وقفات مع آيات الصيام  5

وقفات مع آيات الصيام 5

الدرس في وقفات مع آيات الصيام 5، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

حكم الصيام والإفطار للمسافر

الرخصة ثابتة للمسافر، والأولى له فعل الأيسر؛ فإن شق عليه الصيام لمشقة السفر أو الحر فالأولى الإفطار، بل قد يجب ذلك لقول النبي ﷺ: «ليس من البر الصيام في السفر». وقد أفطر النبي ﷺ في كراع الغميم عام الفتح تخفيفاً عن الصحابة، وسماهم «العصاة» من استمروا في الصيام، مما يبين أن التيسير يكون بالرخص الشرعية لا بالهوى.

مفهوم التيسير في الدين وضوابطه

التيسير في الدين ليس مبرراً للتكاسل أو اتباع الهوى، بل هو رخصة شرعية مستمدة من القرآن والسنة فقط. ومن أمثلته صلاة المريض قاعداً أو على جنب، وقصر الصلاة للمسافر، بينما التأخير في الصلاة أو تحليل المحرمات يُعد سوء فهم للتيسير.

سماحة الشريعة ويسر أحكامها

تؤكد الشريعة الإسلامية أنها سمحة وميسرة، لا تكلف المكلف فوق طاقته. جميع أحكامها مبنية على التيسير ورفع الحرج، مما يجعلها ملائمة لطبيعة الإنسان وظروفه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه من ولاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، فما زلنا الكلام على قول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وقد تقدم الكلام على إفطار المريض والمسافر، وتوقفنا عند مسألة يذكرها أهل العلم ويسأل عنها كثير من المسلمين المسافرين، وهي بالنسبة للمسافر: الرخصة ثابتة في حقه، ولكن أيهما الأفضل في حقه: الصيام أو الإفطار؟ منهم من قال: الصيام هو الأفضل، براءة للذمة حتى لا يبقى عليه صوم واجب. ومنهم من قال: الإفطار أفضل، أخذًا بالرخصة، أخذًا بالرخصة. والصحيح في هذه المسألة - والله تعالى أعلم - أن المسافر يفعل الأيسر عليه، يفعل الأيسر عليه. كيف الأيسر عليه؟ إن كان هذا الصيام يشق عليه مشقة شديدة لوجود مثلاً بعد المسافة أو حرارة الجو أو إلى غير ذلك، ولربما إن صام تضرر من هذا الصيام إما بإغماء وإما بصداع وإما بغير ذلك، فهذا الأيسر في حقه أن يفطر. بل بعضهم جعل ذلك واجبًا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما صح عنه في الصحيحين من حديث جابر: لما جاء عليه الصلاة والسلام وقد رأى رجلاً قد ظلل عليه، يعني أغمي عليه، فظلل عليه، فسألوا فذكروا له أنه صائم، فقال عليه الصلاة والسلام: «ليس من البر الصيام في السفر، ليس من البر الصيام في السفر». فهذا الحديث يحمل على من إذا سافر وصام مع سفره وقعت له مشقة شديدة، وقعت له مشقة شديدة. ويدل على هذا المعنى أيضًا حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان في حر شديد، في حر شديد، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه يعني من شدة ماذا؟ من شدة الحر. قال: من شدة الحر. قال: وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة. رواه الإمام مسلم في صحيحه. انظر: كل الصحابة الذين خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام في هذا السفر كلهم مفطرون، كلهم مفطرون، ولم يكن صائمًا إلا رسول الله، فإنه عليه الصلاة والسلام كما قال: «إن ربي يبيت يطعمني ويسقيني». قال ذلك عند المواصلة عندما نهاهم عن المواصلة في الصيام، فقالوا: وكيف أنت تواصل يا رسول الله؟ قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني». وأما عبد الله بن رواحة فحمل صيامه على أنه كان معتادًا على الصيام وكان متحملاً للصيام ولو كان في شدة الحر، ولو كان في شدة الحر، ولذلك صام مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا مما يدل على هذا - وهو أن المسافر إذا وجد مشقة شديدة من سفره يفطر ولا يصوم - ما جاء أيضًا من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح، إلى مكة عام الفتح، قال: فصام حتى بلغ كراع الغميم، يعني موضع قبل مكة، فصام الناس معه. خرجوا - تعرفون أن فتح مكة كان في رمضان - فخرج عليه الصلاة والسلام من المدينة والناس صائمون معه، فصام الناس. فلما بلغ كراع الغميم قيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنهم ينظرون فيما فعلت، ينظرون هل أنت تفطر أو تستمر. فدعا النبي عليه الصلاة والسلام بقدح ماء بعد العصر فشرب، والناس ينظرون إليه، فتبعه الناس وأفطروا معه عليه الصلاة والسلام. وفي هذا الحديث أيضًا أخبر عليه الصلاة والسلام أن أناسًا أو أن بعض الناس قد صاموا ولم يفطروا، استمروا في الصيام مع كون النبي عليه الصلاة والسلام أفطر من أجل أن يكون قدوة للصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكان هذا الإفطار بعد العصر لوجود المشقة على الصحابة، إلا أن بعض الناس استمر في صومه. فلما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك قال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة». نعم، يكررها، يكررها. فالمهم أنه يفعل الأيسر، وإن لم تكن مشقة ظاهرة، ولكنه إذا مثلاً أفطر يشق عليه الصوم في غير رمضان. بعض الناس لا شك أنه إذا صام مع الناس في شهر رمضان يسهل عليه الصيام، يسهل عليه الصيام، فلربما إذا أفطر اليوم واليومين يشق عليه أن يقضي هذين اليومين في أيام الفطر لأنه غير معتاد مثلاً على الصيام أو إلى غير ذلك. فهنا الأيسر في حقه أن يصوم، الأيسر في حقه أن يصوم. المهم يأخذ بالرخصة فيما فيه يسر: إن رأى في إفطاره يسر، إن رأى في إفطاره يسرًا فله أن يفطر، أما إذا وجدت مشقة فالأفضل أن يفطر، فالأفضل أن يفطر. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، أي أن تلك الرخص المتقدمة من كون الصيام إنما فرض أيامًا معدودات، شهرًا في السنة، هذا من التيسير. وكذلك الصيام لم يفرض دفعة واحدة وإنما تدرج في فرضيته، فأول ما فرض على التخيير: إما أن يصوم الصحيح المقيم، وإما أن يفدي ويفطر، وإما أن يفدي ويفطر. هذا من التيسير. وكذلك إن كان مريضًا يشق عليه الصيام أو على سفر فرخصة في حقه أن يفطر، هذا أيضًا من التيسير، هذا من التيسير. وهذا يدلنا على لفتة مهمة جدًا، وهي أن التيسير موضعه الشرع، لا الهواء والعقل والرأي والعاطفة، وإنما يكون التيسير بما في الشرع. لأن بعض الناس ربما يفعل الأمر المخالف للشرع ثم يقول: الدين يسر، الدين يسر. مثلاً تجده منهمكًا في عمل دنيوي، يأتي وقت الصلاة، صلاة الجماعة، يستمر في عمله، يقال له: يا فلان صلاة، قال: الدين يسر، بعد ما أقضي عملي سأصلي وأقوم بهذه الصلاة، الدين يسر. لا، أنت فهمت يسر الدين مفهومًا خاطئًا، لأن يسر الدين يؤخذ من الشريعة، يؤخذ من القرآن والسنة، يؤخذ من الكتاب والسنة، لا بالهواء ولا بالرأي ولا بالعاطفة. نعم، وكذلك بعض علماء الضلال ربما يفتي بالفتاوى المخالفة للشرع بحجة أن هذا من التيسير، وربما سما فتاويها الفتاوى المعاصرة، يعني التي تواكب العصر بزعمه، أن هذا من التيسير. فتجده يفتي بإباحة الأغاني أو الربا، أو الأغاني بقيود: إذا ما فيها مجون، أو الموسيقى عند النوم، وكل ذلك بزعم أن هذا من التيسير، أن هذا من التيسير. التيسير ليس بالرأي وليس بالهواء وليس بالمعارضة للقرآن والسنة، وإنما بالشرع، وإنما بالشرع. فنعم، الدين يسر، الأدلة على ذلك كثيرة، ولكن يسر الدين يؤخذ من الدين، من الكتاب والسنة. ومما يدل على يسر الدين ما جاء عند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا، يسروا ولا تعسروا». وهكذا في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا». نعم، فلا شك أن هذا التيسير إنما هو مأخوذ من الشرع. وهكذا جاء عند أحمد والبخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أحب الأديان إلى الله الحنيفية السمحة، الحنيفية السمحة». فنعم، هذا الدين دين اليسر، ليس في الصيام فحسب بل في كثير من الأحكام: في الصلاة، القيام ركن، القيام في الصلاة ركن، السجود ركن، الركوع ركن. لكن إذا لم تستطع أن تفعل هذه الأركان فالدين يسر، فالدين يسر، فتسقط عنك هذه الأركان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمران بن حسين لما أصيب بمرض البواسير: فقال له: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». هذا من اليسر مأخوذ من الشرع، لا بالهواء ولا بالعاطفة. دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. وهكذا في غيرها من الأحكام الشرعية: في الصلاة كذلك صلاة الجماعة، رُخصت رخصة للمريض، وكذلك المسافر أن يترك هذه الصلاة، يعني صلاة الجماعة ليست بواجب عليه، ليست بواجب عليه. وهكذا المسافر رُخص له لأنه يحتاج إلى هذه الرخصة لما يلاقي من عناء السفر، فرخص له أن يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، هذا من التيسير، هذا من التيسير. فإذن التيسير يؤخذ من أدلة الكتاب والسنة، يؤخذ من أدلة الكتاب والسنة. فهذا معنى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. فلو نظرت في هذه الشريعة في جميع الأبواب وفي جميع الأحكام لرأيتها شريعة سمحة ميسرة، ما فيها عناء ولا مشقة، ولا كذلك أمر يعمله المكلف فوق طاقته، يعمله المكلف فوق طاقته، بل جميع الأحكام الشرعية مبناها على التيسير. نكتفي بهذا وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر