم قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، فيكون دمها نفاس. هذا بناء على أحد الأقوى في المسألة. وفي المسألة قول ثاني وثالث. القول الثاني: أنه لا يحكم على الدم الخارج من المرأة قبل النفاس بيوم أو يومين أو ثلاثة بأنه حيض، ولكن الدم الذي يكون مع النفاس أو بعد النفاس هو الذي يسمى دم نفاس. لأن دم النفاس كما يقول العلماء: هو الدم الذي يكون بعد الولادة. وبعضهم قال: مع الولادة أو بعد الولادة. فإذا قالوا: ما كان قبل الولادة فإنه لا يكون نفاسا. ما كان قبل الولادة فإنه لا يكون. فالحاصل أن من أهل العلم من يقول: إن دم النفاس لا يكون إلا الدم الخارج بعد النفاس، أي بعد أن تضع ما في بطنها. قول آخر: أنه يكون بعد ومع. والقول الثالث: أنه يكون قبل ومع وقبل بيوم أو يومين أو ثلاثة. والقول بأنه يكون كذلك قبله بيوم أو يومين أو ثلاثة كما قال علماء: يقولون يكون كذلك بشرط واحد. ما هو هذا الشرط؟ أن تكون هناك علامات على أن ذلك الدم هو دم سببه الولادة. أن تكون هناك علامات تدل على أن ذلك الدم سببه الولادة. كأن تكون المرأة تتهيأ للوضع من يوم أو يومين أو ثلاثة. تتهيأ للوضع فيخرج منها الدم ثم يتأخر. قالوا: إذا كان كذلك فإنها يكون حكمها حكم ماذا؟ حكم النفاس. لأنه متصل بولادة. والقول بأن المرأة تغسل الدم وتصلي ما دامت أنها لم تضع أحوط والله أعلى وأعلم. يعني يقال بأن المرأة لو تغسل الدم وتصلي فإنه أحوط لها باعتبار ماذا؟ الصلوات. وأما باعتبار الصيام فإن صامت فالأحوط أن تقضي أياما ما كانت تلك الأيام. للإحتمال الموجود أي احتمال أن يكون ذلك الدم دم نفاس، كما أنه يحتمل أن لا يكون دم نفاس. والله تعالى أعلى وأعلم وسمحانك الله بحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.