الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 31، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع باب النهي عن المن بالعطية من رياض الصالحين مستعرضاً آيات تبين أن المن والأذى يبطلان الصدقة ويذهبان أجرها. ويؤكد أن الإخلاص في العطاء يقي مصارع السوء ويصرف الكرب داعياً إلى ابتغاء وجه الله دون جزاء ولا شكور.
يؤكد المقطع أن العمل القليل مع الإخلاص يبارك الله فيه بينما العمل العظيم بلا إخلاص يكون وبالاً على صاحبه. ويستدل بحديث أبي ذر عن ثلاثة أصناف لا يكلمهم الله يوم القيامة منهم المسبل إزاره خيلاء والمنان بما أعطى.
يبين المقطع أن المن بالعطية من صفات الله وحده ولا يجوز للعبد ويحذر من الحلف الكاذب في التجارة لأنه يمحق البركة. كما ينهى عن إسبال الإزار للرجال مستدلاً بفعل عمر بن الخطاب مؤكداً أن العبرة بالبركة لا بكثرة المال.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله فيه حفظ الدين وحسن الخاتمة وصلاح أحوال المسلمين. ثم يصلي على النبي محمد ويحمد الله ويشكر المشاهدين على المتابعة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع أبواب كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. قال رحمه الله تعالى: «باب النهي عن المن بالعطية ونحوها». باب النهي عن المن بالعطية ونحوها، والمن من الأمور التي قد تفسد الصدقة وتبطل العطية التي يترتب عليها الأجر عند الله عز وجل، لا يريد من وراء هذا العطاء جزاءً ولا شكوراً، كما قال ربنا عز وجل عن أوليائه المتقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾. هذا اليوم هو يوم شديد، هو يوم القيامة، ولهذا كان جزاؤهم: قال الله عز وجل: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾. نظرة في وجوههم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾، وسرور يكون في قلوبهم. لاحظوا أحبتي في الله أن المعروف الذي يقدمه الإنسان لأخيه، والصدقة التي يدفعها لأخيه، وهكذا غيرها من أبواب الخير، هذه إذا أخلص فيها العبد منا كان ذلك سبباً لأن يصرف الله عنه كرباً من كرب الدنيا، وهكذا أيضاً الآخرة. وتذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، تقي مصارع السوء». قال رحمه الله تعالى: «قال: باب النهي عن المن بالعطية ونحوها. قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾». بالمن والأذى، وهنا يخبر ربنا عز وجل على أن الصدقة يبطلها المن؛ تعطي الشخص العطية وتتصدق عليه بالصدقة ثم تمن بها عليه، تقول: أنا أحسنت إليك يا ناكث المعروف وناسي الجميل، نسيت كنت أعطيك وأفعل وأعمل. انظروا يمن على الشخص بعطية، بصدقة، بغيرها من الأمور، وهكذا أيضاً الأذى. فالأذى فيما يتعلق بباب العطية والصدقة وغيرها مما قد يكون سبباً في إبطالها. وهذا كله يستدعي أن المسلم يبتعد عما يكون سبباً في بطلان أعماله، ومنها الصدقة. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «قال: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾». هكذا كما مر في الآية السابقة، هنا ربنا عز وجل يمدح أولئك المؤمنين الذين ينفقون في سبيله في الجهاد، وهكذا أيضاً في مصالح المسلمين العامة والخاصة، ويحافظون على هذا العمل وأجر هذه الصدقة، ولهذا فهم لا يتبعون ما أنفقوا من الصدقات والخيرات مناً ولا أذى على من أعطوه، سواء كان ذلك بقول أو كان ذلك بفعل، بل يبتغون من وراء ذلك كله وجه الله تبارك وتعالى والدار الآخرة، لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، ولا يريدون رياءً ولا سمعة ولا غيرها من حظوظ النفس وأغراضها الدنيئة التي تعتبر سبباً في بطلان هذا العمل وذهاب أجره. ومر معنا يا إخوان أن العمل ولو صغر لكن إذا وجد معه الإخلاص فإن الله عز وجل يبارك لصاحبه في ذلك، والعكس بالعكس: العمل ولو كان كبيراً وعظيماً، تخيل يبني مسجداً لربما بملايين الدولارات أو الريالات سعودية، أو يبني مدرسة أو غيرها، لكن الإخلاص مفقود، هنا يكون العمل وبالاً على صاحبه، وبالاً على صاحبه. وتكرر وتكرر معنا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم في قصة أولئك الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، مع أن الأعمال التي عملوها عظيمة وعظيم أجرها، لكن حين أن فقدت الإخلاص كان وبالاً على صاحبها. قال رحمه الله تعالى: «قال: وعن أبي ذر رضي الله عنه». نعم، ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي ذر، نعم يا أبا شفيق، جندب بن جنادة الغفاري، أحد السابقين الأولين إلى الإسلام. قال النبي صلى الله عليه وسلم في أبي ذر: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من ذي لهجة من أبي ذر، من أبي ذر». قال رحمه الله تعالى: «قال: عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما كنيته عندك؟ ما كنيته؟ الرسول عليه الصلاة والسلام أبو من هو؟». أحسنت، أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، وقد قال: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي». تسموا باسمي، اسمه من؟ محمد، فيستحب التسمي باسمه عليه الصلاة والسلام. وأما حديث «أحب الأسماء» أو ماذا؟ نعم، «أحب الأسماء إلى الله ما حمد وعبد»، فهذا لا أصل له، ومعنى لا أصل له أي ليس له إسناد صحيح في كتب السنة، في كتب السنة. قال: «ثلاثة». وأما «أحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن» فهذا في صحيح مسلم، وأما «وأصدقها حارث وهمام» فهذا خارج الصحيح، حسنه جماعة من أهل العلم وتكلم بعضهم في إسنادها. قال: «ثلاثة»، أي أصناف، أي أصناف من الناس. قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم». كم هي العقوبات المذكورة الآن يا أبا الحسن؟ كم هي العقوبات؟ نعم: لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. أربع عقوبات. لاحظوا: أي عمل يترتب عليه هذه العقوبات الأربع؟ بل ليس الأمر عند ذلك، بقي عقوبتان في كلام أبي ذر. قال: «فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات»، أي أعادها ثلاثاً. قال أبو ذر: «خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟» الخيبة والخسارة تضاف إلى أن الله لا يكلمهم يوم القيامة، ولا ينظر إليهم أي نظر رحمة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر. فلا إله إلا الله يا إخوان، ما أعظم أمر هؤلاء الثلاثة الأصناف في ذلك اليوم بسبب هذه المخالفات التي وقعوا فيها. قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: المسبل»، هذا رقم واحد، المسبل، وفي الرواية الأخرى: «المسبل إزاره». قال: يعني المسبل إزاره وثوبه أسفل من الكعبين للخيالاء. قال: «المسبل، والمنان»، وهذا هو الشاهد من إيراد هذا الحديث في هذا الباب. المنان الذي يمن على الناس، والمنان يا إخوان نازع الله عز وجل في أمر اختص به سبحانه، المنة لله عز وجل وليس لأحد أن يشاركه في ذلك، في ذلك، ولهذا سمى نفسه بالمنان. والمنان من الناس يعطي العطية ثم يمن على من أعطى بأنه فعل وقدم وأعطى إلى غيرها. قال: «والمنفق سلعته بالحليف الكاذب». رواه مسلم. ينفق سلعته بأيمان، للأسف هي أيمان كاذبة. واليمين يا إخوان في البيع والشراء مما ينبغي على المسلم أن يبتعد عنه، وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن الحلف منفق للسلعة لكنه ممحق للبركة، حتى لو كان صادقاً. يبتعد عن الأيمان ولا يأتي بها إلا إذا اضطر إلى شيء من ذلك ويكون فيه صادقاً. وأما اليمين والحلف الكاذب فكما سمعتم هو يعتبر من كبائر الذنوب التي حرمها ربنا تبارك وتعالى وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم. وللأسف يا إخوان، كم هي الأيمان المغلظة التي اعتاد عليها الناس في أسواقهم وبيعهم وشرائهم، ويكثر من أجل أن يقتنع المشتري بالسلعة فيعطي فيها ثمناً مرتفعاً. والعبرة يا إخوان ليست بالكثرة، وإنما العبرة بالبركة، وإنما العبرة بالبركة. فهذه أشياء ثلاثة: إسبال الإزار، سواء كان على سبيل الخيلاء أو كان مما اعتاده. انظروا ماذا يترتب على هذا: ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار، سواء كان خميصاً أو كان معوزاً أو كان بنطالاً أو غيرها، لا يجوز أن يكون أسفل من الكعبين. ولهذا ماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إطالة الثوب؟ ولم يرخص إلا للنساء أن يرخين ثيابهن لألا تنكشف عوراتهن. ولهذا عمر رضي الله تعالى عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة رأى شاباً ما له إزاره مصبل، فادعاه، قال: تعال. فلما جاء الشاب سأله عمر سؤالاً فقال له: «أحائض أنت؟ أحائض أنت؟ عندك الدورة الشهرية، حيض». تعجب الشاب، قال: قال: «ما هذا يا أمير المؤمنين؟ الحيض ما يكون إلا للنساء». قال: «إنك مصبل إزارك»، يعني هذا ما يفعله إلا ذوات الحيض، ذوات الحيض. وللأسف بعض الشباب يظن أن إسبال الإزار مظهراً من مظاهر الرجولة، وماذا؟ الزينة، والأمر على خلاف ذلك، المنظر قبيح، وكذلك أيضاً الفعل هو فعل النساء لا الرجال. وذكروا عن عمر أنه في مرضه الذي مات فيه بعد أن طعن رأى شاباً قد أسبل إزاره فاستدعاه وقال له: «يا بني، ارفع ثوبك، فإنه أتقى لربك وأنقى لثوبك، ثوبك يكون نظيفاً إذا ارتفع». ورحم الله الآباء يا إخوان والأجداد، ما تكاد تلاحظ شخصاً منهم مسبلا، رجال، وأيما رجال. ولهذا انظروا إليهم إذا مشوا، فمشيهم يدل على رجولة وعلى قوة، حين أن يضع قدم ويرفع أخرى، لكن من كان إزاره مسبلا ماذا عساه أن يمشي وكيف سيرفع رجله أو ينزلها؟ غالباً ماذا يخط بها في الأرض؟ فالمسبل إزاره، وهكذا المنان أي بالعطية والصدقة على غيره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، كل ذلك مما يترتب عليه هذا الوعيد وهذه العقوبات الشديدة. أسأل المولى عز وجل أن يحفظ علينا ديننا، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة.