الدرس في شرح كتاب الصلاة 35، ألقاها
يتناول هذا الفصل سنن الخطبة وصلاة الجمعة، حيث يشرح مسائل متعلقة بالخطبة مثل لغة الخطبة والدعاء للمسلمين وتولي الإمام الخطبة والصلاة. كما يتناول آداب خطبة الجمعة مثل صعود الخطيب إلى المنبر وتسليمه على المأمومين والجلوس بين الخطبتين.
يتناول هذا الفصل بعض أحكام صلاة الجمعة مثل كيفية وقوف الخطيب وتوجيهه للمستمعين أثناء الخطبة وحركة يديه عند الدعاء. كما يتناول مسألة العدد المعتبر لإقامة صلاة الجمعة وآراء الفقهاء المختلفة حول هذا العدد وأدلتهم.
يناقش هذا الفصل حكم صحة الجمعة باثنين، حيث يذكر القول الراجح بأن أقل ما تصح به الجمعة اثنان، خطيب ومستمع، لعدم وجود دليل يمنع ذلك ولأنه يصح أن تكون الجماعة باثنين.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله- في ذكره لأحكام صلاة الجمعة: قال المسألة الخامسة في سنن الخطبة. طيب، هنا مسألة تتعلق بالخطبة قبل أن نقرأ في سنن الخطبة، وهي: هل يشترط في الخطبة أن تكون باللغة العربية؟ هل يشترط في الخطبة أن تكون باللغة العربية، أو يجوز أن يخطب الخطيب بلغة القوم؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. الصحيح أنه لا يشترط، الصحيح أنه لا يشترط، ويجوز أن يخطب بلغة القوم، إلا أن الآيات يجب قراءتها باللغة العربية. الآيات يجب قراءتها باللغة العربية، أما ترجمتها باللغة القوم، هذا جائز ترجمة، أما قراءة وتلاوة، فلا بد أن تكون باللغة العربية. واستدل لذلك العلماء بقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فالمقصود من الخطبة هو نصح الناس وإرشادهم، توجيههم، وإذا تكلم باللغة العربية وهم لا يفهمونها، ما حصل البيان، ولا حصل المقصود. فلذلك يجوز أن يخطبهم ويكلمهم بلغتهم، لكن يقرأ الآيات باللغة العربية. قال: «ويسن الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، مع الدعاء لولاة أمور المسلمين بالصلاح والتوفيق»، لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يوم الجمعة دعا وأشار بأصبعه، وأمن الناس. أما الدعاء للمسلمين بما فيه صلاح دينهم ودنياهم، والدعاء لولاة الأمور بالصلاح والتوفيق، القول باستحباب ذلك ليس عليه دليل، لكن لا بأس بالدعاء أحيانا، لا بأس بالدعاء أحيانا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو في بعض الأحيان في صلاة، في خطبه. وأما أن يجعل ذلك سنة مستمرة، فليس هذا بثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، يعني أن يواظب عليه، والتزم به، لكن فعله أحيانا، فلا بأس. وأما الحديث الوارد: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب الجمعة، دعا وأشار بأصبعه، وأمن الناس»، فهذا لا يصح، فهذا الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى عن الزهري مرسلا، من مرسل الزهري، قال الزهري: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب ذكر الحديث»، فهو مرسل، والمرسل من قسم الضعيف. وروي موصولا عن أبي هريرة، وهو لا يصح كما قال البيهقي رحمه الله. قال: «وأن يتولاهما مع الصلاة واحد»، يعني يتولى الخطبة والصلاة المستحب أن يكون الخطيب هو الإمام في صلاة الجمعة، يخطب الناس ويصلي بهم، هذا على جهة الاستحباب، وإلا يجوز أن يخطب ويصلي شخص آخر، لكن المستحب أن يكون هو الإمام، هو الخطيب، وهو الإمام. لكن إذا حصل للإنسان شيء مثلا، أو تعب في الخطبة، لا بأس يقدم غيره، ويصلي بالناس. قال: «ويرفع صوته بهما حسب الطاقة»، يرفع صوته بهما حسب الطاقة، يعني في الخطبة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خطب يحمر وجهه، ويرتفع صوته، ويشدد غضبه، كأنه منذر جيش يقول: «صبحكم ومساكم»، كأنه ينذر بقدوم الجيش والعدو، فكان يرفع صوته عليه الصلاة والسلام في خطبته، فهذا من المستحب، من المستحبات في الخطبة رفع الصوت على حسب الطاقة والقدرة. قال: «وأن يخطب قائما»، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، فقوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ يدل على أن الخطيب يخطب قائما، يخطب قائما، يقوم أمام الناس، ويخطب وهو قائم. وهذه الآية نزلت لما كان الصحابة رضوان الله عليهم في الجمعة، وجاءت قافلة معها بعض البضائع، فخرجوا ينظرونها، فتركوا النبي عليه الصلاة والسلام وهو يخطب. فالشهادة قوله: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما، هذا هو المستحب. فإن خطب جالسا، فهو خلاف السنة، مع صحة الخطبة، هو خلاف السنة، مع صحة الخطبة، فالمستحب هو القيام. فإن طرأ للإنسان أمر طارئ مثلا وهو قائم، شعر بشيء من التعب، أو الدوار، فجلس وخطب وهو جالس، لا بأس. أو ينزل مثلا إذا شعر أنه ما يستطيع أن يكمل، ينزل ويصعد شخص آخر فيخطب محله. قال: وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب»، فمن حدث كأنه يخطب جالسا فقد كذب. والحديث رواه مسلم. وكأنه يرد على من قال: بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب جالسا. فذكر جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام خطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم، يعني بين الخطبتين، فتكون الخطبة الجمعة خطبتان يتخللها جلوس بين الخطبتين. قال: «وأن يكون على منبر أو مكان مرتفع»، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب على منبره، وهو مرتفع، وقد كان منبره عليه الصلاة والسلام ذو ثلاث درجات، وكان قبل ذلك يخطب متكئا على جذع، ثم صنع له نجار منبرا ذو ثلاث درجات، فكان يخطب عليه عليه الصلاة والسلام. ولما ترك الجذع حن الجذع وبكى، فنزل النبي عليه الصلاة والسلام يسكته، وقال: «لو تركته لحن إلى يوم القيامة»، لبقي يبكي ويحن إلى يوم القيامة. فالسنة كذلك الخطبة على المنبر أو مكان مرتفع، إذا لم يكن هناك منبر، إذا لم يكن هناك منبر، فيستحب أن يصعد على شيء مرتفع، كرسي مثلا، أو طاولة، أو شيء من ذلك، يصعد عليه حتى يكون مرتفعا، إن لم يوجد شيء خطب على الأرض. قال: «لأن ذلك أبلغ في الإعلام»، يعني الارتفاع أبلغ في الإعلام، وفي إيصال الخطبة إلى المستمعين، وأيضا يكون أقوى في الانتباه، انتباه الحاضرين للخطيب حين يرونه، يكون ذلك أدعى الانتباه له. قال: «وأن يجلس بين الخطبتين قليلا»، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين، وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس». والحديث في الصحيحين. قال: «ويسن قصر الخطبتين، والثانية أقصر من الأولى»، لحديث عمار مرفوعا: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة». الحديث رواه مسلم. قال: «والمئنة العلامة»، يعني علامة على فقه الخطيب، أن يقتصر في خطبته، يأتي بالكلمات الموجزة والعامة والشاملة للمعاني الكثيرة، فيقتصر المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة. لكن هذا لا شك أنه لا يعرفه كل أحد، أو كل خطيب، لكن هذا من فقه من فقه الخطيب، أن يكون على هذا الوصف، أن يكون على هذا الوصف. وقد يستدعي المقام التطويل أحيانا، يعني يطرق موضوعا فيحتاج أن يذكره من جميع جوانبه، أو من أكثر جوانبه، حتى يحصل المقصود، فلا بأس، لكن يحرص أن يكون الغالب الاقتصار، أن يكون الاقتصار والاختصار في الخطبة، فيجمل الكلام والمقصود بكلمات تؤدي الغرض، فيقصر الخطبة ويطيل الصلاة. قال: «ويسن أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا أقبل عليهم»، لقول جابر رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم». كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلم. هذا الحديث رواه ابن ماجة والبيهقي، وفيه ابن لهيعة، فيه عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف، فهذا الحديث ضعيف، لكن مع ذلك أجمعت الأمة على العمل به. أجمعت الأمة على العمل به، أن الخطيب إذا صعد أول ما يبدأ أن يسلم على الناس. ورواية في ذلك أيضا مرسلان، حديثان مرسلان، رواهما ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفه، والعمل على هذا عند أهل الإسلام. قال: «ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن»، ويسن أن يجلس على المنبر إلى فراغ المؤذن، لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب»، يعني يجلس على المنبر، يبقى جالسا حتى ينتهي المؤذن من الأذان، ثم يقوم فيخطب. قال: «ويسن أن يعتمد الخطيب على عصا ونحوها»، على عصا ونحوها، يعني يخطب متكئا عليها، ومعتمدا عليها. واستدل العلماء بهذا بما أخرجه أبو داود عن الحكم بن حزن رضي الله عنه: «أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وهو متكئ على عصا»، هذا أيضا مما يستحب. قال: «ويسن للخطيب أن يقصد تلقاء وجهه لفعله صلى الله عليه وسلم»، أن يقصد تلقاء وجهه، يعني يقف تجاه المستمعين، فيقابلهم أثناء خطبته. نعم، يبقى في أثناء الخطبة متجها إلى جهة المستمعين، لا يلتفت يمينا ولا شمالا، يبقى وجهه إلى الأمام في حال الخطبة. كذلك أيضا لا يحرك يديه الخطيب في خطبة الجمعة، لا يحرك يديه، يعني يتفاعل مع الخطبة، تبقى يديه في حركة، لا، المستحب أنه يشير بأصبعه فقط، أنه يشير بأصبعه هكذا ثبت عن نبي عليه الصلاة والسلام، حتى في الدعاء، الدعاء في أثناء الخطبة، لا يستحب رفع اليدين إلا في الاستسقاء، إلا في الاستسقاء فقط، فيستحب أن يرفع يديه، ويبالغ في رفع اليدين. أما في غير الاستسقاء فلا يرفع يديه، وقد أنكر الصحابة رضوان الله عليهم على بشير بن مروان حين رفع يديه في الدعاء في الخطبة، لما رآه أحد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهو عمارة بن رويبة، وقرأ: «وقد رفع يديه»، فقال: «قبح الله يديه، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بأصبعه»، «على أن يشير بأصبعه السبابة». نعم، فيكون حال الخطيب في خطبة الجمعة يشير بأصبعه عند الدعاء، وعند التنبيه في الخطبة، يشير بأصبعه، اقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام. كذا إذا دعا للمسلمين فلا يرفع يديه إلا في دعاء الاستسقاء كما قلنا، فإنه يستحب رفع اليدين والمبالغة في ذلك. طيب، هنا مسألة، وهي: ما هو العدد المعتبر في صلاة الجمعة؟ ما هو العدد المعتبر لإقامة الجمعة؟ هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، واختلف العلماء فيها إلى أقوال متعددة. منهم من قال: يعني المعتبر اثنان، أو أقل ما يعتبر اثنان. منهم من قال: ثلاثة. منهم من قال: اثنا عشر. منهم من قال: أربعون. وأقوى هذه الأقوال قولان: القول الأول والثاني: أن المعتبر اثنان، والقول الثاني: أن المعتبر ثلاثة. هذه أقوى الأقوال في هذه المسألة. أما من قال: اثنا عشر، فاعتمد على سبب نزول قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، قالوا: لما خرجوا بقي عند النبي صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا، قالوا: إذن هذا هو العدد المعتبر في الجمعة، ولا دليل في ذلك. ومن قال بالأربعين، قول الشافعية، يستدل كذلك بحديث، غير ضعيف، لا يصح. بقي هذان القولان: من قال بأن أقل العدد المعتبر هم ثلاثة، وهذا قول أبي حنيفة، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قالوا: استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من ثلاثة نفر في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان»، حيث بالدرداء في السنن: «ما من ثلاثة في قرية لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان»، قالوا: إذن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة، أن هذا هو العدد المعتبر في الجماعة، فكذلك هو العدد المعتبر في الجمعة. ولأنه لا بد من جماعة تستمع لخطبة الخطيب، وأقل الجماعة اثنان، قالوا: إذن لا بد من ثلاثة. والقول الثاني: أنه أقل ما تقام به الجمعة اثنان: خطيب ومستمع، قالوا: لأن الجماعة تصح بالإثنين، أقل ما تصح به الجماعة اثنان: إمام ومأموم، وما صحت به الجماعة صحت به الجمعة، ولا دليل على المنع من ذلك، لا دليل على المنع من ذلك، أي أن تصح الجمعة بإثنين. وهذا القول قول أهل الظاهر، ورجحه الإمام الشوكاني رحمه الله، وهو أيضا ترجيح شيخنا الوادعي رحمه الله: أن أقل ما تصح به الجمعة اثنان: خطيب ومستمع، وهذا القول هو الصحيح لعدم الدليل الذي يدل على المنع من ذلك، ولأنه كما سمعنا تصح الجماعة بالإثنين، فكذلك تصح الجمعة بالإثنين، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.